شهدت بريطانيا, مؤخرا, حدثا تاريخيا بارزا لن يفقد اهميته حتى بعد مئة عام من الان, الا وهو افتتاح معرض (تيت مودرن) للفن المعاصر على الضفة الجنوبية لنهر التايمز. والمعرض, الذي اقيم في بناء كان سابقا لمحطة طاقة ضخمة في بانكسايد, اعتبر اكبر متحف للفن المعاصر في العالم واكبر متحف يفتتح في لندن منذ اكثر من نصف قرن وأول معرض وطني في بريطانيا مكرس حصرا للفن المعاصر والحديث. ويرى مؤيدو المعرض الجديد انه بسبب تركيزه على الفن المعاصر الحديث دون غيره سيجسر الهوة الواسعة التي كانت تشوب المشهد الثقافي في بريطانيا. وقد سبقت بريطانيا الى هذه الخطوة كل من نيويورك وباريس اللتان تمتلكان متاحف مشابهة منذ فترة. لكن على الرغم من وصول (تيت مودرن) المتأخرة الى ساحة الفنون العالمية, الا ان مناصروه يأملون في انه سيكون اكثر تألقا وبريقا من منافسيه في العواصم الاجنبية. ومن يطالع ما كتب عن (تيت مودرن) في الأوساط الاعلامية البريطانية, يلحظ مسحة قوية من الوطنية الثقافية. ويلقى المعرض اعجابا لدى النقاد المعماريين الذين قارنوه ببناء منافسه (مركز بومبيدو) في باريس. ويركز النقاد الفنيون على طريقة تقديم الاعمال الفنية التي يتحدى بها (تيت مودرن) (مذهب العرض القديم) المتبع في متحف الفن المعاصر في نيويورك ففي حين يعرض المتحف النيويوركي اعماله حسب التسلسل الزمني ويرتبها حسب المدرسة الفنية.. الانطباعية الكوبية, السريالية وهلم جرا, فإن (تيت مودرن) يعمد الى خلط اعمال من فترات زمنية مختلفة, ربطا بينها بوحدة الموضوع الفكري. وهكذا نشاهد لوحة (زنبق الماء) لمونيه معروضة مقابل لوحة بالابيض والاسود لريتشارد لونج, اذ يبدو واضحا اشتراك اللوحتين باهتمامهما بالمشهد الطبيعي. وقد لا يكون ذلك المذهب في التقديم دائما ناجحا جدا على صعيد التنوير الثقافي, لكنه يبدو بطريقة او بأخرى اكثر حداثة. ومن الطبيعي ان حكومة توني بلير التي طالما اظهرت ولعها بالحداثة و(الصناعات الابداعية) ما كانت لتفوت فرصة حضور افتتاح معرض (تيت مودرن) وقد كتب الصحافيون المؤيدون لبلير مقالات جادة تؤكد على الطبيعة الرمزية لافتتاح المعرض الجديد. وفي حفل الافتتاح كان على توني بلير ان يقف كتفا الى كتف بجانب مادونا ومايك جاجر والملكة اليزابيث ملكة بريطانيا. ويبقى ان نرى ما اذا كان (تيت مودرن) سيصدر فعلا الرنين السياسي المرجو منه. فقبة الالفية, كان المقصود منها ايضا اختلاق شعور بالاثارة والحداثة. لا ان يدرك الجميع انها عمل مخفق. لكن ما يعطي الافضلية لـ (تيت مودرن) ان محتوياته من نتاج خيال الفنانين وليس نتاج هيئة رسمية, كما حدث في القبة. لكن كما انه من الممكن ان ينجح الفن المعاصر في اثارة الناس العاديين, فمن الممكن ايضا ان ينفرهم. ويضم المعرض الجديد عمل (قرميد تيت) الشهير, وهو مجموعة من الاجر الحراري قام بتجميعها كارل آندر, وكانت قد تعرضت لموجة نقد عنيف في الصحافة قبل سنوات ووصفت بأنها افضل مثال على طبيعة الاحتيال الخداع التي تظلل الفن الحديث. واحد مظاهر (تيت مودرن) التي يبدو انها ترمز فعلا لبريطانيا الحديثة هو اعتبار تسيير حافلات النقل العام الى المعرض امرا مخزيا. وتزعم بروباجندا المعرض انه على بعد امتار من موقف متر و(ساوثورك) , لكن تبين ان الزائر الآتي بالمترو سيمشي لعشر دقائق متعثرا بالارصفة المتكسرة ومستنشقا ادخنة حركة المرور المختنقة في تلك المنطقة. كما ان اللافتات القليلة جدا التي تدل على مكان المعرض وضعت بطريقة ذكية فوق مستوى النظر وطبعت بحروف مجهرية كي تتعذر رؤيتها وقراءتها. لكن قريبا من المفترض ان يربط (تيت مودرن) بالضفة المقابلة للتاميز وبكتدرائية سان بول عبر جسر الالفية الذي سيسلكه قاصدو المعرض من المشاه. لكن الذي حدث ان الجسر لم يتم انجازه في الوقت المحدد. وبالرغم من كل ذلك, وبنظرة اكثر شمولية فإن (تيت مودرن) وقبة الالفية سيساهمان بشكل كبير في اعادة بث الحيوية في منطقة التايمز كمركز ثقافي وموقع جذب سياحي. ويستفيد تصميم معرض (تيت مودرن) بشكل رائع من موقعه على ضفة النهر, اذ يستطيع الزوار الان ان يمشوا في عجلة الالفية عند جسر وستمنستر عابرين من امام صالات المسارح والحفلات الموسيقية في ساوث بانك متابعين طريقهم بعد ذلك الى المعرض الجديد. قد تصبح تلك واحدة من امتع النزه في لندن.