عندما يشاكس الطفل الايطالي أمه, وتريد اسكاته أو إخافته تقول له (هانيبال ابورتس) أي أن هانيبال خلف الباب. وهانيبال هو القائد القرطاجي الشهير الذي دخل ايطاليا حتى وصل إلى اسوار روما, وتريد الام الايطالية أن تقول له ان الشيطان أو العفريت خارج الباب, والشيطان هنا هو القائد القرطاجي الفينيقي العربي الذي قاد الحرب ضد الامبراطورية الرومانية اعظم الامبراطوريات القديمة, والرجل الذي دفع قادة روما إلى الحائط يحتمون به كآخر ملاذ. وهانيبال هو اسم عربي مترجم عن اللاتينية, فعندما انتصر الرومان ازاحوا قرطاج من الوجود, واصبحوا هم المصدر الوحيد لتأريخ هذه الحضارة ولذلك تقرأ عن الاسم القديم لمدينة سوسة انها (هدرموت) في حين أنك لو قرأتها (حضرموت) لكانت أقرب إلى الواقع, ولأن أهل قرطاج اتوا غالبا من سوريا, وربما بعض دول المشرق العربي, فلقد حملوا بالتالي اسماء بلادهم الاولى. ونتيجة النطق اللاتيني للاسماء فنحن مختلفون في نطق اسم هانيبال, فالبعض ينطقونه حنا بعل أو حن بعل, ولا ادرى لماذا لم يخطر على بال أحد أن يكون اسمه هاني بعل. على أي حال حديثي عن هانيبال بمناسبة فيلم سينمائي جديد عنه , وهو ليس أول فيلم سينمائي عن القائد الفذ, فلقد رأيت عنه فيلما امريكيا غنائيا, وأذكر منه هانيبال وهو يتسلل إلى روما ليغني تحت شرفة معشوقته كما كان يتسلل روميو ليتحدث تحت شرفة جوليت, وهكذا قدموا القائد العربي بطريقة توحي بتفاهته وسطحيته. وهذا ليس صحيحا, وإلا ما ظلت الامهات الايطاليات يهددن أطفالهن حتى الآن باسم هذا القائد. العالم الغربي الآن يملك الاعلام, ولذلك فهو يعيد النظر إلى تاريخنا كله, ويشوه كل ما نملك من حضارة في مسلسل طويل لا ينتهي. ويبدو أن السخرية من هانيبال وتحويله إلى مطرب لم تأت بثمارها, فاتجهت هووليود إلى انتاج فيلم على نسق (أمير مصر) وغيره من الافلام التي تعلن الحرب على العرب. اسم الفيلم دون لف أو دوران هو (هانيبال آكل لحوم البشر) هل تصدقون هذا؟! ويصور الفيلم هانيبال الذي يمثل دوره انتوني هوبكنز وهو يأكل امرأة! هل سمعتم عن اهانة أكبر من هذا؟ ان هانيبال هو نتاج حضارة راقية قدمت للعالم الحروف الابجدية والعمليات التجارية والاديان, وكانت مثل كل حضارة لها سلبياتها , لكنها أبدا لم تتهم بهذه الكبيرة التي أطلقها هذا الفيلم. والحضارة القرطاجية تعود إلى ما يقرب من عشرة قرون قبل الميلاد, ولا أدري أين كان أجداد صانعي هذا الفيلم آنئذ, وربما حسب نظرية داروين إذا كانت صحيحة كانوا يقفزون فوق الاشجار بذيولهم الطويلة. وتحكي الاسطورة القرطاجية ولعلها ليست اسطورة عن هجرة سورية إلى تونس تحت قيادة ملكتهم (اليسا) كما يترجمها الرومان, أو (اليشا) كما ينطقها الذين يتكلمون الاسبانية, أو (عائشة) كما قد يخطر على البال. وعندما بدأت الدولة الناشئة كان المنافس لها دولة اليونان, إذ لم تكن الدولة الرومانية قد بدأت بعد. وقامت حروب طويلة مريرة بين اليونان واهل قرطاج ليست شهيرة في التاريخ, ورأى قادة قرطاج أن مواجهة اليونان تكون باتخاذ اسبانيا قاعدة عسكرية أمامية, وهذا ما فكر فيه العرب في ايام الدولة الاموية. وفي القرن الرابع قبل الميلاد احتلت روما مكان اليونان, وورثت الصراع مع قرطاج. ويبدو أن القصة القديمة هي نفسها القصة الحديثة, فلقد سخرت الولايات المتحدة كل امكانياتها لهدم الامبراطورية السوفييتية المنافسة, والآن تمحو كل الافكار والثقافات التي قامت عليها هذه الامبراطورية, وتكرس نموذجا واحدا. وبدأ نجم هانيبال يلمع قبل عام 221 قبل الميلاد عندما طلبت روما تسليمها القائد الشاب ادراكا منها بخطورته , ولما لم تقبل قرطاج اعلنت روما عليها الحرب, وحشدت لها قوات هائلة لتدميرها في خط دفاعها الأول: اسبانيا. يقول العسكريون أن أي قائد عبقري كان لابد أن يفكر في هزيمة الرومان في اسبانيا, ولكن الفكرة التي اتت إلى هانيبال كانت أكثر من عبقرية, فلقد ترك اسبانيا وقاد جيشه إلى روما. وكان جيش هانيبال يتكون من تسعين ألف جندي, وأثنى عشر ألف فارس , وسبعة وثلاثين فيلا هي مقابل دبابات زماننا, وآلاف البغال التي تحمل الطعام والاسلحة وغير ذلك , وهو جيش كبير في عصر كانت تدور فيه المعارك بمئات الجنود, ولا تصدق ما يكتبه الرواة من أن الملك فلانا أتى بجيش من ألف ألف, تلك مبالغات طويلة. وكان على هانيبال أن يعبر جبال الألب ليصل إلى روما, وكان هذا مستحيلا لعدة اسباب منها أن هذه الجبال مغطاة بالثلوج غالبا, وانها قليلة الممرات, وإنها فخ لأية مقاومة من العصابات. ولكن هانيبال قاد عبور الجيش بذكاء كبير, وكان مما فعله أنه طلب من جنوده أن يحرقوا الاشجار عند الاماكن التي يريد فتح ممرات في صخورها, ثم يسيل بعض النبيذ على الصخور المتقدة فتنكسر. وهكذا استيقظ اهل روما يوما فوجدوا جيش هانيبال على أبوابهم. وربما كان الافضل أن تنتهي القصة هنا, ونقول أن هانيبال لم يستطع دخول روما, فالقصة أسوأ من ان تروى, ولكن لابد لكل بداية من نهاية. فلقد أحس قادة روما أن الهزيمة آتية, وأن هانيبال سيدخل قلعتهم الحصينة, ولذلك سارعوا بالتوجه إلى نبلاء قرطاج وتجارها, يعقدون معهم الصفقات التجارية, وينثرون الذهب أمامهم, وهكذا تلكأوا في ارسال مدد أو عون إلى هانيبال. واضطر هانيبال إلى الانسحاب وهو المنتصر, ليعود إلى بلاده, ولقد أدرك أن القائد العسكري ليس هو صاحب القرار, ولذلك يرشح نفسه حاكما (قنصلا) لبلاده, حتى يستطيع أصدار القرار السياسي المناسب. ولكن التجار كانوا اقوى من هانيبال عسكريا أو سياسيا, واصبح مطلب روما الملح هو تسليم هانيبال, وتأهبوا استعدادا لهذا الحدث, فلقد كانت روما تحتفل بأسراها احتفالات هائلة, كانوا يأتون بالاسير في قفص ويضعون الطوق حول عنقه, ويضعونه على عربة تسير في شوارع روما, يتزاحم حوله الناس يسبونه ويلقون عليه القاذورات, وفي النهاية يموت الاسير جوعا أو عطشا أو تعذيبا أو احباطا. وقبل أن تسلمه إلى بلاده هرب هانيبال في عام 194 قبل الميلاد وعاد إلى موطنه الاصلي سوريا بعد قرون طويلة من هجرة جدته اليشا أو عائشة. وعرفت روما أن هانيبال في سوريا, فأرسلت له جيشا بعد ثلاث سنوات من اختفائه, لكن الجيش لم يستطع الامساك به. فلقد هرب إلى تركيا, وصار الآن في الستين من عمره, ولكن روما لم تهدأ في المطالبة به, واحتمى هانيبال بأحد ملوك تركيا آنئذ, يقدم له خدمات كبيرة بشرط ألا يشي به, وأراد الملك أن يربح رضا روما, فأرسل إليها قوات تأسره, لكن هانيبال تناول السم ليخيب رجاءه ورجاء روما. ويبدو أن (روما) مازالت تطارد هانيبال, ويبدو أن الغرب مازال لم يأخذ ثأره من البطل العربي الذي دق ابواب روما وكاد أن يحول أوروبا إلى قارة عربية. والآلة السينمائية الغربية الصهيونية تنتج في كل فترة فيلما يعتبر لطمة على وجهنا, ونمتعض ونمسح اللطمة, ونمضي في طريقنا كأن شيئا لم يحدث. أردت أن أنادي بخطوة عملية لمقاومة العدوان الاعلامي الصهيوني على تاريخنا, ولكنني اعرف أن لا حياة لمن تنادي. وفكرت أن نخيف اطفالنا بطريقة الرومان, ونقول: باراك أبورتس! ولكنني اعرف وانت أيضا تعرف أن الخوف ليس بداية الطريق.