منذ ستينيات القرن التاسع عشر, كانت السياسة الانجليزية حلبة للمنافسة بين زعيمين كبيرين أحدهما من أصل يهودي واسمه دزرائيلي والآخر جنتلمان انجليزي اسمه جلادستون وكان زعيما لحزب الأحرار (الليبراليين) الذين كان القوم يتوقعون منهم سعة في الأفق واستنارة في الرؤية. ويشاء القدر أن يلعب كل منهم, اليهودي أو الجنتلمان دورا مؤثرا إن لم نقل فاجعا في حياة مصر وشعبها.. الأول دزرائيلي مارس عملية نصب وتدليس عيني عينك على الخديوي اسماعيل حاكم مصر في تلك الأيام.. وكان رجلا طموحا ولديه أحلام وردية بالنسبة لعمران مصر وتحديها, لكن دون أن يكون لديه الحزم اللازم والرشد المطلوب لوضع تلك الأحلام موضع التنفيذ وكان أن أصبح جناب الخديوي الأفخم مديونا لشوشته كما يقولون, ولمن؟ لبيوت المال والرهونات والأنشطة الربوية اليهودية التي تآمرت بدورها مع الداهية الانجليزي دزرائيلي الذي اشترى أسهم مصر ـ واخد بالك ـ في شركة قناة السويس بأبخس الأثمان وأعطى لاسماعيل باشا ذلك الثمن الزهيد المنجوس حتى يفك ضيقته ولو إلى حين, وضاع على مصر أيامها نصيبها في قناة السويس المحفورة في أرضها والتي مات بداخلها آلاف من أبنائها الذين جاءوا لمشروع القناة من أراضي الدلتا وأرياف الصعيد. وعندما ترك دزرائيلي رئاسة الوزارة البريطانية استبشر القوم في مصر والشرق خيرا أو بعض خير بمقدم الليبرالي التحرري الجنتلمان المهذب ابن الأصول, المتربي جلادستون الى رئاسة الوزارة. وأقسم الرجل يمين الولاء لجلالة الملكة فكتوريا وخرج ليثبت للمصريين على الأقل صحة المثل القائل ان: شهاب الدين أسوأ من أخيه.. بل كان أخبث وأشد قسوة وأنكى تعاسة.. كيف لا ففيما حرم سلفه دزرائيلي مصر الطيبة من نصيبها في قناة السويس, جاء جلادستون ليحرم مصر من استقلالها من الأساس.. ففي عهده تم احتلال مصر في سبتمبر عام 1881. وكان طبيعيا أن يتصايح أركان حزب الأحرار في مجلس العموم أو على صفحات الجرائد ولسان حالهم يقول: ـ كيف نكون أحرارا بحق بينما عمدنا الى احتلال بلد في الشرق اسمه مصر؟ ويومها أيضا شهدت الساحة السياسية والاعلامية في بريطانيا جهود رجال شرفاء كان على رأسهم المستر (ولفريد سكاونت بلنت) وكان مستشرقا نشطا وصديقا للزعيم أحمد عرابي وقد بذل قصارى جهده لانقاذ عرابي من طابور الاعدام. والحاصل أن جهود المستشرق (بلنت) وأحزابه أثمرت, أو هكذا هيئ لهم, في أن جلادستون, بجلالة قدره خطب في مجلس العموم قائلا ما معناه: ـ ياحضرات النواب المحترمين, نحن لم نحتل مصر إلا لتخليصها من فتنة مسلحة قادها العاصي أحمد عرابي الذي خرج على طاعة صديقنا العزيز السلطان العثماني ونائبه في حكم مصر الخديوي محمد توفيق . وليس لنا أطماع في مصر (واخد بالك؟) ولذلك فلن نمكث فيها سوى فترة محدودة يكون الجلاء عن مصر فنتركها حرة لأهلها ونحن نعاهدكم على ذلك ونرهن شرفنا وكرامتنا واعتبارنا لتنفيذ هذا التعهد وانجازه.. الخ. بعدها ظل الناس مع سنوات العقد الأخير من القرن التاسع عشر يرصدون حكاية الالتزام الذي تعهد به جلادستون رئيس وزراء بريطانيا.. ومنهم من كان يحاول تذكيره ولو من بعيد لبعيد, وذلك لأن السنوات العشر التي أعقبت واقعة الاحتلال سنة ,1882 شهدت فترة ارهاب سياسي ونفسي أخرست ألسنة الناس وكسرت أقلام الكاتبين وكتمت الأنفاس خوفا من البطش والتنكيل, زعماء الثورة منفيون في سيلان ومن كبار مثقفي الثورة (مثل الأستاذ محمد عبده) من كان نفيهم الى تونس ثم بيروت, ومن أركانها من صودرت أملاكه مثل السيد حسن موسى العقاد شهبندر ـ عميد التجار الذي نفوه على ما تعي ذاكرتنا ـ الى دواخل افريقيا. لم يبق لصوت أن يرتفع أو يقول شيئا مفيدا في مضمار السياسة. وهنا كان دور الفن ـ الغناء بشكل خاص يعبر عما يجول في وجدان الناس وما يضطرم في أفئدتهم من غضب واستفزاز وما تجيش به صدورهم من لواعج الآمال. كان الشأن العام يدور حول مقولة اساسية. ـ متى يفي الانجليز بعهدهم في الجلاء؟ هنالك جلس شيخ الشعراء في ذلك العصر اسماعيل باشا صبري فكتب أغنية عمد الى أن تكون بالعامية البسيطة الدارجة كي يضمن انتشارها على أوسع نطاق... وتلقف الأغنية الموسيقار المطرب محمد عثمان وهو سيد من صنعوا الأدوار الكلاسيكية في موسيقى العرب الحديثة, فصنع لها لحنا تؤديه مجموعة المرددين مفعما بشجن خاص.. ظاهره شكوى الزمان وباطنه وجوهره التنديد بوجع الاحتلال.. ومازال دور اسماعيل باشا صبري ومحمد عثمان يتردد في أسماع أمثالنا ونحن ـ بعد إذنك ـ من عتاة السميعة المشتغلين والمنشغلين بفن الغناء العربي عبر العصور. ورغم أن هذا الدور مسجل بصوت المطرب الكلاسيكي القديم صالح عبدالحي ويؤديه باتقان حرفي شديد, إلا أن الفضل في تقديمه لأسماعنا نحن المحدثين أو فلنقل المخضرمين يرجع الى الموسيقار عبدالحليم نويرة رحمه الله إذ نفض عنه التراب وأعاد تحرير مقاماته وضبط نغماته ثم هدته بصيرته الموسيقية والمثقفة الى ألا يسند اداءه الى مطرب فرد ولكن الى مجموعة المطربين الرجال الذين أضفوا على الدور وكلماته ومعانيه ومراميه كل ما يشجعه من مشاعر الحزن الجليل العميق وهو كذلك لأنه يمس مصلحة الوطن بشكل عام. يقول مطلع الدور في تورية متقنة عشنا وشفنا سنين ومن عاش, يشوف العجب وهو مطلع بريء كما ترى.. لكن.. هون عليك فالشاعر يسترسل ليقول: شربنا الضنى والأنين جعلناه لروحنا طرب وبعدها يخلص الى المزاوجة بين معاني الظاهر والباطن (نضعها بين أقواس) يقول: ** غِيْرنا تَملّكْ وصال (التورية بين الوصل وبين حرية التملك). واحنا نصيبنا الخيال فين العدل.. يا منصفين؟ كمال الجميل إن جاز (الكمال هو الانجاز والوفاء بالعهد) وصدق المعاهدة شرف سلامي عليك يازمان سلام الهنا والأمان.. الخ كان الناس يغنون هذا الدور وكان اللورد كرومر عميد الاحتلال وقتها يتصور أنهم نسوا المسألة وانصرفوا عن السياسة الى الغناء.. ولكنه كان واهما على التحقيق فالشعوب لاتنسى.. ولكن, لكل شعب اسلوب معين في التفكير وتوقيت خاص في التنفيذ.