منذ العام 1980, أسَّسَ وانيس باندك فرقة الشهباء المسرحية, التابعة للمركز الثقافي بحلب ـ مديرية الثقافة فيما بعد ـ متجاوزاً بهدوئه وصمته المشهودين له, كلَّ الصعوبات التي تواجهُ فرقة هواةٍ مسرحية فوق خشبةٍ, أمْ.. من خلف الكواليس. بمسرحيةٍ من فصل واحد (قطعة العملة) لفرحان بلبل, وبممثلين اثنين, انطلقت خصوصية وانيس باندك, تختار النصوص الصعبة (الدراويش يبحثون عن الحقيقة لمصطفى الحلاج ـ الغزاة لاغون وولف ـ احتفال ليلي خاص لدريسدن لمصطفى الحلاج ـ سكان الكهف لوليم سارويان ـ العائلة توت لأوكريني) في مغامرة تتخطى قدرات فرقته وممثليه, حتى حجزت فرقة الشهباء المسرحية مكاناً لها في فضاء حلب منذ 1981 وحتى 1988, وصارتْ لمخرجها بصمته الخاصة, فلمَّآ نضجت التجربة, أوقفت إدارة المركز الثقافي آنذاك تعاونها ثم وهبته لفرقة تهريج رديء! بعد حصوله على الدكتوراه, أتاح له مسرح حلب القومي فرصة واحدة, فعاد وانيس باندك بنصِّ وليد إخلاصي (من يقتل الأرملة) العام 1994, في افتراق عن العروض السقيمة لمسرح حلب القومي, جعل الادارة توصد من دونه الابواب. العام 1997 عاد وانيس بأسرته المسرحية (فرقة الشهباء) بعرض استيفان أوكريني (العائلة توت) وهاهو اليوم يعود بنصَّ سالينجر (اثنان فوق أرجوحة) كأنما (الأرجوحة) مجازُ دلالة لما عاناه طوال هذه السنين! حول عرضه الجديد ومجمل مساراته المسرحية وحول أحوال المسرح في الشهباء منذ بداياته قبل 127 عاماً, ابتكرت لصمت وانيس باندك هذه الاسئلة: * يغلب على عروض حلب المسرحية ـ هاوية ومحترفة ـ صخب وإيقاعات خارجية, استسهال كسْر الجدار الرابع بمبرر ودونه, إعادة انتاج أساليب خمسينيات وستينيات وسبعينيات المسرح السوري بهواته ومحترفيه, هل كنت خصوصاً في (سكان الكهف ـ العائلة توت) والآن في (اثنان فوق أرجوحة) تتوخى الرصيف الثاني من شارعنا المسرحي, بينما الشارع يغص بالتهريج وبأشباه المسرحيين؟! ـ أرجو أن أكون على الرصيف الثاني كما تقول, فأنا أحاول منذ أكثر من عشر سنوات الابتعاد عن هذه (الهيصة) , هذه الفرجة المجانية, وتلك المشاهد والتشكيلات الجاهزة, تنتقل بالعدوى من عرض إلى آخر ومن مهرجان إلى مهرجان.. دائما, هناك سلاطين ووزراء وحجاب ورؤوس تقطع ثم امرأة بالباب تستغيث طالبه المثول. أحاول العودة إلى الرحم المسرحي, الى عمق العلاقات الانسانية, وجوهرها الابدي, حيث يوجد الكائن, الذي هو أنت وهم, مثلما هو الممثل والمؤلف والمخرج والجمهور, محاولاً التقاط أصواتهم المتوارية حزناً أو فرحاً, يأساً من حياة , أو موتاً بهدوء عميق... هذا هو الرصيف الثاني الذي أحاول الوقوف عليه في فضاء من الستائر وبقع الضوء. * في اختيارك لنص سالينجر (اثنان فوق أرجوحة) استمرار مخاطبتك لنخبة لاتزال ترغب في ارتياد مسرح, كأنما اختيارك تأكيد على اللاجدوى من بعض ادارات ومؤسسات, ترى في المسرح تسلية, كما على اللاجدوى من اجتذاب جمهور أوسع بشرائح مختلفة؟ ـ اختياري لنص سالينجر (اثنان فوق ارجوحة) جاء من قناعتي بأننا نحتاج مسرحاً على أصوله, للأسف, أجيالنا الجديدة لا تعرف ماهو المسرح, ربما تظن ان ما يقدم لها ـ خصوصا في حلب ـ من ابتذال وتهريج هو المسرح. وحدث أثناء العروض أن دخل بعض الفتيان الى مسرح دار الكتب ظناً منهم بأن المسرحية (أرجوحة عيد) وشيئاً مضحكاً مما تعودوا أن يروه, كانوا يحملون أكياس البذر والمأكولات, لكنهم فوجئوا. مثل تلك الحادثة وسواها, تدلُّ على أن الجمهو يعتادُ على ما تقدمه له, فإذا قدمت له طوال عشرين عاما عروض تهريج, سيقتنع جيلنا من الشباب على التوالي, بأن المسرح تهريج!, بينما المسرح مرآة الشعوب, والمسرح تربية وثقافة ومتعة فنية وجمالية. * نص سالينجر (اثنان فوق أرجوحة) ينتمي لظاهرة مسارح (برودواي) وهي مختبرات مسرحية, عرفنا من كتابها إداورد إلبي في (حديقة الحيوان) وفي (ثلاث نساء) الذي قدمته نضال الاشقر على مسرحها في بيروت (مسرح المدينة) . ..هل أنجزت مع فرقة الشهباء, مختبرا مسرحيا لإنجاز (اثنان فوق أرجوحة) ؟ ـ تعرف أن هذا غير ممكن في ظروفنا الثقافية الراهنة, ونادرة هي المؤسسات الثقافية العربية التي تتيح للمسرحيين مختبرا, وتدريبات ومعايشة يومية بين اعطاء الاسرة المسرحية, المختبر حياة تحتاج إلى تغطية مادية من جهات تتوخى المسرح درباً إلى ثقافة فاعلة بين ثقافات الشعوب, وهذا غير متاح الان.. عربيا, للاسف. قبل عشرين عاما, خضت تجربة مختبر مسرحي في دمشق, باشراف المخرج وليد قوتلي, كنا مجموعة شباب في حماسهم نؤلف ونخرج ونجسد الدلالات على الخشبة بشكل جماعي, استمرت تلك التجربة سنة كاملة, كانت بمثابة معهد مسرحي مصغر المختبر المسرحي شيء يشبه الحلم الضائع في زحمة وتلوث (السيرفيس) ! * تقصدت القول بـ (المختبر المسرحي) مع علمي باستحالته, خصوصا لجهة عدم قناعة مؤسساتنا الثقافية به.. ما الذي تقترحه كمخرج, للخروج من عنق الزجاجة؟ ـ بماذا يمكنني أن اجيب عن سؤالك الصعب! سبق أن تحدثنا في الندوات والى الصحافة, فماذا كانت النتيجة؟! انت شرحت الواقع المسرحي على حقيقته, خصوصا في مدينة ثقافية وفنية مثل حلب, التي يجب ألا تخلو مسارحها من عشرة عروض على الاقل. الناس ـ رغم طغيان التلفزيون ـ يحتاجون إلى المسرح, الى نصوص مختلفة من تيارات أدبية وفنية مختلفة, مليئة بانعكاس حياتهم وبالاسئلة غير (المبسترة) والمسرح هو الفضاء الذي يتيح للجمهور ان يعيش طقس التواصل الانساني, وهو الذي يوحدهم حيال كل الصعوبات التي قد تمر بها الامة ويمر بها الوطن, وهو الذي يبعث فيهم سؤال الوجود, وسؤال الهوية, وسؤال المستقبل. انا اقترح كسر الزجاجة, لان لاجدوى من محاولات الخروج من عنق الزجاجة, وعلى الذين يحبون المسرح ان يتجمعوا على شكل أسر مسرحية صغيرة, تعتمد على نفسها في بناء مسرح يتواصل مع الناس. .. مثل ذاك, حدث في تونس, حيث تمول البلديات والمؤسسات الثقافية والشركات الخاصة التجارب المسرحية, ولذلك قطع اخوتنا المسرحيون في تونس اشواطا نحو مسرح عربي بالمعايير العالمية, وبقينا نراوح في المكان المسرحي ذاته منذ سنوت! * أعود إلى انجازك الاخراجي العاشر مسرحياً, وقد وضعت اثنين (رجل: الممثل محمد ناصيف ـ وفتاة: الممثلة هناء استنبولي) فوق أرجوحتك الايقاعية البطيئة, غير إن ايقاع العرض بدا في اكثر من موضع متباطئا بما فيه الكفاية, بينما الدلالة أرجوحة العمر. .. هل كان ذاك, لغياب هارمونية الاخراج, أمْ .. لظروف تتعلق بالممثلين, وبنوعية الانجاز والمغامرة, أمْ. بيوميات التحضير؟ ـ منذ أن قمت بترجمة هذا النص قبل خمس سنوات, أدركت صعوبة انجازه, بما يحمله من حساسية خاصة وموضوع انساني عام, رغم خصوصية البيئة الامريكية واغتراب افرادها, تردَّدت كثيراً في اخراجه, وكانت أسرة فرقة الشهباء قد تبعثر افرادها, نتيجة الانقطاعات والمعاناة من التوقف والبحث عن سبيل العيش, فغامرت بهذا النص, وكان الممثل محمد ناصيف, هو الممثل الثالث على التوالي, ممن عملت معه على دور (جيري) , وهناء استنبولي الممثلة الثانية, ثم كان لابد من الاشتراك في مهرجان حلب المسرحي الثالث, وهكذا بدأنا البروفات في وقت متأخر, وانجزنا العمل في فترة قصيرة. في النص توجد عدة مستويات, علاقة (جيري) المحامي المتزوج من سليلة اسرة ارستقراطية جعلته اسير أهوائها, و(هيتل) الفتاة, نموذج الشباب الامريكي, الضائع في الزحام, الذي حاول ان يبحث عن فرصة لاثبات نفسه, من خلال الحب والعمل والابداع, فلا يصاب سوى بقرحة حادة في معدته, ثم هناك تأثير العالم الخارجي على علاقتهما الخاطفة, التي كانت محطة في قطار, ولقد عملت على ايجاد ايقاع عام يمسك العرض دون نسيان الايقاعات الاخرى, أما الحديث عن هارمونية الايقاع فهذا يحتاج الى المختبر المسرحي الذي نحلم به. لو أن أحدا يجمع المسرحيين السوريين حول طاولة مستديرة, وليس على اطراف كرنفال مسرحي, لنبحث معا كمسرحيين وادارات عن نهوض جديد لمسرحنا السوري.. منذ زمن, لم يلتق المسرحيون السوريون في حوار جدي وهادف ومفيد. حوار: نجم الدين سمان