ستظل قصيدة النثر دائما والى ان نستطيع معايرتها مثيرة لاسئلة الجدل والشعر.. ولكن ستظل صورها ايضا مبعثا لفتنة الدهشة, وفي قصيدة (الموت ليس لي) نلمح تقمصات الجسد .. والعلاقة الميتافيزيقية التي تحاول بناءها بين مفرداتها متخطية الشك الى يقين المقدس.. وتحاول القصيدة تصوير الموت كملازم طبيعي لعملية الهدم التي اتقنها الشاعر في اعماله السابقة بحثا عن الحقيقة من جهة, وابرازاً لوجه الحياة وتأكيدا لها من جهة اخرى. فقوانين الطبيعة منذ الازل لم تتبدل... والحياة والموت متضادان, كل منهما يعرّف بالآخر رغم بعد المسافة بينهما, وأبو زرقتين يستحضر هذا الموت بحثا عن الخصب والثقة بالحياة بحثا عن انطلاقة الانسان وايقاظه من حالات الضعف والضمور والانحطاط ومن هنا يأتي طرحه لأسئلة الموت التي سبق أن اوردها في أعماله السابقة, ففي ديوانه (الآخر فيه) مثال يرفض هذا الموت المحيق الهادر لطاقات وأمال البشر والانسانية حينما يعامله بعبثية تبدو في مواقع كثيرة: (هل بإمكاني مثلا أن اخفف حدة الجرح في الفوانيس تحت مشجب الموت) هذا الترويض العبثي يستمر في تجربة الشاعر ونظرته التأملية للموت (لكن كيف وإلا كيف أبقى وحيداً في المقبرة) هذه النظرة الاستخفافية بالموت هي منطلق للاحتفاء بالحياة, ولكن مازال في بحثه اسئلة الوجود الكبرى, تعيقه هذه الاسئلة عن انساق علاقته بمفردات جسده وتماهيه في الموت, وكأن هذا المدخل سيقود حتما لفهم أكبر في النهاية, فنراه يرصد ذلك إمعانا في الجدية حتى لو كانت من خلال صورة شعرية تشي برمزية العبث لكنها تقود الى عميق الحكمة وصرامة التأمل: (أوقد شمعة وبتواضع شديد أبحث عن الموت) (ليس لي في الموت) يتعمد الاغراق في الضد ثم نفيه للجهة المعاكسة تماما مستندا في ذلك الى حركية نصه عبر رؤاه الفكرية والنفسية في محاولته لفسح مجال لتأصيل ذاته كما يراها هو, النظرة الى الموت لم ينفك منها أبو زرقتين نراها في اشاراته أحيانا ونراه متعمدا البحث والتأصيل وقد وظف الديوان بكاملة لهذا التوجه مؤكدا على أهمية الحياة منذ المفتتح الاول: (دعني أفتح هذه التفاحة التي منها يخرج ملائكة صغار يجلسون معي بسلام) هذه التفاحة التي تعني بداية الحياة ـ بداية الخروج الى ارض الدنيا والواقع.. هذه الاطلالة الاولى على بداية الخلق.. يوم كان البشر حبا وسلاما.. ملائكة وصغار ايضا إمعانا في الطمأنينة والشفافية فيتحلون بالسلام الاعظم. يحتفي ابو زرقتين بالموت كمضاد للحياة ولكنه احيانا يرى تساويهما في الأثر. (من بعيد أنادي تخرج الجثث برغباتها المحبوسة خالية من البرودة) . ولكن الشاعر ينادي على الاحياء فتتجاوب جثث فيها حركة الحياة ولكنها ميتة.. يتحركون بلا غطاء الانسانية, ودفء الحياة الذي يجب ان يكون, ولكن الشاعر سرعان ما يفصح عن نواياه الحقيقية تجاه الموت.. وتجاه فلسفة الحياة كما يراها و(ولكنه يبقى هناك يخلع له الانسان تابوته وينادي. الروح وكأنها تخرج من الجسد التابوت لتنطلق الى حياتها المشعة بالابدية وكأنها تموت لتبدأ الحياة.. هذه النظرة لاتخرج عن المعتقد في الاديان السماوية والتي تؤمن بصيرورة الحياة في العالم الآخر.. والبعث والقيامة من أجل بدء حياة جديدة بعد الانعتاق من هذه الدنيا التي نحياها ولكننا نغادرها موتا هنا وبعثا هناك, ويؤكد على عمق وعيه بالموت كمعادل للبعث والحياة. (وحدي أهندس الموت) هذه الهندسة التي تتسق في عمق النظرة لأمل الحياة في شكل الموت.. النهوض والانبعاث منه الى نقيضه (لتنال الارض من جسدي وتنال السماء من روحي) . الموت في شكله الميتافيزيقي .. جثة وقبر .. حفرة تلتهم الجسد ويبلى .. والروح تصعد الى البرزخ, ايضا يعاود الشاعر تأكيد هذه الصورة الدينية لحالة الموت, ولكنه عني نصا ببلاغة صورة جمالية ملفتة. رؤية ابو زرقتين للجسد تتخطى محاولة ايجاد العلاقة بين موجودات الانا والآخر والجسد وعلاقة كل ذلك بالوجود وفي محاولته البحث عن صيغ العلائق .. ولطالما كان الشعر عنصر الكشف والنفاذ الى عمق الاشياء بحثا عن العلائق الحاكمة ومحاولة فضح العالم المجهول وتقريبه, والجسد لدى الشاعر عالم يفيض بالدلالات وبأبعاد تشكل جانبا لرؤية الشاعر للذات والحياة. (وجزءاً من المسافة التي أساءت لصورة جسدي جسيد المنسي) ويؤكد على ذلك في موضع آخر (أرى جسداً اعرفه بمرارة كان معي في خطيئة مذلة) الجسد لدى شاعرنا يمثل ركيزة هامة في حفر دلالات خطابه الايديولوجي ووعيه بالعالم ليس من خلال حضوره القوي وحسب ولكن من خلال اشاراته وترميزات التشكلات الفنية والرؤية. يعتمد على ادراك الابعاد السيكولوجية والثقافية والتراثية والمعتقدية كظاهرة متعددة تقود الى طرح علاقات الحياة: الموت من منظور نفي التلاشى والعدم, والإيمان بصيرورة التجدد والبعث والحياة. ولنرى صورة الجسد المفككة هنا لإطلاق سؤال الفلسفة الحياتية الخالد.. كيف تأتي..؟ كيف تذهب؟ أو إلى اين ومن أين البداية؟ (لا جنازة تواسي الورد حينما تبطىء الريح ولايسمح لأعضائي بالكلام) ثم يعاود طرحها بواسطة الجسد في صورة اخرى (يحمل اجسادنا ساعي البريد بلا ملل يوزعها على الحفر الهادئة) هل استطاع نبيل ابو زرقتين طرح ما يوده؟ وهل يستطيع المتلقي التعاطف والتواصل معه؟ انها طروحات الحياة الكبرى التي يعيدها الشاعر علينا ومرتبطة بماهية الحياة ذاتها وبالبعث والموت والميلاد قد يفسدها صور غرائية احيانا حاول من خلالها تمرير فلسفته.