الكثير من الكتابات والأفلام والمسرحيات تدفق مع مرور الذكرى الخامسة والعشرين لانتهاء حرب فيتنام, فيما يكاد يكون تظاهرة فولكلورية أمريكية تحاول إسدال ستار النسيان على الحرب الفيتنامية, أو في أفضل الأحوال باعتبارها ذكريات تراكم عليها تراب السنين. واقترن ذلك بالحديث الأمريكي الذي يبدأ ثم لا ينتهي عن ضرورة التنمية الاقتصادية في فيتنام, واللحاق بركب العولمة, وغير ذلك كثير لكن هؤلاء الذين طرحوا هذا كله ينسون أن فيتنام عناصر لا حصر لها تجعل من الصعب على شعبها ربما إلى حد الاستحالة نسيان ما فعلته أمريكا على أرضهم وبأرضهم, وربما يأتي في مقدمة هذه العناصر ما يعرف بـ (العامل الأصفر) . وعلى سبيل المثال, فقد اعتقد تران فام ترام وزوجته أنهما أفلتا من أسوأ آثار الحرب الفيتنامية بفرارهما من منزلهما عندما تحولت مقاطعة كوانج تري خطاً (أمامياً) للجبهة, إلا أنهما يخشيان الآن أن تكون قطعة صغيرة من تلك الحرب لا تزال عالقة في داخلهما, وهي تظهر بشكل تشوهات خلقية عند أربعة من أطفالهما السبعة. ويقول ترام: (لقد انتهت الحرب منذ 25 سنة ولكننا لانزال نعاني من مضاعفاتها) . وهناك قصص مماثلة عديدة في المنطقة التي رشت عليها طائرات أمريكية 11 مليون جالون من مواد كيميائية لقتل أوراق الأشجار مثل (العامل البرتقالي) بغية تدمير مخابئ وخطوط التموين السرية للقوات الشيوعية في الأدغال وكشف قواعد العدو وإتلاف المحاصيل اللازمة لإطعام قوات العدو. وفي حين لا يزال العلماء يدرسون العلاقة المحتملة بين مادة الديوكسين التي هي من أشد مكونات العامل البرتقالي سماً وبين المشكلات الصحية التي يعاني منها أولئك الذين تعرضوا لهذه المادة وأطفالهم, فإن كثيرين يعتبرونها من أكثر مضاعفات الحرب إقلاقاً) . وتقدر الحكومة الفيتنامية أن هناك مليون شخص ذهبوا ضحية العامل البرتقالي من بين مواطنيها البالغ عددهم 76 مليون نسمة, ومنهم محاربون قدامى تبللوا مباشرة بالمادة المذكورة, ومدنيون من أمثال ترام الذين يقيمون في المناطق المتضررة وأطفالهم, كما تعرض ألوف من الجنود الأمريكيين للمادة وهم ينسبون أمراضهم إليها. وقد كشفت دراسة لسلاح الجو الأمريكي نشرت في 26 مارس الماضي عن أقوى الدلائل التي عثر عليها حتى الآن لوجود صلة بين التعرض للعامل البرتقالي وبين مرض السكري وربما مرض القلب. إلا أنه لا توجد أدلة علمية كافية لإثبات أن النسب المرتفعة للتشوهات الخلقية مثل التشنج الدماغي وانشقاق سقف الفم والماء الزرقاء والقدم المسطحة ووجود أصابع زائدة في الأيدي والأقدام تعود إلى العامل البرتقالي, كما لايوجد هناك رابط أكيد بين المادة وبين حالات الصداع وأمراض أخرى أصيب بها أشخاص تعرضوا لها مباشرة. وقال نوين دوك لوي, نائب مدير دائرة العمل الإقليمية في كوانج تري إن هناك أسباباً عديدة للتشوهات الخلقية, ولكننا نستطيع أن نرى أنه في الحالات التي كان الآباء يعيشون في المناطق التي رشت بكميات كبيرة من العامل البرتقالي تبلغ نسب الولادات المشوهة 2.4 في المئة, وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط الوطني العام البالغ 0.6%. وقال لوي إنه من بين سكان المقاطعة الفقيرة البالغ عددهم 564 ألف نسمة هناك 15451 يعانون من آثار مواد كيميائية سامة ـ منهم 8325 شخصاً تعرضوا مباشرة و6881 من أطفال هؤلاء يعانون من تشوهات خلقية و245 حفيداً) , ومن أصل إجمالي هؤلاء هناك 3582 شخصاً يعتمدون على المعونة الخارجية و6727 يستطيعون مزاولة عمل ما ولكنهم يعتمدون على مساعدة آخرين. وأضاف لوي إنه رغم المحاولات الجادة التي تبذلها الحكومة المحلية فإن الظروف المعيشية العامة لهؤلاء سيئة جداً, وأدنى من المستوى الوسطي في المقاطعة, وأن المنطقة تحتاج إلى المزيد من المساعدات من الخارج وداخل البلد من أجل الاعتناء بضحايا الحرب. ويقول هوانج فان ثونج نائب رئيس اللجنة الإقليمية للوقاية والاعتناء بالأطفال أن معظم العائلات المتضررة لا تملك القدرة المالية لتأمين المعالجة المتخصصة للأطفال المصابين بتشوهات خلقية, وأنه يسمح لبعض الأطفال أن يموتوا نتيجة لهذا العبء. وبالنظر إلى أن مادة الديوكسين السامة آخذة بالانحلال البطيء في البيئة, فإن نسب الولادات المشوهة تتراجع أيضاً, ومع ذلك فإن المسؤولين المحليين يحذرون الناس من استهلاك زيوت وشحوم الأسماك التي يبدو أن المادة تستقر فيها. وثمة محادثات جارية بين حكومتي الولايات المتحدة وفيتنام حول إمكانية إجراء أبحاث مشتركة حول آثار العامل البرتقالي, ولكن المساعدة الوحيدة المتوفرة حالياً (تأتي من الحكومة الإقليمية وحكومة البلد, إضافة إلى صندوق دولي أنشأته منظمة الصليب الأحمر الفيتنامية في السنة الماضية. وبعد أن وضعت الحرب الفيتنامية أوزارها في العام 1975 عاد ترام وزوجته دان وطفلتهما البالغة من العمر ثلاث سنوات إلى أرض الأجداد, وفي هذا المكان الذي كانت رؤوس الأشجار تشكل سقفاً من ثلاث طبقات, رأت العائلة أشجارا ذابلة ذات جذوع سوداء, والأرض غير قادرة على إنبات المحاصيل. وتناوب الزوجان اللذان كانا في ريعان شبابهما في تمضية عدة أيام في البحث في المرتفعات المجاورة عن الألغام والقنابل والمعادن السكراب, وكانا يأكلان مما يعثران عليه ويشربان من مياه الجداول التي يعتقدان أنها أدخلت الديوكسين إلى جسديهما وسببت الضرر. وأنجب الزوجان صبياً في العام 1977 كان سليم الجسم, ثم ولد ابنهما الثاني (ثوان) في العام ,1978 ومعه جاءت المؤشرات الأولى إلى أن ثمة شيئا غير صحيح. وولدت للزوجين طفلة أخرى سنة 1980 وكانت سليمة الجسم, ولذلك اعتقدا أن المشكلات التي يعاني منها ثوان هي استثناء من القاعدة, إلا أن أطفالهما اللاحقين ولدوا بتشوهات (ثوان) نفسها. وهناك قصص مماثلة عديدة في منطقة إلوي المجاورة التابعة لمقاطعة ثواثيين هوي حيث كانت توجد قاعدة (إيه 50) الجوية الأمريكية وحيث كانت المادة السامة تخزن وحيث جرى رشق طريق هوشي منه بشكل ثقيل. إن حقول الأرز الموزعة بشكل أدراج على التلال والتي احتاج تطويرها إلى أجيال عديدة من العمل الشاق, مهجورة منذ زمن بعيد, ولم يجرؤ أحد على فلاحة الحقول هناك بعد أن تم رش كل شيء وماتت فيها الخضار, إلا إن ثمة بقعاً من الحشائش القوية تشير إلى أن الطبيعة بدأت تستعيد عافيتها ببطء.