محلات العطارة والبخور ومحلات احدث الازياء والفواكه الاستوائية التي يديرها حوالي 210 آلاف مقيم غير شرعي تمتد على مساحة بلوكات قليلة ولكن قبل عشر سنوات فقط كانت اعداد هؤلاء لاتزيد على اصابع اليد. الاوروبيون الجدد يؤسسون مناطق نفوذهم، حالما وحيثما يصلون وينزلون من القطارات: الاحياء المحيطة بمحطة القطارات في روما تعج بصينيين يبيعون اخر الادوات البلاستيكية, بالقرب من محلات اشرطة الفيديو التي تغطي جدرانها بوسترات لجميلات محجبات من البنجاب, وعلى مقربة من سينغاليين يرتجفون من البرد وراء بسطات مليئة بالفواكه الاستوائية الذابلة التي جلبوها معهم إلى المنفى الطوعي. ويسيطر شرق اسيويون على هذه الاحياء, غير ان اعدادهم ليست كبيرة إلى الحد الذي يسمح بتغيير اسم المنطقة من (تشاينا تاون) , أو المدينة الصينية, انها في الواقع مدينة صينية ـ فلبينية ـ هندية ـ نيجيرية ـ مغربية ـ بنجلاديشية سكانها ناس من كل حدب وصوب جمعتهم الهجرة في روما. محلات العطارة والبخور, ومحلات احدث الازياء والفواكه الاستوائية التي يديريها حوالي 210 آلاف مقيم غير شرعي, تمتد على مساحة بلوكات قليلة, ولكن قبل عشر سنوات فقط كانت اعداد هؤلاء لا تزيد عن عدد اصابع اليد. ان الوضع اصبح لا يطاق بالنسبة لاندريا سالفا توتشي, وهو عامل يشعر بارتياح اكثر بين مواطنيه الايطاليين في محل لالعاب الفيديو. ويقول سالفاتشوتشي وهو يجول بناظريه في شارع مكتظ بعابري السبيل بعد ظهر يوم ماطر: ان ايطاليا لم تعد ايطاليا, هناك الكثير من هؤلاء, لقد امتلأنا. اوروبا تمتلىء والحقيقة ان ليس ايطاليا وحدها, بل اوروبا كلها بدأت تمتلىء, ومع تراجع اعداد الاوروبيين بسبب تراجع نسب الولادات إلى نصف عدد الوفيات فيها, تجد اوروبا نفسها في مأزق ديموغرافي تقول الامم المتحدة ان افضل طريقة حله هو فتح الابواب امام جماهير من المهاجرين القادمين من الخارج. ولقد تكهن تقرير نشرته الامم المتحدة في مارس الماضي ان ايطاليا تحتاج إلى مليوني و200 الف مهاجر جديد سنويا, لمجرد ابقاء طاقة العمالة فيها خالية من النقص ونظام التقاعد سالكا, يعني ذلك ان على ايطاليا ان تستقبل سنويا ضعف مجموع المهاجرين الاجانب الموجودين فيها الان. اما المانيا فانها ستحتاج إلى اكثر من ذلك 3.4 ملايين مهاجر سنويا, حسب التقرير. هذا الاختلال السكاني على اشده في ايطاليا حيث يتنافس التناقص السكاني مع التناقص في اسبانيا التي لديها ادنى نسبة ولادات في اوروبا بعد ان اخذت العائلات الايطالية تحرص على الاقلال من الانجاب, وقد ذكر تقرير الامم المتحدة ان عدد سكان ايطاليا قد يهبط بنسبة 28 في المئة من 57 مليون نسمة الان إلى 42 مليون نسمة في العام 2050 اذا استمرت التوجهات الحالية. وتكمن المشكلة في تقلص اليد العاملة من الايطاليين, وتكاثر المتقدمين بالسن في صفوفهم, ومع حلول العام 2030 سترتفع تكاليف التقاعد من 14 في المئة من الناتج القومي العام, وهي نسبة مرتفعة اصلا إلى ما يتراوح بين 17 و18في المئة وسط عدم وجود تنام اقتصادي كما يقول مكتب الاحصاءات الحكومي. ويقول تقرير الامم المتحدة انه سيتوجب ان ترفع ايطاليا سن التقاعد إلى 77 سنة للمحافظة على النسبة الحالية للمتقاعدين البالغة اربعة عمال مقابل كل متقاعد. ولكن لا تتوقع ان تشرع ايطاليا ابوابها في القريب العاجل وتقيم مكاتب (كل الطرق تؤدي إلى روما) في نيجيريا والبانيا, فآخر مرة استقبلت فيه هذه الارض اعدادا كبيرة من الاجانب كان عندما احتاجت الامبراطورية الرومانية إلى العبيد, فضلا عن الاثر الذي يخشى ان تخلفه موجات المهاجرين على الثقافة الايطالية يفوق اي مكسب يأمل ان يحققه الاقتصاد الايطالي. في معرض رفضه للمهاجرة على النحو الذي صورها تقرير الامم المتحدة قال وزير الداخلية الايطالي البيرتو ماريتاني ان (ذلك سيشكل خطرا) على مجتمعنا, ان رقما مضخما من اجانب لا يمكن دمجهم في مجتمعنا لانه سيسبب رفضا واضطرابا امنيا. نظرة قاسية والواقع ان ايطاليا حديثة العهد على صعيد استقبال المهاجرين إلى حد انه لم يكن فيها قانون مهاجرة حتى العام 1983, ولقد تضاعف عدد المقيمين بصورة غير قانونية فيها منذ العام 1993. ومع ذلك فان هؤلاء الاجانب لايزالون يشكلون اقل من 2.2 في المئة من السكان, وهذه نسبة صغيرة حتى بالمقاييس الاوروبية الغربية, ولكن بالنسبة للايطاليين المعتادين فقط على ابناء جنسهم الايطاليين, يبدو تدفق (ركاب الزوارق) الذين ينزلون على الشواطىء الجنوبية كل ليلة, أو البولونيين والفلبينيين الذين يملأون ساحات المدن الشمالية ايام الاحد, اشبه بغزو خارجي. واليمين الايطالي اقل ما يقال فيه على هذا الصعيد ان له لهجة لا تقل قسوة عن لهجة اليمين النمساوي حيث فاز الحزب اليميني الذي يتزعمه جورج هايدر بمكان له في الحكومة الائتلافية, وإلى حد بفضل العداء الذي يكنه الناخبون تجاه المهاجرين. في السنة الماضية قال اومبرتو روسي زعيم (رابطة الشمال) الايطالية بعد موجة من جرائم القتل التي اجتاحت مدينة ميلانو ونسبها الشعب إلى عصابات الاجرام الالبانية, ان الحقيقة هي ان المواطنين لا يريدون مجتمعا (متعدد الاجناس) وكان حزب روسي انفصالي في الشمال قد دعا ذات مرة إلى نقل المهاجرين بالطائرات والقائهم بالمظلات فوق بلدانهم. وقد بينت الاستفتاءات تكرارا ان كثيرين من الايطاليين يعتبرون المهاجرين مصدرا للجريمة والمنافسة غير المرغوبة على فرص العمل, وهذا الثاني امر حيوي بالنسبة للبلد حيث تحافظ نسبة البطالة على ثباتها في حدود 12 في المئة. الا ان هذه السنة تعكس إلى حد كبير احجام الايطاليين في المناطق الجنوبية حيث تصل البطالة إلى 22 في المئة, ان يتركوا عائلاتهم وارضهم للعثور على عمل في الشمال حيث لا تزيد نسبة البطالة عن 4.9 في المئة, وهذا يجعل ارباب العمل يتوسلون مراكز مساعدة المهاجرين على العثور على عمل لهم. وثمة حقيقة اخرى وهي ان هذا الجيل الاول من المهاجرين يعمل في مجالات لا ينافسهم الايطاليون عليها, بالاحرى, انهم لا ينافسون ابناء البلد عليها. يقول سيجو بابي (23 سنة) الذي جاء من الهند: هناك عمل, ولكنه عمل لا يريدون (الايطاليون) القيام به, اننا نعمل اكثر منهم ولكنهم لا يدفعون لنا اكثر. بابي ينتمي إلى مجموعة من مهندسين وطلاب ومبرمجي كمبيوتر هنود يحتشدون على ادراج كنيسة سانت كاترين صباح كل يوم احد, في ايطاليا يعمل هؤلاء في تنظيف مداخل وسلالم الأبنية وجني الطماطم وغسل الأطباق في المطاعم والعتالة وحمل الأغراض للعجائز الايطاليين. ويقول جورج أنطو (22 سنة): هنا في ايطاليا يوجد أناس طيبون, ولكنه لا يوجد لنا مستقبل. ولقد تمكنت ايطاليا حتى الآن من تلافي ذلك النوع من أعمال العنف التي يمارسها حليقو الرؤوس الألمان ضد الأجانب, وعلى غرار ما يحدث في بلدان أخرى أيضا. ويبدو ان سكان روما يحبون احياء المهاجرين للمسة الغرابة التي تتسم بها مثل غرابة المأكولات التي ليست بيتزا. ولكن ايطاليا, مهما كانت متساهلة مع القادمين الجدد, إلا انها لم تهيئ أو وسيلة اجتماعية لارشادهم نحو فرص العمل المتوفرة وابعادهم عن الشوارع والجريمة. ويقول قوين نجو دين, مدير منظمة كاريتاس الخيرية في روما: هذه سنوات حيوية. إذا تمكنت ايطاليا من بناء نظام صالح فعلا, فإن النظرة (إلى المهاجرين) ستكون أفضل بكثير في غضون سنوات قليلة. ولكن إذا سمعنا كلاما كثيرا دون أن يعملوا شيئا فإن الوضع سيصبح متوترا جدا. المعتقل أول المحطات المهربون ألقوا سناء صوفين الساعية إلى الهجرة على السواحل الأوروبية منهوبة وشبه عارية وقد تلطخ فستانها بالوقود عندما اندلعت النيران على متن الزورق السريع الذي كان ينقل مهاجرين. وتسلقت هذه المرأة العراقية البالغة من العمر 33 سنة والحامل في الشهر الثامن الصخور في جنوب ايطاليا, مع حوالي 50 قادما جديدا, ووسط بكاء الأطفال من الألم الذي تحققه لهم الحروق أو تكسر عظامهم عندما ألقى بهم المهربون الألبان من الزورق. وسار المهاجرون نحو أول ضوء شاهدوه فوقعوا في أيدي دورية من الشرطة الايطالية. وتبين ان محطة سناء الأولى في أوروبا هو معتقل للمهاجرين في أوترانتو على شاطئ بحر الأدرياتيك ومرأى من جبال ألبانيا البعيدة التي جاءوا منها. صوفين التي كانت تداوي حروق أطفالها والأطفال الآخرين في المعتقل واثقة انها اختارت الخيار الصائب وانها متجهة نحو حياة جديدة. وقالت صوفين التي تتوقع أن تنضم إلى زوجها في شمال ايطاليا: لقد هاجرت من أجل الأطفال. لم يبق لنا شيء في العراق. صوفين التي خرجت إلى اليابسة حاملة معها لا شيء غير قليل من الأمل واليأس, وصلت ضمن (شحنة) مما تحول في السنوات الأخيرة إلى تجارة مربحة ولكنها غير شرعية في أوروبا التجارة بالناس. إن تهريب المهاجرين بات يضاهي تهريب الأسلحة والمخدرات كمصدر لمئات الملايين من الدولارات سنويا تدخل في جيوب عصابات الاجرام الالبانية. ويدفع المهاجرون 500 دولار للفرد أو مقابل الأوراق الثبوتية المزورة ليستعينوا بها للنزول من البواخر على الأرض الايطالية. والبعض من الذين يستخدمون طرق التسلل السرية يدفعون الثمن بأرواحهم فقد غرق 173 مهاجرا في بحر الأدرياتيك في السنة الماضية. أما ذوو الحظ الأسوأ فإنهم يقومون بالرحلة مجانا. فالمهربون يجلبون الفتيات المراهقات من نيجيريا وأوروبا الشرقية بالآلاف سنويا بعد قطع الوعود بالعثور على عمل لهن كسكرتيرات أو وظائف أخرى ثم ينتهي بهن المطاف كمومسات في بيوت الدعارة في محطات الاستراحة المنتشرة على الاوتوسترادات الأوروبية. وقد قالت الشركة الايطالية في السنة الماضية انها اعتقلت أفراد عصابة تستورد وتستبعد صبيانا للعمل كرعاة في الجبال الايطالية. وتلقي منظمات الاغاثة اللوم جزئيا على نظام المهاجرة الصارم في أوروبا والذي يقولون انه لا يتيح لليائسين دخول المنطقة الأوروبية الغنية بصورة قانونية. وقد حددت ايطاليا كوتا لاستقبال 63 ألف مهاجر في العام 2000. أي أكثر بقليل من 56.500 مهاجر قانوني الذين القي القبض عليهم قرب ساحل بوجليا في السنة الماضية. وقال الأب تشيزاري لوديسيرنو الذي يدير مركز الاعتقال في أوترانتو, ان ايطاليا ليست جاهزة حقيقة الوضع. ويحتاج أي مهاجر عتيد يأمل أن يكون واحدا من أفراد الكوتا إلى أن يحصل على دعوة من رب عمل محتمل, أو يعثر على كفيل يرعاه بوعد تأمين مسكن له لمدة سنة ومبلغ 300 دولار شهريا, أو ايداع كفالة مالية تساوي أجرة ثلاثة أشهر. وكل هذه الشروط صعبة على الافريقيين الشماليين الذين يأتون لكسب قوتهم بالعمل في حقل الطماطم وتنظيف المنازل أو غسل الأطباق في المطاعم. واحتمالات الوصول أكبر عن طريق العصابات الالبانية وزوارقها السريعة. وتقدر الشرطة الايطالية ان مهاجرين أو ثلاثة يتسللون عن طريق البحر مقابل كل مهاجر يلقي عليه القبض. ولوجود ساحل طوله 5 آلاف ميل بمواجهة افريقيا وأوروبا الشمالية تتعرض ايطاليا لضغوط دائمة من جاراتها في الشمال لحراسة الحدود مع الاتحاد الأوروبي بشكل أفضل. وتقول سناء صوفين ان رجال الشرطة الذين صادفتهم مجموعتها قالوا لهم: لا يسعكم البقاء هنا. عليكم أن تتابعوا الرحيل نحو المانيا. أما المهاجرون الالبان الذين يتم القاء القبض عليهم فإنهم يعادون إلى بلدهم فورا, بالنظر إلى وجود اتفاقية ترحيل بين ايطاليا وألبانيا. ويوفر نظام المهاجرة الايطالي مخرجا آخر لأبناء الجنسيات الأخرى, وهم يقبلونه. ويقول الاب لوديسيرنو ان 80% من المهاجرين الذين يصلون إلى معتقل أوترانتو يطلبون حق اللجوء السياسي ويختفون طيلة فترة السنة ونصف السنة التي تستغرق دراسة طلباتهم. وبالنسبة لسناء صوفين المعتقل هو مجرد مكان للراحة والأكل والابراء. وللآخرين هو مكان للحداد على الراحلين مثل طفل عمره سنتان وشاب عمره 22 سنة في زورق كان وراء زورقهما غرقا عندما ألقى بهما المهربون في البحر لكي يتمكنوا من الفرار بسرعة. امرأة تداوي الحروق التي أصيب بها الطفل أحمد حسين (11 سنة) في معتقل سان فوكا قرب أوترانتو. وقد أصيب الطفل بالحروق مع آخرين عندما اشتعلت النار على متن الزورق السريع الذي كان ينقلهم مع آخرين إلى السواحل الايطالية.