في زيارتي الاخيرة لمدينة ميونخ الالمانية مررت بمكتبة (هوغوندوبل) الكبرى والمطلة على ساحة (المارين بلاتز) واثناء تقليبي للكتب السياحية عن الدول العربية فوجئت بكتاب كامل باللغة الالمانية عن دولة الامارات العربية المتحدة, ويقع ضمن سلسلة كتب سياحية شهيرة تسمى سلسلة (نيليس) لاكتشاف العالم وهي موجودة بعدة لغات عالمية ولكن المضحك المبكي ان غلاف الكتاب يحمل صورة لأحد الوافدين الآسيويين, وهذه الصورة موجودة ايضا في كعب الكتاب, وقد قادني هذا الاكتشاف الى التفكير في عدة نقاط: 1) ان الخطأ الذي وقعت فيه دار النشر العالمية راجع الى مشهد سكاني مختل في بلادنا طالما حذرت وحذر منه الكثير من الكتاب والصحافيين والمخلصين في وطننا, لقد ذهبت قبل عدة سنوات الى معرض فني للفنانة الاسكتلندية الكبيرة (سيلفيا وودكوك) وكان المعرض عن لوحاتها التي رسمتها عن سكان مدن الامارات واستغربت لانني وجدت ان اكثر تلك اللوحات تصور الجاليات الاجنبية المقيمة في دولة الامارات, وقلة من اللوحات تصور المواطنين, وعندما نقلت استغرابي للفنانة الاسكتلندية قالت باندهاش: ولكن هؤلاء هم اكثرية السكان الذين شاهدتهم في الاسواق والمراكز والمطاعم والحدائق والارياف والجبال وقرى الصيادين والمستشفيات وغيرها من اماكن التجمعات السكانية!!. وموقف هذه الفنانة الاسكتلندية هو موقف كل زائر لبلادنا وكل مراقب لتركيبتنا السكانية المختلة. 2) لا توجد دولة في العالم تشابه وضعنا السكاني المختل حيث يشكل الوافدون اكثر من ثمانين في المائة من السكان وتتزايد نسبتهم سنة بعد سنة وشهر بعد شهر, بل ويوم بعد يوم, بينما تتناقص نسبة المواطنين سنة بعد سنة وشهر بعد شهر ويوم بعد يوم, والتهديد الخطير الذي يشكله هذا الخلل لهويتنا الوطنية ولاقتصادنا الوطني ولسيادتنا السياسية ولامننا الداخلي والاستراتيجي هو تهديد واضح لكل ذي عينين وعقل راجح. 3) ان هذا الدليل ليس الدليل العالمي الوحيد الذي تنعكس فيه صور الخلل السكاني في الامارات, بل انني شاهدت بالاضافة له العديد من الكتب السياحية عن دولة الامارات باللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية وغيرها, وفي تلك الكتب لا توجد صور الخلل على الغلاف بل توجد بالداخل حيث توجد صور قليلة للمواطنين بينما اكثر الصور هي للوافدين في مختلف مواقع العمل والاسواق والحدائق والمستشفيات والمعامل والمصارف والقرى والجبال وغيرها. 4) هذا الاخ الوافد الآسيوي الذي توجد صورته على غلاف كتاب الامارات العربية المتحدة والذي نشكره جزيل الشكر هو ورفاقه الآسيويين وغيرهم من الوافدين على اسهامهم الكبير بقواهم العضلية والذهنية في المساهمة في برامجنا التنموية خلال العقود الثلاثة الماضية, لو سألناه: هل تقبل ان تصبح انت ومواطنوك اقلية صغيرة في بلادكم ونأتي نحن ابناء الامارات او غيرنا من العرب لكي نصبح اكثرية في بلادكم؟!. ان الاجابة الطبيعية ستكون بالنفي والنفي القاطع, فلا يوجد شعب في العالم يرغب بطواعية ان يصبح اقلية في وطنه ويخسر سيادته الوطنية وسيطرته السكانية. 5) ان شعبنا وابناءه في مختلف المواقع هم الذين يتحملون مسئولية الاوضاع السكانية السيئة التي وصلنا اليها, المواطنون الذين احضروا العمالة الاجنبية الطفيلية يتحملون المسئولية, المواطنون الذين احضروا التجارة الاجنبية الطفيلية يتحملون المسئولية, وكذلك يتحمل مسئولية الخلل المواطنون الذين يساهمون في بناء استثمارات عقارية ضخمة يعرفون مسبقا انها ليست لسكن المواطنين بل لاستقدام ملايين من الاجانب لاقامة دائمة في بلادنا, ويتحمل مسئولية الخلل من اهمل ويهمل في مراقبة ظاهرة غرس الأجانب لجذورهم بتأسيس مستشفياتهم وجامعاتهم وقلاعهم الاقتصادية في بلادنا. ويتحمل المسئولية من اهمل ويهمل تطبيق قوانين اصلاح الخلل السكاني الموجودة في الدولة والتي دعا إليها المخلصون من أبنائها. لم يأتنا غزاة من كوكب المريخ وقالوا لنا يجب ان تخربوا تركيبتكم السكانية, نحن الذين ساهمنا بدرجات متفاوتة ومختلفة في تخريب تركيبتنا السكانية وبالتالي تهديد هويتنا الثقافية ووضعنا الأمني وسيادتنا الوطنية ومستقبلنا الاستراتيجي. لقد قادتنا الأطماع الشخصية والمصالح الانتهازية وقادتنا الغفلة والسذاجة ودفن الرؤوس في الرمال واغماض العين عن الحقائق السكانية المختلة الى هذا الوضع السكاني والديموغرافي الخطير والذي لا يوجد له مثيل في اي دولة من دول العالم. 6 ـ لقد كافح اجدادنا طيلة قرون عديدة ضد الغزاة والطامعين وبذلوا دمائهم رخيصة في سبيل عزة وطننا واستقلاله, وكانت المجهودات العظمى للقيادة التاريخية لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم واخوانهما حكام الاتحاد هي التي ادت إلى تخلصنا من السيطرة البريطانية والأطماع الاجنبية, فهل نقوم الآن بتناسي ذلك الكفاح التاريخي ونخرب بايدينا وطناً سلمه لنا الآباء والأجداد حراً عزيزا غنيا كريماً؟ لقد وهبنا الله ثروة بترولية كبيرة, وانعم علينا بخيرات اقتصادية وفيرة فهل نقوم بكل سذاجة وغفلة وانتهازية وطمع قصير الأمد بتخريب بلادنا بأنفسنا, ان ما يجري اليوم على ارض الإمارات هو برأيي ورأي كل المخلصين من ابناء الإمارات, كارثة سكانية وديموغرافية تذكر بما حدث في سنغافورة حيث اصبح أهل سنغافورة الاصليين من قبائل الملاي اقلية صغيرة وحكمتهم الاكثرية الصينية الوافدة, وبما حدث في جزر فيجي حيث اصبح أهل الجزيرة الاصليين يحكمون بواسطة الآسيويين الذين جاءوا الى بلادهم فسيطروا على اقتصادهم وأصبحوا اكثرية سكانية وكانت لهم الاكثرية الانتخابية والسيادة السياسية بعد ذلك. ان الصحوة الوطنية مطلوبة اليوم قبل أكثر من أي وقت سابق, أنظروا حولكم وتأملوا أوضاعكم وأعلموا ان التاريخ لا يرحم السذج والغافلين والانتهازيين وحافظوا على وجه الإمارات الوطني والعربي قبل فوات الأوان. لقد تكلم الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مؤخراً في لقاء صحافي عن مشكلة الخلل في التركيبة السكانية وكيف تراكمت عبر السنوات الماضية وهذه دعوة وطنية كريمة للاهتمام ببحث هذه المشكلة الخطيرة ووضع الحلول لها من قبل الهيئات الاقتصادية والجهات الإدارية والمؤسسات الاجتماعية, ومطلوب قبل كل شيء من المواطن نفسه ان ينتبه الى مستقبل وطنه, ان بعض المواطنين هم الذين احضروا العمالة الطفيلية الاجنبية والتجارة الطفيلية الاجنبية والصناعة الطفيلية الاجنبية وتوسعوا في إحضار خدم المنازل وفي التمكين للأجانب ليغرسوا جذورهم في بلادنا.. الخ. والمطلوب الاساسي من المواطن الاماراتي ان يستفيق من غفلته ويصحو من نومه ويعرف ان الاهمال والتفريط بالأوطان لا يؤدي إلا إلى الخسران الابدي والندامة الازلية, وحمى الله الإمارات من كل سوء ومكروه, انه سميع الدعاء.