كثيرا ما يكون الاولاد ضحايا الخلاف الذي ينشأ بين الاب والام في الاسرة. هذا الخلاف الذي يبدو امرا غير مبرر لاسيما اذا كانت اسبابه تافهة وهو في اغلب الاحيان ينشأ من اتفه الاسباب. فالرجل والمرأة اللذان يدخلان في علاقة اسرية ويتعاهدان على الحياة فيها ابد الدهر, فجأة بعد الزواج تتكشف الاغطية وتنزلق هذه العلاقة في متاهة يصعب في احيان كثيرة الخروج منها الا بالطلاق, وهنا تقع الكارثة لأن الطلاق اذا كان حلا بين الزوجين فإنه حل يورث الكثير من المآسي خاصة اذا كان لهذين الزوجين اولاد. وعلميا اذا وقع الطلاق فالاب يتزوج في العادة من زوجة ثانية ويلتفت لحياة جديدة غير عابئ بمصير اولاده. وقد تتزوج الام كذلك تاركة ابناءها وراء ظهرها لأنه من النادر ان يقبل زوج المرأة حضانة اولادها. وفي مجتمعنا ثمة الكثير من المشاهد الدرامية التي تبعث في القلب الاسى والحزن بسبب تصرفات بعض الاهل تجاه اولادهم. ولا شك في ان الحياة الزوجية هي الحلقة الاقوى في بناء الاسرة, فاذا انفرطت هذه الحلقة انفرط عقد الاسرة وتشتت, ومن هذا المنطلق كان الطلاق امرا مستكرها في جميع الديانات حتى ان بعضها ـ المسيحية ـ حرّمه تحريما مطلقا انطلاقا من ان الرجل يترك اباه وامه ليلتصق بزوجته فيكونان روحا واحدة في جسدين. فلأجل ذلك منع الطلاق, والحقيقة ان المجتمع لا يمكن ان يتكامل اذا تحللت العلاقات الزوجية فيه, فالمجتمع الغربي الذي الغى في معظمه الحياة الزوجية وسرت فيه ظاهرة (التسّري) او ما يعرف بالزواج (الكونكوبيناج) هذا المجتمع مآسيه لا تنتهي, فهذا الزواج الذي يتم دون عقد وبمجرد ان يلتقي الرجل والمرأة على سعار اللحم والدم, وما ان يخف هذا السعار حتى يترك كلاهما الاخر ويذهب كل منهما افي اتجاه, واذا صادف ان حملت المرأة فهي اما ان تجهض حملها او تصبر حتى الولادة لتودع الطفل في مأوى الايتام. ولا شك ان المجتمع الغربي يجنح نحو المزيد من التبعثر والضياع, وهذا الامر سوف يجلب له مزيدا من الشرور, الا اذا رجع هذا المجتمع الى الحق واعاد للحياة الزوجية معناها الحقيقي المتمثل في كون هذه الحياة ليست مجرد التقاء للشهوة بين رجل وامرأة, بل هي رابطة للنسل, وقد كان هذا مضمون الوحي الالهي المقدس الذي يرفع الحياة الزوجية فوق سعار الشهوة ليجعلها قدس اقداس المجتمع. ان ما يحدث في المجتمعات الغربية هو امر لا يقبله الشرع ولا العقل. ففي هذه المجتمعات لم يعد الرجل في الغالب يعرف اباه وحتى انه لا يريد او لا يهمه ان يعرف ذلك, وبوسع المتتبع لهذه المجتمعات ان يتنبأ لها بالانهيار, لأن المجتمع الذي لا يرعى الحرمات سوف يسقط في حمأة الخطيئة, وليس أدل على ذلك من وضع كل الدول الغربية قوانينا خاصة بالتبني, وهذا يدل على تفاقم ظاهرة الانجاب غير المشروع, بحيث ان الولد لا يعرف من هو اباه. لقد حرّمت الشريعة الاسلامية التبني لأنه يهدم بناء الاسرة ويشجع على الفساد في المجتمع وثمة حديث شريف يقول: (للولد الفراش وللعاهر الحجر) ولذلك فالتبني امر مرفوض في الشريعة الاسلامية وان كنا احيانا نسمع عن هذه الاسرة انها تبنت ولدا ليس لها. ان السعي لتقليد الغرب في كل شيء هو الامر الذي سوف يؤدي بنا الى المهالك, والافضل لمجتمعاتنا ان تبقى متمسكة بتقاليدها وعاداتها التي ورثتها عبر مئات من السنين, وكانت هذه العادات والتقاليد بمثابة العقل الجمعي لهذه المجتمعات, فحري بهذه العادات والتقاليد ان تحفظ مجتمعاتنا وان تبقيها متماسكة في ظل العولمة وانفتاح السوق. محمد خليفة