في السابع عشر من شهر اكتوبر عام 1849 وفي الساعة الرابعة صباحا ودع فريدريك شوبان الحياة, وشوبان هو احدى العبقريات اللامعة في تاريخ الفن الموسيقي, فريد بين اقرانه الفنانين, فلم ترتبط حياته بمدرسة من المدارس الفنية كما لم يقترن فنه بنوع معين من الانواع الموسيقية المعروفة في عهده, فكانت لغته الموسيقية فريدة النوع, صادقة التعبير, عميقة الاثر, تتمثل فيها عبقرية فذة من عبقريات الفن الموسيقي. ورغم ان شوبان لم يعش سوى تسعة وثلاثين عاما (1810 ـ 1849) الا انه خلف الحانا ومقطوعات موسيقية خالدة, لاسيما تلك التي اهداها الى نضالات شعبه البولوني في اثناء ثورته ضد الاحتلال, فجاءت فاتحة الحانه باسم (الثورة) والتي كانت تحمل عاطفة بغضة للأجنبي ويتجلى في معانيها حب الوطن والحرية. في عام 1828 اكمل شوبان دراسته الثانوية وانصرف الى الفن الموسيقي الا انه اضطر في عام 1831 لمغادرة مدينته فرصوفيا, فودع وطنه وأهله واصدقاءه وداعا مؤثرا, معاهدا نفسه بأن لا يعود الى وطنه الا عندما يتحرر من الاحتلال الاجنبي وقد اهداه احد اصدقائه اناء من الفضة اودع فيه حفنه من التراب البولوني, احتفظ بها شوبان مدة عشرين عاما, ويقال ان صديقا له القى فوق جسده تلك الحفنة من التراب المهداة اليه. شوبان وجورج صاند خلفت الأنباء المحزنة عن اغراق جيوش القيصر شوارع فرصوفيا وازقتها في بحر من الدماء في نفس شوبان آثارا عميقة من الحزن والكآبة والألم, فكانت حياته سلسلة من الاحزان المتواصلة, واضطر لأن يقوم بجولات عديدة في العواصم الاوروبية وان يتركها جميعا بحثا عن الاستقرار, ولم يلبث طويلا حتى تزوج من فتاة بولونية تدعى (ماري ورزنيسكا) لكنه لم يوفق في حياته الزوجية وافترق عن زوجته بعد قليل, وتعرف على الكاتبة الشهيرة جورج صاند ونشأت بينهما علاقة عاطفية انتهت بالزواج واستمرت اكثر من عشر سنوات رغم ان صاند كانت تكبر شوبان بسنوات عديدة, فقد كانت بارعة الجمال ساحرة الحديث, فضلا عن انها كانت من سيدات المجتمع الباريسي. ولكن تلك العلاقة لم تدم طويلا بسبب مرض شوبان, كما ان ملل صاند من دور الممرضة التي اقبلت عليه في البدء بشغف وحماسة, ادى الى تفاقم الخلاف بينهما, فانفصل كل منهما عن الاخر عام 1847 انفصالا نهائيا, ولم يعش شوبان بعد ذلك الا عامين فقط انصرف خلالهما الى موسيقاه. منشئ لغة البيانو لقد كان شوبان من ابرع العازفين على البيانو, ويعتبر بحق منشئا للغة البيانو, فهو اول من ادخل اشياء جديدة الى موسيقى البيانو التي فاقت براعته بها حد التصور, كما امتازت لغته الموسيقية بحسن اختياره الدقيق للألحان المدروسة الا ان شوبان لم يكن رجل ثورة فنية او انقلاب موسيقي كما هو شأن فرانز لست الذي كان رجل ثورة فنية في الموسيقى. لقد كتب شوبان من السونات مقطوعات راقصة من نوع الفالس والميزوركا والبولونيز والباليه, وجميع هذه القطع كانت تنطوي على الحان زاخرة بالعواطف اسماها النقاد بـ (الرومانتيكية) لأنها كانت تعبر عن السرور والالم والحزن والكآبة والجد والكبرياء والحماسة الوطنية, والواقع ان معظم مواضيع وعناصر موسيقى شوبان كانت مستمدة من ذكريات وطنه البولوني, فقد ظلت هذه الذكريات تغذي وحي هذا الفنان الكبير بالعواطف العارمة الطاغية حتى لحظة رحيله عن العالم في السابع عشر من اكتوبر عام 1849, ولم يشيع جثمانه الا في الثلاثين منه حيث دفن في مقبرة (بير لانشير) الى جانب الفنان الكبير بلليني.