قصبة الجزائر البيضاء, الجزء الغالي من المدينة وصدرها الصامد الصامت, وقيثارتها الزاهية أبدا. ماذا يمكن ان يقول زائرها وهي تبوح له بنكهة أزقتها وحواريها غير ماقال وأنشد أهلوها وفنانوها, اطفالها وابطالها, وحتى عطرها الذي لايشبهه عطر. وفي هذه المادة نمضي برحلة لنكتشف فيها عراقة المعلم الشاهد الذي مرت عليه خيول أقوام كثيرة, ترك كل منها بصمة ومضى, غير أن بصمة العهد التركي كانت الابقى والاكثر وضوحا. تتشكل قصبة الجزائر من مثلث غير متساوي الاضلاع قمته قلعة الجزائر أو (قصر الداي) وقاعدته انفراج البحر عن الاميرالية وحتى باب الواد العريق من الشمال وحي باب عزون وساحة بورسعيد من الجنوب. يعود هذا المعلم الهام الى القرن السادس قبل الميلاد وقد تم الاستدلال على ذلك من خلال بعض النقود التي وجدت عام 1940 بمنطقتها السفلى بالقرب من الواجهة البحرية. حكمها الرومان في القرنين الرابع والخامس الميلاديين حيث كانت تسمى في زمنهم (ايكوزيم), اما الفترة بين القرن العاشر والخامس عشر فلا يوجد معلومات واضحة بالنسبة اليها, فهي فترة كانت غامضة الى حد ما, غير أن المدينة كانت موجودة بطبيعة الحال. ويقال أن (بولوجين) قد أسس فيها مدينة (عام 960 ميلاية) اسماها جزائر بني مزغنة بالاضافة الى تأسيسه مدينتين اخريين هما مدينة المدية المعروفة ومدينة مليانة. ولقد تداول على هذه المدينة المرابطون ثم تلاهم الموحدون بدءا من القرن العاشر الميلادي ثم جاءها الاندلسيون بعد خروجهم من آخر معاقلهم غرناطة عام 1492 حيث توافدوا في موجات بشرية توزعت على طول الساحل المغاربي المعروف حاليا وكان نصيبها منهم حوالي خمسين الفا استقروا فيها, وقد جاؤوا بكثير من الأدب والثقافة وشفافية الحياة التي نشروها في أرجائها وبقيت حتى هذه الأيام. وفي عام 1591 احتلت من طرف الاسبان الى ان أخرجهم منها سليم التومي بمساعدة الأخوين (بربروس), وطبعا استقر بها العثمانيون بعد ذلك حيث دام مقامهم فيها حوالي ثلاثة قرون. ثم جاءها عام 1830 العهد الفرنسي الذي استمر كما هو معلوم حتى عام 1962 عام استقلال الجزائر, والذي بدأ طبعا بحادثة المروحة الشهيرة في قصر الداي بين القنصل الفرنسي والداي حسين حاكم البلاد. محاولات انقاذ منذ بداية عام 1985 كان هناك مشروع لاعادة اسكان أكثر من ثلاثة آلاف عائلة تقطن القصبة في اماكن اخرى كانوا يحتلون فيها ما يقارب ربع منازلها, والغاية كانت إفراغ تلك المساكن وترميمها ثم استغلالها سياحيا, غير أن هذا الحل كان يعاني من قصور قانوني بالرغم من الكثير من الاستغاثات والتدخلات آنذاك من طرف الوزراء ورؤساء البلديات والولاة ومحبي القصبة والغيورين عليها بتجاوز هذا القصور. وكان قد سبقه جهد كبير قامت به الدولة بمساعدة اليونسكو كذلك يتمثل في انجاز وثيقة هامة هي عبارة عن مجلد ضخم يحوي دراسة مفصلة لمبادىء يمكن الاعتماد عليها فعليا في عمل شيء اذا كانت النية جادة, تلك الوثيقة كانت تحت اسم إعادة الاعتبار لقصبة الجزائر, وقد بدىء فعلا بتنفيذ بعض بنودها بشكل بسيط ومحتشم منذ عام 1981 تاريخ انجازها. غير أن المشكلة التي لم تجعل امور القصبة تحل منذ الاستقلال الى اليوم هو ان المشاريع التي اقترحت عبر مراحل مختلفة كانت تقدم فقط كجدول واحصاءات فنية تقدر المطاليب المالية لا غير ولم يصحبها خطوات عملية لانجاز دراسة هندسية شاملة, من خلالها يمكن تقدير تلك التكاليف بشكل عملي ثم تليها خطوة البحث عن الموارد الكافية لتنفيذ المشروع بالمواصفات المطلوبة من مصادر استثمارية مختلفة بدل الاعتماد على الدولة وحدها مع العلم بأنه لايوجد بلد في العالم تحل فيه دولته مشاكل من هذا النوع مئة بالمئة. كانت القصبة بالنسبة لمدينة الجزائر توصف فقط كتراث ثقافي, أما الآن فإنه أصبح ينظر اليها كتراث عقاري هام كذلك (لايزال جامدا) اذ يوجد بها حوالي مئتي بناية مهدمة تحوي أكثر من خمسمئة منزل يفترض ألا تكون مشغولة حيث ان العائلات قد أخرجت منها لسبب هام هو الوضع السيء الذي كانت عليه وعندما يأخذ اعتبار كهذا في الحسبان فإن اسلوب الطرح سيتغير بدون شك مخالفا كل ما اتبع مسبقا وبالأخص اذا زدنا على ذلك عاملا مهما وهو الموقع المتميز الذي تحتله القصبة بالنسبة للمدينة. المطلوب إذن هو ايجاد آليات طبيعية من داخل القصبة ذاتها حتى تعاد اليها الحياة, وهذه الآليات تتطلب سياسة اخرى تضع في الاعتبار كما ذكرنا العامل الاقتصادي الذي سيضاف الى الإرثين الثقافي والسياحي. وبدون شك سيكون هناك مردودية فائقة من شأنها أن تسرع في طرح أفكار جديدة تنطلق بالقصبة الجميلة الى عوالم سبقتها اليها قصبة تونس وغيرها من الاحياء القديمة في المدن العالمية المعروفة, وبهذه الطريقة يمكن حتى مجاراة الوضع الجديد في الجزائر وماهي مقدمة عليه من اقتصاد سوق. وهنا يمكن ان تدخل حرية المبادرة الشخصية للمؤمنين بمكانة هذا المعلم وبثرواته الهائلة الذي سيستثمر أو يسكن لاشك انه سيأتي وخلفه قناعة تامة بما يعمل, وبهذا سيكون أمينا على المكان, وهكذا ستتغير حتى نوعية سكان القصبة, وتتغير معهم الصورة الاجتماعية المعطاة سابقا والمتمثلة دائما في اعتبارها (أي القصبة) بؤرة للمتمردين وغير ذلك. عمارة القصبة: أول ما يلفت النظر في البيئة العمرانية للقصبة هو اللحمة العضوية المشكلة للفراغ العمراني وذلك من حيث المواد المرتبطة بالبيئة والاشكال التخطيطية البسيطة التي تموضعت طبوغرافيا على المرتفع الجبلي الذي تقوم عليه المدينة. لذلك فقد جاءت الازقة ضيقة لدواعي المناخ والأمن, وحددت بغلاف من جدران المباني التي يتعانق فيها الحجر واللبن والرخام والجير والخشب. فمن مدخل المنازل المقوسة والمظللة الى الشرفات المطلة على الأزقة, الى القبوات التي تطل على الحارات (الزقاقي) كل ذلك على بنية طبوغرافية متصاعدة اعتمدت الادراج المتعددة وصولا الى القمة حيث توضع قصر الحاكم .. هذا بالاضافة الى الفراغات الحيوية بين الازقة والمباني والتي شكلت ساحات تنفس صغيرة تنقشع فيها السماء وذلك وفقا للنظام العضوي لهذه المدينة المميزة. لندخل الى أحد البيوت, فمن المدخل يظهر الهرم الاجتماعي واضحاً, فكلما علا شأن صاحب البيت كلما كانت مواد البوابة أغنى فهناك فارق بين الرخام والجير.. هذا خارجا أما داخلا فهناك وظيفيا تقسيم شبه موحد للبيت التقليدي, والاختلاف انما يتم بحجم الحيز ومواد الاكساء.. تبعا للسوية الاجتماعية لمالك الدار. فالسقيفة في بيت القصبة تشكل فراغا ممهدا يفصل العام عن الخاص.. يفصل الزقاق عن وسط الدار (أرض الديار.. الحوش الداخلي.. )كلها اسماء لمسمى واحد هذا المسمى يشكل القلب الذي يتعايش عليه البيت التقليدي, فهو مغلف من الجهات الاربع ومنفتح الى السماء.. جدرانه تشكلها الاقواس الاندلسية (على شكل حدوة الفرس)..مشكلة بالرخام والجير ومطعمة بقطع السيراميك المميز للعمارة في المغرب العربي عموما والاندلس.. وفق خطوط زخرفية تعتمد قاعدة التشكيل الرباعي, وهذه نقطة هامة من تأثير العمارة الاندلسية على عمارة القصبة. تطل غرف الدار على الفناء الداخلي عبر نوافذ جميلة مؤطرة بالجبس أو الرخام أو السيراميك اما العنصر المائي البحرة وسط الدار (النافورة) والمنهل الجانبي (العين) فهي من ضرورات الفراغ الداخلي لما لها من تأثير وظيفي في الاكتفاء الذاتي من المياه التي تخزن عادة تحت ارضية هذا الفراغ في خزان تتجمع فيه الامطار في الشتاء لاستعمالها في الصيف, وكذلك لما لها من تأثير مناخي في تلطيف حرارة الجو صيفا من خلال عمليات البخر والتبادل الحراري. ويتمتع سكان القصبة الاصليين منذ القدم بمكانة رفيعة عند العاصميين, وعندما خرج الفرنسيون من الجزائر وهاجروا في مجموعات كبيرة كان اهلها هؤلاء سباقين الى احتلال منازلهم التي خلت فجاءت امواج من اهل الريف لتقيم بها وتعيث فيها فسادا مازال قائما حتى هذه الايام في تلك الجوهرة مما ادى الى وقوع تغيير حتى في المحتوى الاجتماعي الذي فقدت معه القصبة من قيمتها ومن معالمها الهامة ومن تراثها وطابعها الخاص, ونلاحظ اليوم ان اكثر من ثارت في نفوسهم الحمية للدفاع عنها هم سكانها القدامى الذين هجروها ذات يوم. القصبة والثورة وجميلة: كانت القصبة معقلاً هاما لثوار وفدائيي الجزائر طالما ضم بين دهاليزه وأزقته مخابئهم وأماكن اجتماعاتهم ومخابر (صناعتهم) الحربية وأسرار خططهم التي دوخت الجيش الفرنسي. ومن بين أشهر تلك المعامل معمل مصطفى بو حيرد عم البطلة المعروفة جميلة, في الزقاق المعروف بزقاق القنبلة والذي كانت تخرج منه جميلة وأخواتها الى الاحياء الراقية في المدينة والى حانات وتجمعات المستعمرين فتتصدى لهم بالقنابل. ومن من الجزائريين والعرب كذلك لايذكر ابن القصبة البطل علي لابوانت ورفاقه, ولا غرابة في أن يحتل منصب المسئول الاول عن لجنة اعادة الاعتبار الى القصبة اليوم والاحتفال بذكراها الالفية مجاهدة معروفة هي السيدة حورية بو حيرد عمة جميلة. قلعة الجزائر او قصر الداي: وهو معلم من المعالم التي أهملت كذلك طويلا ولولا عناية الله لاندثر منذ سنين, ويقع هذا القصر في أعالي القصبة مشكلا رأس المثلث المكون لها, وقد انشيء أولا كقلعة عسكرية دفاعية مثلها مثل الكثير من القلاع على كامل الساحل الجزائري, وحسب لوحة موجودة الى الآن تعلو باب مدخله الرئيسي تبين بعربية واضحة بأنه تأسس بحدود سنة ألف هجرية أي حوالي 1519 ميلادي, وظلت هذه القلعة محافظة على طابعها العسكري الدفاعي طوال فترة تواجد العثمانيين بالجزائر وحتى عام 1817 ميلادي حين صعد اليها الداي علي خوجه على قصره القديم بالقصبة السفلى لأسباب امنية واصبحت منذ ذلك التاريخ مقراً سياسياً وعسكرياً, ألحق بها فيما بعد قصر البايات والمسجد الرئيسي ومسجد القوات الانكشارية وسورت بالحدائق الصيفية والشتوية حتى صبغ المكان بنوع من رفاهية الحكام, وبعد عام 1818م جاء اليها الداي حسين حيث بقي بها مدة اثنى عشر عاما أنهاها بحادثة المروحة الشهيرة مع القنصل الفرنسي, والتي أدت الى احتلال الجزائر من طرف القوات الفرنسية عام 1830م. أعادت فرنسا الى تلك القلعة طابعها العسكري الاولي لمدة مئة عام ثم حولتها الى متحف تاريخ لما أسمي حينها بالجيش الافريقي, وبقيت على تلك الحال الى يوم استقلال الجزائر عام 1962م. ويذكر ان اليونسكو اعتبارا من عام 1991 اعتبرت القصة معلماً تراثياً عالميا لكن قرارات هذا الاختيار لم تنفذ حتى اليوم. كتب: محمد حسين طلبي