جاء مهاجراً من ايطاليا حاملاً معه حضارة شعب بأكمله ليغرس في (ارض الاحلام) اسطورة موسيقية لا تنضب... (فرانك سيناترا) الايطالي الوسيم الذي سحر الامريكين بعينيه الزرقاوين.. وجعل قلوب العشاق تنتفض من فرط حساسية كلماته ودفء مشاعره. بدأ (فرانك سيناترا) حياته عامل طباعة بصحيفة في (نيوجيرسي) غير ان اجواء الحبر لم تستهويه, وسرعان ما شارك في الفريق الموسيقي The Hobken Four, في عام 1937, ولم يستغرق (سيناترا) وقتاً طويلاً حتى ذاع صيته وتصدر معظم محطات الاذاعات الامريكية باغان تميزت باسلوب (سيناتري) نقي وكلمات تواكب امتداد الحان عازف (الترمبت) ـ آلة معدنية نفخية. الذكرى السنوية الثانية لرحيل (سيناترا) التي جاءت في (مايو) 1998, مناسبة لنتوقف عند ابرز المعالم الموسيقية في القرن الماضي ونحاول ان نتلمس من خلال حياة واعمال سيناترا مفهوماً آخر لقيمة ودور المبدع في المجتمعات الانسانية, وكيف ان الابداع باعتباره الوقود الثقافي, هو ذو قيمة خاصة في بناء الحضارات, قد يستخدم احياناً كسلاح استراتيجي عميق الاثر في بلورة سير الحضارة البشرية. سلاح (سيناترا) تمثل باغانٍ مثل: Strangers in the Night Try a Little Tenderness My way تصدر (سيناترا) القمة ولم يكتف باقتحام مجال الموسيقى والغناء بل اثبت وجوده في هوليود وتحديداً في فيلم (من هنا حتى الخلود) المستند على رواية (جيمس جويس) ورغم الاجر القليل الذي حصل عليه في ذلك الفيلم (8 آلاف دولار) الا انه حقق مغنماً كبيراً عندما نال جائزة اوسكار عن دوره في الفيلم كأفضل ممثل ثانوي. حياته الخاصة كان فرانك في فترة الخمسينيات وبداية الستينيات معبود الفتيات لوسامته وزرقة عينيه وخصوصية شخصيته المتسمة بالاناقة, فالتفت حوله حسناوات هوليود وعلى رأسهن (مارلين مونرو) . كان زواج فرانك الاول بين الاعوام 1951-1939 من (نانسي بارباتو) التي انجبت له ثلاثة اطفال وبعد الانفصال تزوج من الممثلة الامريكية AVA GARDNER عام 1951 ثم انفصل عنها ولكن هذه المرة كان هو الضحية حيث تركته زوجته يصارع الحياة وحده وليقدم على محاولة انتحار فاشلة ما لبث ان نهض من سباته وحطم ضعفه ليصنع من هذه الأزمة النفسية دافعاً اقوى للعطاء وظهر حزن وألم (سيناترا) العميق من خلال نصوص اغانيه ورغم ذلك لم يستطع نسيان (ايفا) وعلاقته بها لم تنته على الاقل من طرفه حيث قدم لها الدعم المادي قبل وفاتها سنة 1990 وبعد سلسلة الاحزان هذه لملم (سيناترا) احزانه وتزوج من (مايا فارو) عام 1966 ودام زواجه عامان واخيراً كان الزواج النهائي في عام 1966 من (باربارا بلاكي) التي اصبحت ارملته في الرابع عشر من مايو 1998. رغم تعدد تجارب (فرانك) ومطاردة النساء له, الا انه لم يكن ذلك الرجل العابث وتميز بوفائه لعائلته وقد ظهر ذلك جلياً عندما اصطحب اطفاله الى حفل توزيع جوائز الاوسكار بدلا من اصطحاب فتاة جميلة. ملك مدينة نيويورك لم تشهد الحفلات التي احياها (فرانك سيناترا) صخباً وضجيجاً كالحفلة التي احياها بمصاحبة (بونو) المغني الرئيسي في فرقة U2 الايرلندية حيث اشترك (سيناترا) و(بونو) في اغنية تحمل عنوان I'VE GOT YOU UNDER MY SKIN وكان ذلك اثناء حفل توزيع جوائز جرامي لسنة 1994 في مدينة نيويورك ومنح خلالها سيناترا جائزة تقديرية لانجازاته الفنية في الحفل نفسه قام بونو بتقديم سيناترا باسلوب جميل وصفه النقاد بانه اروع ما قيل في (سيناترا) حيث قال: (لم يكن فرانك مثل نجوم الروك آند رول مهووساً بالصرعات ومع ذلك فانه لم يتحامل على الدماء الجديدة, عشاق الروك آند رول احبوا سيناترا لانه يمتلك زمام موسيقاه التي توحي بالصلابة, انه زعيم, رسام يعيش في الصحراء والمغني الذي جعل من الرجال شعراء... ان الاثر الذي تركه سيناترا لهواشد قوة من الحرب الامريكية وصوت موسيقاه اعلى من صوت ازيز طائراتهم, ولهذا فإن رحيل القوات الامريكية انتهى بكل سهولة, اما كلماته وموسيقاه فقد سرت في دماء الشعوب مسرى الدماء لتكون جزءاً لا يتجزأ من ثقافتهم, قلب سيناترا المحطم سنح له المجال ليغني باعمق انفعال وبصورة تختلف عن اي مغن آخر, حياته يحيطها الغموض لانه لم يسمح للصحافة بسبر اغوار دواخله التي تجد اسرارها في اغانيه... انه بالفعل ملك مدينة نيويورك) . (سيناترا اخترق الحدود) فرانك سيناترا الرجل الذي اخترق الاجيال باختلاف حضارتهم وقاراتهم, لم تعرف اغانيه الحدود الجغرافية والعوائق السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكوبا... لم يكن الحال كذلك بين سيناترا وعشاقه الكوبيين.. الصورة التي التقطت (لسيناترا) وزوجته الممثلة (ايفا) في فندق ناشيونال في هافانا عام 1951 مازالت معلقة هناك وبعد رحيل (سيناترا) باشرت محطات الاذاعة والتلفزة الكوبية بث اغانيه وافلامه التي اعتادت بثها منذ عقود. قالوا بعد رحيله المغنية الامريكية (ماريا كاري) خلال حديثها مع قناة الـ MTV يوم وفاته عقبت قائلة: (اعتقد انه عاش حياة متكاملة... انه يوم حزين لانه اسطورة امريكية وعالمية يجب على الجميع الاحتفاء بحياته) . بونو مغني فريق U2 عقب قائلاً (فرانك سيناترا) رجل القرن العشرين... لقد كان عصرياً وكان معقداً لقد كان الزعيم, لكنه كان دائماً (فرانك سيناترا) ... لن نرى احداً مثلة ثانية, انه الرجل الذي ابتدع موسيقى البوب) . الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) ابدى حزنه لفقدان سيناترا (انه بالطبع يمتلك موهبة, صوته وشخصيته الدافئة والعاطفية لقد منحت فرصة لقائه وكان هناك انسجام فوري بيننا... انه لن يستبدل) . رئيس وزراء بريطانيا توني بلير قال: (فرانك سيناترا واحد من اعظم مبدعي هذا القرن لقد نشأت مع فرانك سيناترا سيكون فقدانه عميقاً) اما تعليق الرئيس الامريكي بيل كلنتون على وفاة سيناترا فكان: (اعتقد ان على كل امريكي ان يبتسم ويقول لقد فعلها بطريقته) . رحل سيناترا عن عمر يناهز الـ 82 عاماً ولكن انجازاته اضعاف هذه السنوات حيث قدم ستين فيلماً و200 البوم غنائي تضم في ثناياها (1800) اغنية, (سيناترا) لم يكن رجلاً عادياً فهو ركيزة اساسية للغزو الثقافي الامريكي خلال الفترة الذهبية لهوليود ولكن هذا الغزو لم يأخذ شكلاً وحشياً, بل اخذ ردائه الانساني, لان الموسيقى هي لغة العالم الاكثر حضارية.