مع أن السينما هي الفن المميز للقرن العشرين فان من غير الممكن التحدث عن السينما كفن اصيل بمعزل عن ثلاثة عوامل لعبت دائما دورا رئيسيا في التأثير على النتاج الفني السينمائى, وهي السينما كعمل تجاري يبغي الربح والسينما كوسيلة ترفيهية والسينما كأجهزة ومعدات وتقدم تكنولوجي. واذا اخذنا بالاعتبار ان الايرادات السنوية العالية الاجمالية لصناعة السينما الامريكية تبلغ حوالي 50 مليار دولار عندما ندخل في ذلك ايراداتها على شباك التذاكر في دور السينما الامريكية والاجنبية ومن مبيعات وتأجير اشرطة الفيديو ودخلها من العرض التلفزيوني ومن مبيعات الاسطوانات والاشرطة التسجيلية ومن المنتجات التجارية التي ترافق بعض الافلام ضخمة الانتاج من لعب وألعاب وملابس وحلوى وغيرها, يتبين لنا أهمية الجانب التجاري لهذه الصناعة. لذا فان القرارات المتعقلة باختيار المخرجين والممثلين والنصوص السينمائىة تتأثر الى حد كبير بقرارات رجال الاعمال والمصارف وليست في ايدي فنانين, ومن الطبيعي ان الشركة السينمائىة التي تستثمر 50 مليون دولار في انتاج فيلم ما ترغب في ضمان نجاح استثمارها وزيادة عائدها من الفيلم الى اقصى حد ممكن. لذا فان المعايير والقيم الفنية للفيلم السينمائي تتأثر بالاعتبارات التجارية. ومن السمات الاساسية لهوليوود منذ ايامها الاولى الصراع بين المستوى الفني للفيلم وبين جوانبه التجارية. ويمثل الجانب الفني في هذا الصراع اساسا الممثلون والمخرجون والكتاب في حين يمثل الجانب التجاري مدراء الاستديوهات والمنتجون, وذلك رغم ظهور العديد من المنتجين الذين دأبوا على المحافظة على المستوى الفني لافلامهم. وفي هذا الصدد يقول بيرت فيلدز اشهر محامي النجوم في هوليوود (اذا كان الفيلم السينمائي الجيد رفيع المستوى من الناحية الفنية وحقق ارباحا كبيرة فان ذلك يبعث على السرور. الا ان المهمة الاساسية لمدير الاستديو المنتج للفيلم هي تحقيق الربح وليس تقديم الفن. واذا اراد مدير الاستديو تجاهل عامل تحقيق الربح والتركيز على المستوى الفني فقط فان من حقه ان يفعل ذلك شريطة ان ينفق على الفيلم من جيبه الخاص, وليس من اموال المساهمين في الشركة التي يمثلها) . اما المنتج السينمائي المخضرم الراحل سام سبيجل الحائز على ثلاث من جوائز الاوسكار, احداها عن فيلم (لورنس العرب) فقد قال: (ان افضل الافلام السينمائىة هي تلك التي ترفه عن المشاهد والتي تترك لدى المشاهد انطباعا يثير تفكيره في مغزى الفيلم بعد أن ينتهي عرض الفيلم ويغادر دار السينما والفيلم الذي لا يثير افكار المشاهد لا يكون فيلما جيدا, على العموم ولايرفه عن المشاهد) . أما المنتج السينمائي المشهور صاموئىل جولدوين المعروف بأقواله المأثورة فقد ذهب في تأكيده على أهمية الجانب الترفيهي والتجاري للفيلم السينمائي وابتعاده عن المضمون الفكري الى حد القول (ان الفيلم لايصنع لتوجيه الرسائل. وعلى من يريد أن يرسل رسالة أن يذهب الى دائرة البريد) . ولاشك في أن ضخامة وتعقيد عملية الانتاج السينمائي يجعلان انتاج فيلم متميز أمرا في غاية الصعوبة فالمبالغ الضخمة المطلوبة لانتاج فيلم سينمائي في هوليوود والتي تزيد أحيانا على 100 مليون دولار تعكس ضخامة المهمة المتمثلة في تطوير الفيلم عبر مراحله المتعددة من فكرة قصة الى فيلم جاهز للعرض. ولابد من اجادة الممثلين لأدوارهم بعد البروفات المطلوبة التي تكون متعددة أحيانا لكي يكون كل مشهد من مشاهد الفيلم متناسقا مع السياق العام للفيلم. وقد عرف عن المخرج السينمائى الامريكي الراحل الشهير وليام وايلر انه كان يكرر البروفات اكثر من 20 مرة في كثير من الاحيان قبل ان يقرر اختيار اللقطة الملائمة. كما يتطلب كل مشهد استخدام الماكياج والازياء المناسبة ووضع الممثلين في اوضاع ملائمة للمشهد السابق. وقد يتطلب قيام الممثل بارتداء الملابس ووضع الماكياج في بعض المشاهد التاريخية عدة ساعات في كل مرة. وبالنظر لصعوبة الإعداد للمشهد السينمائى بغية التوفير في النفقات يقوم المخرجون عادة بتصوير جميع المشاهد التي تحتاج الى نفس الموقع في سلسلة متعاقبة من اللقطات بصرف النظر عن مواقع تلك المشاهد في سياق الفيلم. ولكن رغم كل جهود التوفير فان تصوير خمس دقائق من مشاهد فيلم ملحمي في يوم واحد يكون انجازا كبيرا. وقد لا تتجاوز مدة المادة المصورة أكثر من ربع دقيقة في اليوم في بعض الافلام ضخمة الانتاج بعد ان تصل الشمس والكومبارس والخيول والجنود والمعدات وما الى ذلك الى مواقعهم المناسبة. وفي حين ان الروائي أو الشاعر أو الرسام يجلس بمفرده ويصقل نتاجه الادبي أو الفني بحد ادنى من النفقات فان الفنان السينمائى يخضع للاعتبارات المالية الى درجة كبيرة. فحتى الفيلم القصير الذي لا يتعدى طوله عشر دقائق الذي يخرجه طالب السينما المتدرب تصل كلفته الى عدة آلاف من الدولارات في بعض الاحيان ثمنا للفيلم الخام وأجور التحميض, هذا عدا عن التكاليف الاصلية لشراء المعدات الضرورية لتصوير الفيلم. والعامل الثالث في هذه المعادلة تأثير الاجهزة والمعدات فليس هناك فن مرتبط بالاجهزة والآلات اكثر من الفن السينمائي. وقد جاء جزء من أهم المؤثرات الفنية في السينما نتيجة للتطور التكنولوجي , كما هو الحال في التصوير الفني المبدع لفيلم (المواطن كين) 1941 الذي جمع بين العمق والظلال وأحدث ثورة في فن التصوير السينمائي والذي جاء نتيجة لتطورات ثورية في الاضاءة وفي صناعة الشريط السينمائي. ونرى ذلك بوضوح في أفلام الخيال العلمي والمغامرات المعتمدة على الابداع في المؤثرات الخاصة, وفي افلام الرسوم المتحركة الروائية الطويلة التي تعتمد اعتمادا كبيرا على استخدام احدث ما توصلت اليه أجهزة الكمبيوتر. ولكن رغم اعتماد السينما على المال والترفيه والمعدات فقد اصبحت فنا مهيمنا لا يجاريه أي فن آخر وأصبحت بحق الفن المميز للقرن العشرين.
