منذ منتصف الثلاثينيات حتى وفاته ظل جان لوي بارو (1910 ـ 1994) من أهم العاملين في المسرح الفرنسي الحديث, مخرجا وكاتبا وممثلا, اضافة الى ادواره السينمائية التي لاتنسى في أفلام مثل (السيمفونية الفانتازية) و(اطفال الفردوس) و(اطول يوم في التاريخ) , وكان يحلم بتحويل مسرحه الى سفارة فنية متجولة حول العالم على ظهر سفينة. قدم بارو اعمالا متميزة لاهم الكتاب, وغامر بتقديم اعمال مسرحية عن اعمال ادبية بعيدة عن المسرح, وفي عام 1968, عام ثورة الطلاب في فرنسا, التقت بارو الى الماضي البعيد, يبحث عن الجذور فكتب واخرج مسرحية غريبة من فصلين بعنوان (رابليه) اعدها عن الكتب الخمسة للكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه الذي عاش في نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر, ويمكن اعتبار هذه المسرحية نموذجا حيا لاعادة قراءة التراث وتقديمه بلغة معاصرة, وقد كتب بارو مقدمة لهذه المسرحية تعطينا صورة واضحة عن فهمه العميق للماضي واسلوبه في التعامل مع التراث القديم برؤية عصرية, وفي هذه المقدمة كتب بارو يقول: (كان رابليه موضوعاً للتنبؤ بالنسبة لي, لأني ارى فيه اجدادي. وشعوري نحوه يفوق الاعجاب, وكلما غرست اسناني فيه يمتلئ فمي بعصير لذيذ المذاق, ويسري في دمي شعور قوي بالتعاظم, ويقوى عمودي الفقري بمثل هذا النسغ القوي) . المثالية الفرنسية بالنسبة لرابليه هل تستطيع الطفولة التمسك بالحياة بيديها؟ وهل تعتبر ردة فعلي نوعا من الرجعية الريفية, ربما من الناحية الجسدية اشعر بانني فرنسي جدا, وليس هناك انسان اكثر فرنسية من رابليه من ناحية العيوب أو الميزات أو الضعف أو العبقرية. وربما لهذا السبب استطاع قومنا الاسوياء, قبل اربعة قرون خلت ان يمثلوا ما قاله ميشيليه عن (المثالية المعتدلة للسلوك الفرنسي فقد استطاعو ان يخفوا رابليه عن الاعين وكأنه وحش يسبب للعائلة بعض الاحراج ليتمكنوا من قتله نهائيا. ولكن رابليه كان فيزيائيا ماهرا, ويعلم تماما بان التزمت الفكري يسبب الصداع وآلامه تعادل آلام الامعاء, من ناحية اخرى, كان يعلم بان المتعة, تريح وتشفي العليل. يجب تجاوز ثلاث عقبات لنتمكن من الوصول الى رابليه اولها: صراحة مالارب, وعبث رونسار, واللغة القديمة التي يستخدمها رابليه. وبمشاركتنا رابليه لتحرره العالمي, حيث اننا لن نحاول انتقاد مالارب الذي اعطت قيوده ازديادا لمثل هذا الجمال العظيم, أو رونسار الذي نحن من اول المعجبين بسحره الذي لا يوصف, فإن هناك وحيه العظيم, وحريته التامة, ومخيلته وهذيانه, وانفعاله الهائل. وميشيليه صرح مرة قائلا: (ان العبقرية الاساسية لكل امة, وروحها تكمن قبل كل شيء في لغتها) . وعملي هذا هو محاولة لسبر اغوار (الروح الداخلية) التي دفعتني الى الغوص في رابليه, انها مهمة صعبة,و خاصة القيام بتحديث لغته وهذا يعني اخماد هذه اللغة, والتخلي عنها, ولكن ابقاءها على حالها يعني بان نترك هذه اللغة بعيدة عن متناول الاذن الحديثة. وهنا يتوجب على ادراك فكرة ان هذا الالتزام راودني في البداية عندما اطلعت على نسخة ماجنار لاعمال رابليه والفضل يعود للنص الذي وضعه السيد روجر ديلبوس ومقدمة مارسيل ايميه ويبدو ان عائق لغة رابليه كان الجزء الاكثر حساسية في عملي هذا, وربما سيكون هو الموضع المعرض لهجوم النقاد من الخبراء في هذا المجال. واكثر ما اغراني للقيام بهذا العمل هو الفرصة السانحة لتقديم الصفة الدرامية لهذا الكاتب العظيم الذي ترك لنا حالاته وحواراته (بصريح العبارة) ان يكون رابليه كاتبا درامياً ليست فكرة جديدة فقد قام ليون دوديه بوضعها ضمن كتاب آخرين. الاهتمام بالمذاق الفني وعلى اي حال ومن اجل ان نظل مخلصين لرابليه سوف نقدم صورة مماثلة له وهذه المغامرة ستكون مجنونة كليا. ويجب الاطلاع على رابليه من جميع النواحي. اما المسرحية فيجب رسمها من خلال كتبه, ورسائله, وتنبؤاته, وكل اعماله وما يتعلق به. لقد حاولت تجنب جفاف عملية (الهضم) بينما كنت اركز على النكهة الفنية لكتاباته, وكانت التضحيات التي قدمتها جسيمة في هذا المجال, ومازلت اجد نفسي افكر بندم وغضب لاضطراري الى التخلي عن بعض المقاطع. وماذا كنت استطيع ان افعل غير ذلك؟ فاذا حافظت على المقاطع المشينة اكون قد جعلت منه انسانا طيبا فقط, واذا ابقيت على المقاطع الحسية اكون قد جعلت منه لاشيء سوى راهب فاسق, واذا ابقيت على المقاطع ذات الحس المرهف اكون قد جعلت منه عربيدا, ورابليه يمثل هؤلاء جميعا, واكثر من ذلك. انه شجرة, تمتص جذورها التراث والروث, اما جذعها فإنه صلب واوراقها كموسوعة, وبراعمها تتفتح نحو السماء. لم يكن رابليه منطويا على نفسه, كان يتطلع دائما نحو العالم, انه تلميذ ابدي, عنيد, مخادع وقلق, وقد قادته مزاجيته بالرغم من اخلاصه للتقاليد الى أن يأخذ مكانا وسط هؤلاء الذين يحاربون الافكار الجديدة, وهذه هي نقطة الاتصال المعقولة بيننا وبينه. ومن الحديقة الفرنسية الممتعة كان يغامر بالاهتمام بالفضاء من خلال غرفته وكان يفكر بالرحلات الكواكبية. وقد تنبأ باكتشاف الفضاء من خلال جول فيرن وجاجارين, ومن خلال الاكتشافات العظيمة لامريكا التي قام بها كولومبوس وجاك كارتيه. وحالما اتسعت دائرة الاتصالات طرأت تغييرات جذرية على المجتمعات البشرية فقد دخلت الحضارات في صراعات وفي نوع من الانسجام, واتضح ان قارة آسيا تملك اخلاقيات خاصة وتبين ان للغرب قدسيته المماثلة للشرق, وتبين ان المخلوق البشري انسان مثالي, وهناك رغبة بالعودة الى الطبيعة, والثورة, والخصام والانقسام. غالبا ما وصف رابليه بانه متقلب كبير, يملك جانبا انسانيا كبيرا, وشعرا صادقا, وجوعا للمعرفة, والحس والصفاء وحب الحياة. بقلم: بندر عبدالحميد