ما هو الاسلوب الذي يمكننا الاعتماد عليه لمعرفة وليم شكسبير, قراءة اعماله ام مشاهدتها؟ كم عدد المفردات اللغوية التي تلتقطها أثناء قراءتك اي من الاثار المسرحية التي خلفها شكسبير؟ وعبارة مثل (اكون او لا اكون)، هل هي عبارة مألوفة الى الحد الذي لا يترك مجالا للتفكير فيها؟ واذا كانت لغة مثل لغة شكسبير تبدو بالنسبة لنا بهذه الصعوبة فكيف كانت بالنسبة لمعاصريه؟ ومع ان المرء قد يدهش اذا واجه اجابة كهذه (لان قراءة اعمال شكسبير المسرحية هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يقوله الا ان هناك حقيقة واحدة تقول بان اجمل ما كتب باللغة الانجليزية من تراجيديا, وضع في الواقع في العقد الاول من القرن السابع عشر. ودون ان نفكر في المزيد فان ما يتفق عليه العديد من النقاد هو ان مؤلفات شكسبير هي افضل تلك الاعمال رغم صعوبة اللغة التي كان يكتبها وعدم قدرة الاخرين وعلى رأسهم اولئك الذين عاصروه على فهمها بشكل جيد. بساطة (هاملت) وهو ما يثير السؤال حول تطور هذه اللغة. وحول العوامل التي هيأت لرواد مسرح شكسبير من معاصريه ظروف استيعاب اعمال لا تتميز بالبساطة لمسرحية (هاملت) التي حازت على اعجابهم, او حتى غيرها من الاعمال ذات اللهجة الاكثر صعوبة. ولم لا يكون اشخاص مثل (فرانك كيرمود) الباحث البريطاني المتخصص في دراسة ادب القرنين السادس عشر والسابع عشر هم الاكثر قدرة على الاجابة على هذه الاسئلة الهامة التي تحير قاريء شكسبير الان في القرن الحادي والعشرين؟ ان ما يعترف به كيرمود واخرون هو ان مشاهدي مسرح شكسبير كانوا يستمعون هم ايضا الى لغة خطابية طويلة معقدة تكاد تقترب في شكلها من المواعظ المملة, ومع ذلك فان الفارق الوحيد بينهم وبيننا هو انهم كانوا قد نشأوا في الفترة ذاتها التي نشأ فيها شكسبير وتدربوا على الاصغاء الى تلك اللغة المتزايدة في الصعوبة والغموض على يديه. حتى انه يخيل الينا انه رغم انهم لم يكونوا قادرين على فهم كل واحدة من المفردات الشكسبيرية الا انهم كانوا قادرين على استيعاب المعنى. ولأننا نركز هنا على ما يقوله كيرمود فان هناك الكثير مما يتحدث عنه لعلاقته بشكسبير فقط كالكتابة بشكل عام والتغيرات والتطورات المواكبة لاستخدام شكسبير للشعر في المسرح وتاريخ المسرح وما يتعلق بالكتابة المسرحية والممثلين. ان كيرمود يشير في نقاشه الى الفترة الواقعة بين سنة 1599 ـ 1600 السنوات التي كتب فيها شكسبير مسرحيات (يوليوس قيصر) و(العنقاء والسلحفاة) و(الليلة الثانية عشرة) و(هاملت) وهي السنوات التي يلاحظ خلالها انعطاف ثوري حاد في لغة شكسبير التي فارقت بعض خصائصها السابقة كالخطابية المتصنعة والاسلوب المزين المزخرف لتصبح اكثر عنفا وقسوة واكثر تحررا وصعوبة وتوجها نحو العقل والروح. وبعد استعراض قصير لما قدمه شكسبير من أعمال مسرحية منذ سنة 1890 يعود الكاتب الى المناقشة الموجزة السريعة لكل الاعمال المسرحية الاخرى, بدءاً بيوليوس قيصر وانتهاء بالعاصفة وهو ما يصفه (الكتابة ضد التيار) . الطراز القديم والكتابة ضد التيار لدى فرانك كيرمود تعني عدم الشعور بالقلق تجاه ما يسميه البعض بالكتابة عن اشياء من الطراز القديم او الانتحارية في القرن الحادي والعشرين. ومن أجل ذلك فهو يقف ضد ما يعرفه باسلوبي الفهم البغيضين لشكسبير. الاسلوب الذي يحبب الاخرين فيه بشكل اعمى, والاسلوب الذي يهدمه. مدافعا عن رأيه في الاسلوبين, منتقدا كل منهما. وعوضا عن ذلك يلجأ الى طرح وجهة نظره في هذه الاعمال بالاعتماد على حسه النقدي الخاص. فمسرحية مثل (تاجر البندقية) يرى كيرمود انها تحتاج الى حذف بعض من فقراتها ومسرحية (العين بالعين) يرى انها كانت ستظهر بشكل افضل لو حذف منها ما يقارب النصف. ومن جهة اخرى فان الاشارة غير المباشرة والضمنية لشكسبير اخيانا لدى تناول اعماله بالقراءة النقدية لا تشكل احتراقا كبيرا لقدسية نصه المسرحي طالما اننا نتفق على أنه هو مؤلفها الحقيقي, كما ان أي محاولة للتخلص من شكسبير لابد وان تشكل الغاء تاماً لفكرة الادب. ان ما يميز اسلوب النقد الادبي الحديث لادب القرنين السادس والسابع عشر وادب شكسبير بشكل خاص سواء كان على يد كيرمود او اخرين هو ابتعاده عن التقييم البرجوازي او السياسي المعروف لدى نقاد معاصرين كثيرين. وكيفما جاءت هذه الانتقادات فهي لا ترتبط بإرباك القارئ بعلاقتها بأشياء اخرى لا علاقة لها بها كتاريخ الثقافة او الاستعمار او نظريات التحرر والمساواة بين الجنسين او الهوية كما يفعل الكثير من النقاد. وبعكس ما فعله اخرون فان دراسة كيرمود تعيد الى الأذهان شهادات العديد من النقاد الذين لم يهتموا بشيء قدر اهتمامهم بلغة شكسبير لدى مناقشته ومن هؤلاء (جونسون) و(كوليردج) و(اودين) و(اليوت) وغيرهم. الصمت الشكسبيري ان الاهتمام بدراسة لغة شكسبير يعني الاهتمام بما قاله بصوت مسموع ونقصد به هنا ما لم يقله وتمكن المشاهدون والقراء من سماعه وفهمه من خلال الاصغاء الى تقنية (الصمت) التي ابدع شكسبير في استخدامها. ولا يمكننا الا ان نشيد بهؤلاء النقاد من اجل اكتشاف ما يعرف بتقنية الصمت وبذكاء باحث مثل كيرمود استطاع ان يلفت اليها الانتباه. ففي مسرحية (تيتوس) يشير كيرمود الى ذلك العمق الذي تميز به صمت شكسبير من خلال الفزع الذي يطل علينا لدى رؤية (لافينيا) مقطوعة الايدي واللسان. وكذلك لدى مشاهدة (جلو كستر) الاعمى وقد ترك وحيدا على الخشبة في الوقت الذي استمرت فيه المعركة في مسرحية (لير) . او ذلك التحدي الذي نحس به بفعل الصمت في نهاية مسرحية (قصة شتائية) عندما يتم الكشف عن تمثال هيرميون ليتكلم في نهاية صمت طويل. وكما هي تقنية الصمت, هناك ايضا تقنيات مرادفة, منها تقنية الضجة والتحدث بصوت عال مما يصيب القارئ بالذهول بدءا بمتابعته لاختلاف مستويات هذه الضجة في مسرحية (روميو وجولييت) وحتى التحولات الكثيرة التي يتابعها لدى قراءة مسرحية (هاملت) . ولدى بعض النقاد ايضا ملاحظات خاصة بما يسمى بالتكرار المفرط لاستعمال المفردات او كما تطلق عليها الكاتبة البريطانية الشهيرة (فرجينيا ولفر) (لغة الايجاز) بهدف اثارة تيار من الوعي او الشعور الداخلي لدى المتلقي. ففي مسرحية عطيل مثلا يعثر القارئ على مفردة مثل كذب وفي مسرحية (تر ويلوس وكريسيدا) تتكرر كلمة (رأي) وفي مسرحية (انطونيو وكليوباترا) تتكرر مفردة واحدة هي (ملائم) وفي مسرحية (الملك لير) يكرر شكسبير عبارة (انها اضافة) وفي (ماكبث) تتردد كلمة (مراوغة) بكثرة. كما ان الكلمات ذاتها لا تقتصر على كونها مجرد الفاظ تتردد باستمرار على السنة الممثلين بل ان دورها يتعدى ذلك الى الحد الذي يمكن من خلاله القول بأن مسرحية (ماكبث) تعني المراوغة كلها. فهناك وعود واختبارات خادعة مراوغة وهناك اوقات لا يمكن الوثوق بها وهناك صراع يحتدم بين الافعال والعواقب المترتبة عليها. كما ان لغة المراوغة هذه تستمر حتى تصل الى ما هو ابعد من ماكبث بل انها تكاد تكون الاطار العام لأغلب اعمال شكسبير المسرحية. ان ما يفعله شكسبير هو تفجير تلك اللغة الاكثر غموضا والتواء اللغة التي تفتقد المباشرة التي تعود عليها الناس في عصره وفي اعتقاده كما يرى كيرمود انها اللغة التي ستتمكن من الصمود لدى مناقشته للعلاقة بين التفكير والعمل. وهي ايضا لغة صعبة جدا ولا يمكن الوصول اليها بسهولة, الا ان شكسبير اراد ان يستغلها في تجسيد الشخصية التي لا يمكن قهرها والتغلب عليها على الاقل عن طريق اللغة الملتوية الصعبة التي تستخدمها. ان التقنية الوحيدة التي تساعد على تنشيط لغة شكسبير, كما يبدو هي تقنية احتفاء اجواء من الاضطراب والغموض والتناقض الداخلي الذي تعبر عنه لغة الشخصيات المتأزمة المحبوسة في عملية التفكير تلك. فشخصية مثل (اوفيديوس) تعاني من الاضطراب الواضح واختلاط المشاعر الى درجة تؤثر على قدرتها على اتخاذ القرار.