ماهو مشترك بين كتاب البلغاري الفرنسي تزيفتان تودوروف المعنون فتح امريكا وكتاب الاورجوائي ادواردو كاليانو الذي دعاه ذاكرة النار, هو التعامل مع الآخر, المختلف شكلا وحضارة, كيفية النظر اليه, في لحظة الاصطدام الحضاري في الزمان والمكان المعينين, وما يتولد بعد لحظة الاصطدام تلك من تغيرات. الزمان هو عام1492 ميلادية وهي السنة التي وصل فيها كولومبس الى القارة الجديدة. والمكان هو الارض الواقعة على حافة المحيط, التي لم يطلق عليها الاوروبي اسمها بعد, ودعيت امريكا لاحقا. الاخر, الهندي الاحمر, هو الذي سيشكل حالة حوار ومجال دراسة للتاريخ والخطاب والعقل عند تودوروف, بينما يكون عند كاليانو هو والاوروبي طبعا, القاتل الابدي اللاغي للذاكرة والطقس والدين, والانسان تاليا. انه مجهود عند تودوروف, كونه ليس ابن القارة الجديدة, ويحاول استقصاءه وسبر رأسه, بينما هو عند كاليانو معروف, وليس بحاحة الا الى جمع الادلة ضده لتقديمه الى المحاكمة, حتى لو جاءت هذه عبر اللغة. وفي كلتا الحالتين يكون الموضوع هو الهنود الحمر الامريكيين في طول القارة وعرضها, بما شكلوا من حضارات كالأزتك والمايا والانكا وغيرها من حضارات كانت عامرة ببشرها ومعبدها وحكامها وتاريخها. يقسم تودوروف كتابه فتح امريكا الصادر عن دار سينا للنشر/ الطبعة الاولى 1992, بترجمة بشير السباعي, الى اربعة محاور أولها محور الاكتشاف, وهو ما تم على يد كولومبس بعد وصوله الى سواحل القارة التي ظنها الهند أول وهلة. ثم الفتح حين توغلت الجيوش الاسبانية في الاراضي المجهولة باحثة عن الذهب والنساء والايدي العاملة. ومحور الحب, وهو مصطلح اطلق على حالات نادرة من الجانبين, حدثت بين افراد اكثر مما حدثت بين حضارات. وبعدها المحور الرابع الا وهو المعرفة, اذ تعرف كل من الطرفين المتصارعين على الآخر, على حقيقته, عاريا من كل ادعاء او تملق او تبشير. والتقسيم على هذه الشاكلة عند تودوروف له دوافع منهجية تتعلق بالبحث اكثر مما تتعلق باختلافات نوعية, اي تقسيم في مغزى الخطاب وليس في الوقائع. فالابادة ظلت هي العامل الاساسي في العلاقات مع الهنود الى أن تم تحويلهم الى جزر بشرية صغيرة داخل كانتونات لا تمتلك اي حقوق. طريق التوسع الهنود الحمر لدى تودوروف هم الآخر غير الاوروبي, وفي تلك اللحظة من التاريخ وقد راحت القارة العجوز تتلمس طريقها الى التنوير والتوسع والهيمنة. يتعرض لدراستهم اثناء احتكاكهم مع الفاتحين الاوربيين, الذين جاءوا على شكل جيوش ورهبان ورجال اعمال وتجار عبيد وقراصنة, معتبراً نفسه منذ بدء دراسته ومن خلال منهجية البحث, وريثا للخطاب الاوروبي الذي اصطدم مع الخطاب الهندي. وكانت لحظة الاصطدام هي ما حاول استقراءها وتبيان تأثر الاوروبي بالهندي أو تأثر الهندي بالاوروبي. رغم انه لا يمكن القول ان الاوروبي تأثر بالهندي, فالهندي يمثل غنيمة للاوروبي ليس الا. فطيبة الهندي تعتبر سذاجة للاوروبي وبساطته تخلفا ووفاؤه قلة حيلة وكرمه نحو الغريب خشية ودونية. ولا يدين تودوروف في محاكمته لتلك الظواهر الهندي الاحمر انما يجد لها تفسير عقلانيا, اذ ان صفات مثل تلك لم تعد ملائمة للتطور التاريخي, وقد بلغ اوجه في اوروبا تلك الحقبة, وهذا ما صنع له الهزيمة لاحقا. وهي حقيقة مقنعة لكنها لاتخفي منطق القوة الذي يحكم كل المنظومة الفكرية الاوروبية ولم يستطع احد الخروج عن مداره, الا افرادا قلائل مثل جان جينيه الفرنسي وجويتسيلو الاسباني وجارودي بعض الشيء. ولعل ادوارد سعيد أدرك ذلك جيدا في كتابه الاستشراق الذي سبر فيه مرجعية العنصرية الاوروبية تجاه الشعوب. يؤكد تودوروف هذا المنطق, منطق القوة في خاتمة كتابه فتح امريكا قائلا: ويعلمنا التاريخ الأمثولة لفتح امريكا ان الحضارة الغربية قد انتصرت, ضمن اسباب اخرى, بفضل تفوقها في مجال الاتصال مع البشر, لكنه يعلمنا ايضا ان هذا التفوق يتأكد على حساب الاتصال مع العالم. اما ادواردو كاليانو فقد وضع سفره, ذاكرة النار, الذي اصدرته دار الطليعة الجديدة/ الجزء الاول 1995/ الجزء الثاني 1999/ ترجمة اسامة اسبر, على شكل نص خارج التسميات, يتألف من ثلاثة اجزاء هي: سفر التكوين والوجوه والاقنعة وقرن الريح, وبدأه في العام 1492 ميلادية ايضا وجعل من السنين ابوابا ثانوية له. فيه الاسطورة والحدث التاريخي والاغنية والحوارات والحياة اليومية للمدن الامريكية عبر القرون, بلغة تجنح الى الشعر أو السرد القصصي, بعد ان جمع مادتها خلال بضع سنوات وجلها موثق بصلابة. كاليانو في ذاكرة النار لا يدرس الآخر بل يقدمه عاريا, والآخر هو الاوروبي تحديدا, الذي جاء الى امريكا حاملا سلاحه وتعاليمه, مع سيل من السفن والمدافع والأمراض والأوهام. يعرض تاريخا كاملا من الابادات والمظالم والكذب والتبشير الذي كان غرضه انهاء شعوب القارة للاستيلاء على الارض والثروات فقط. وصف حي, له طابع ملحمي لأحداث قرون مازالت راسبة في ذاكرة كلا الطرفين, جاء كأنه مرافعة ضد حضارة برمتها, هي الحضارة الاوروبية. تحليل وعرض يقول كاليانو في مقدمته للكتاب: لم ارغب بكتابة كتاب موضوعي ولا استطيع ذلك. ولا يوجد شيء حيادي حيال هذا السرد التاريخي, ولأنني لم استطع ان ابعد نفسي اتخذت موقعا متعاطفا: اعترف بذلك ولست آسفا. مجال تودوروف مجال دراسة وبحث للوصول الى فتوحات معرفية توسع الافق البشري في النظر الى الاحداث والظواهر. ومجال كاليانو مجال عرض لوقائع وحوارات ومجازر اريد لها ان تلغى من السجلات, سجلات الاوروبي العقلاني والحضاري, ورغم ان كليهما يتعاطف مع الهنود وينحاز اليهم, مع الاختلاف الكبير في درجة التعاطف, الا ان المنطق الاوروبي عند تودوروف يتجلى ببعده المعرفي المحايد احيانا, والعقلاني في دراسته لظاهرة ما. بينما يقدم كاليانو, أو يثبت او يستنبط, وقائع مأساوية تنطق بنفسها, تجعل القاريء, خاصة, لا يقف على الحياد, بل يتأمل في تلك البشاعات ويتخذ موقفا. موقفا انسانيا عميقا ومتعاطفا دون اعتبار للجانب المعرفي أو البحثي أو التطويري للدور الاوروبي في القارة الامريكية. ان سبب الهوس الذي صاحب اكتشاف امريكا وكما جاء في خطابات كولومبس وكورتيس وغيرهم من رهبان وقادة عسكريين, كانوا يحاربون او يبشرون تحت راية ملك اسبانيا, يتملاه تودوروف بحذر وبرود. يضعه في خانة الهوس الديني في نشر المسيحية بعد استرجاع اسبانيا من ايدي المسلمين, وخروج الرجل الابيض من شبكة القرون الوسطى نحو اصقاع جديدة محكومة بالعزلة. اما التعطش الى الذهب والثروات الاخرى فيحس به القارىء وقد انزوى بعيداً بعض الشيء. وهو لا يحسم الامر او يرجح كفة على اخرى, بل يعيد النظر في المسلمات استنادا الى الخطاب. الى الهواجس الفردية وبوح الرسائل والمذكرات العارية. يطمح الى قراءة تاريخ غير منجز, ظل وسيظل عرضة للشك والتقييم والدراسة. لكن كاليانو لا يستند الى القول انما الى التاريخ الحي الذي كتبته المذابح والامراض والحسابات, بعد أن تناقص سكان امريكا الهنود من ثمانين مليوناً الى اقل من عشرة ملايين خلال ثلاثة قرون فقط. يسخر الاسطورة والطقس الديني والفن البدائي ويستنطق المكان. المذبحة اولا والبحث لاحقا, وثمة مسافة شاسعة بين المنطق والعاطفة. رفض الاعتذار من ناحية اخرى يلاحظ في خطاب تودوروف انه لا يستطيع الخروج من مدار المنظومة العقلية الاوروبية, في التعامل مع الآخر غير الاوروبي حتى وان بدا في خطوطه العامة ينحاز الى الجانب الانساني ويتخذ موقفا من موضوعه الذي يبحث فيه. واقل ما يظهر ذلك في الاحكام الباردة والعقلانية التي حلل بها لحظة الاحتكاك بين الهندي والاوروبي, وهو ان لم يعط مشروعية للخطاب الاوروبي على حساب الهندي, الا انه محكوم بمقولة ان التاريخ لا يمكن الا ان يكون هكذا. ربما للابتعاد عن تخوم الادانة وما يستتبعها من مسئولية اتخاذ الموقف. لا يطالب الحضارة الاوروبية بالاعتذار عما مارسته من ابادات ولا يطلب المقابلة بالمثل, فما مضى قد مضى ولايمكن استرجاعه. لكنه مأسور بعقلية المركز الاوروبي, الذي يؤمن ان تاريخ الافكار هو التاريخ الاوروبي, من خلاله يحاجج التاريخ الآخر, حتى وان انصف ذلك الآخر بعض الاحيان. في حين ينطلق كاليانو من محاكمته للاوروبي على اساس ان ما تعانيه البلدان الامريكية اللاتينية حتى الآن. ماهو الا وليد تلك القرون الماضية التي مورس فيها نهب القارة الجديدة وابادة سكانها, وتواصل ذلك حتى القرن العشرين وان تبدلت تسميات الناهب. لذلك يجيء تاريخ الهنود, ثم من بعده السود والمولّدون والاسبان الذين اندمجوا في الحياة الجديدة, حسب ذاكرة النار, يجيء مشبعا بلحظات انسانية فريدة, وبانسجام هائل مع الطبيعة. الشعب الهندي الاحمر يمتلك منظومة دينية وفكرية لا تستطيع الحضارة الاوروبية الادعاء انها افضل منها. فهي حضارة الانسجام والاكتفاء والمثل, سواء مع الطبيعة خاصة أو بين الافراد انفسهم. ولعل التخريب الذي مارسته الصناعة الاوروبية ومكتشفاتها على الارض, باعتبارهم الرحم الذي يحضن الانسان حسب المفهوم الهندي الاحمر, لا تعادله ملايين السنين من النشاط البشري السابق. وان كان كاليانو لايقيم مجال مقارنة بين الاوروبي والهندي الا ان النتائج يمكن لمسها على الواقع. فمن يستطيع تدمير ممالك وابادة ملايين البشر ونهب الخيرات والقضاء على اديان, بامكانه ازالة الحياة على الارض ايضا, خاصة وان ذلك منسوج في شبكة ذهنية واحدة يخدم بعضها بعضا. القوة العسكرية مع البحث المعرفي مع التطور الصناعي, كل هذا موجه ليخدم بعضها بضعا. القوة العسكرية مع البحث المعرفي مع التطور الصناعي, كل هذا موجه ليخدم هيمنة الحضارة البيضاء وليس لاسعاد الآخر, اي آخر تودوروف. وهذا بالضبط ما يحسه كاليانو بعمق, اكثر بكثير من توردورف, لانه هو الضحية وليس العكس. بقلم ـ شاكر الأنباري