لئن كان القرن العشرون, الذي تسابق الجميع لطي صفحته, قد حفر في الذاكرة الأدبية الانسانية, أسماء مبدعين اثروا أساليب وآليات الممارسة الابداعية فيه, فإن الشاعر والقاص الارجنتيني خورخي لويس بورخيس يأتي في مقدمة هؤلاء, لأسباب كثيرة, منها أنه عاش القرن تقريبا بكامله, وقدم تجربة غنية متعددة الأبعاد وألهم اجيالا من الكتاب والأدباء في جميع أنحاء العالم. ولويس بورخيس مثال فريد, لما يمكن ان تصنعه الثقافة الواسعة, وإتقان مختلف اللغات, من أي اديب طامح لخلخلة مسلمات الادب وضمياته اوساع لانتاج رؤية اخرى للعالم, ممكنة, شمولية, وحافلة بالوعود. ولد خورخي بورخيس سنة 1899م في بونيس آيرس عاصمة الارجنتين, وقد هاجرت عائلته بعد سنتين الى باليرمو بايطاليا, حيث أتقن عدة لغات في وقت مبكر جدا من حياته, وظهرت بوادر عبقريته في أعمال كان كتبها قبل سن البلوغ, درج فيها على تقليد اسلوب سرفانتس, كما نشر بعد عودته لوطنه ترجمة اسبانية لقصة (الأمير السعيد) لأوسكار وايلد, ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914م سافر مع العائلة ليجوب معظم أنحاء اوروبا. وهنا ظهرت له مقالات كان يقلد فيها لحد ما, أسلوب ولت ويتمان الشاعر الأمريكي كما اطلع على مختلف الاتجاهات السائدة وقتها في الأدب الاسباني والاوروبي عامة, وفي 1919م نشر أولى مجموعاته الشعرية (نشيد البحر) . ومع عودته ثانية الى الارجنتين اسس مجلة (بروا) الادبية بالتعاون مع الاديب ماسدينو فرناندز سنة 1921م, كما أثر فيه لقاؤه مع فيكتوريا اوكامبو سنة 1925م, ونشر (قمر في الواجهة) 1926م, و(إنسان في زاوية الحائط الوردي) 1927م, ثم ظهر (دفاتر سان مارتن) 1929م, وتوقف لفترة طويلة عن نشر الشعر, حيث تولي مسئولية ثانوية في تحرير مجلة (نقد) 1936م, وهي السنة نفسها التي ترجم فيها (غرفة للذات) لفرجينيا وولف القاصة الامريكية. فترة الابداع ولأنه أصبح وجها أدبيا معروفا, نشر (مختارات من الأدب الارجنتيني) 1939م مع الأديب بيدرو أنريكز, وكذا (مختارات من الأدب الخيالي) 1941م, وكانت هذه الفترة خصبة جدا على مستوى الابداع البورخيسي, حيث نشر (البستان ذو الدروب المتشعبة) وترجم (همجي آسيا) لميشو, و(النخلات المتوحشة) لوليم فولكنر, كما تعاون مع بيوي سيزاريز واختلقا معا, شخصية المؤلف الوهمي (بستوس دوميك) الذي كانا يكتبان بعض محاولاتهما باسمه كاسم مستعار. كما نشر مع سيزاريز (مختارات من القصص البوليسي) 1942م, ونشر (مشكلات دون ايزيد روبارودي الست) , وترجم (مسخ) كافكا, وتولى مسئولية (حوليات بوينس آيرس) 1947م, وظهرت (صورة السيف) , ثم عاود النشر ثانية باسم مؤلفه المستعار (خرافتان للذكرى) وبعدها نشر باسمه الحقيقي (نموذج للموت) و(دحض جديد للزمن) 1947م, وأتبعهما بمجموعته (أليف) , وعين رئيسا لجمعية الادباء الارجنتينيين 1949م, كما تعاون مع الاديبة داليا انجنيروس في كتاب تأريخي مشترك, نشراه بعنوان (الادب الألماني القديم) , وكان هو نفسه مهتما بالآداب القديمة على نحو خاص, اذ سبق له نشر محاولة عن (التاريخ الموحد للخلود) 1937م. ومع مطلع الخمسينيات اصبح بورخيس رمزا عالميا, وبدأت بوادر أسطورة هذا المبدع تتوالى, وظهر أول كتاب هام عنه 1954م (بورخيس والجيل الجديد) لأدولفوبريتو, والذي سيكون مرجعا مهما لمرحلة بورخيس الأدبية الاولى. وظهر (الخيال الضائع) 1954م, وأصبح بورخيس أستاذا للادب الانجليزي في كلية الفلسفة 1956م, ونال جائزة الدولة في السنة ذاتها, ومنذ نهاية الخمسينيات أصبح في حالة من ضعف البصر شديدة, وانتهى به الامر الى العمى المطبق سنة 1960م, ولم يعد قادرا على القراءة والكتابة, بل اصبحت امه تنهض له بهاتين المهمتين, وكان هذا منعطفا في تجربته الأدبية. عميد الأدب وبالتزامن مع ظهور (مقتطفات شخصية) 1961م, فاز بجائزة فورماتور مناصفة مع صموئيل بيكت, ومنح لقب (عميد الآداب) بمبادرة من أندريه مالرو, وأصبحت دور النشر الاوروبية تتسابق في نشر أعماله, حيث نشر (محاولة في الآداب الجرمانية القديمة) 1965م, بالتعاون مع ماريافاسكيز, و(الانا والآخر) 1967م, ثم (كتابات وأقوال ميلونجاس) 1969, الذي اتبعه بمجموعة (مديح الظل) , وفي هذه السنة نال دكتوراه فخرية من جامعة كولومبيا وأخرى من جامعة اوكسفورد 1971م وثالثة من جامعة ميتشغان 1972م, بمناسبة صدور عمله (ذهب النمور) . كما منحته المكسيك جائزة ألفونسوريس 1973م, ورغم تقدم سنه وعماه فقد انتج في حقبة السبعينيات مجموعات قصصية وشعرية ذات نكهة ابداعية مميزة, وسعى الى التخلص من الكثير من جاهزيات السرد التقليدية, فقدم نصوصا مثل (كتاب الرمل) 1975م, ومجموعته الشعرية العميقة (الوردة) وخاصة (كتاب المقدمات) 1976م, وأشعار (العملة الحديدية) , كما نشر مع اليسياجيرادو (ما هي البوذية) ليكرس ثقافته العالمية من خلال عرض للفكر الشرقي البعيد, ثم أهدى مجموعة شعرية (تاريخ الليل) لماريا كوداما, الاديبة التي ستصبح لاحقا زوجته, وقد ظهرت هذه الاشعار 1977م, واتبعها بعمله (الوردي والأزرق) ثم كتب محاضرات نشرت 1980م تحت عنوان (الليالي السبع) . وفي سنة 1979م وقع في مواجهة مع النظام العسكري في بلاده وكان يعمل مدير مكتبة بونيس آيرس العامة, وعلى خلفية هذه المواجهة اوعزت السلطة لادبائها بمهاجمته, فخصصت له مجلة (كابيلدو) اليمينية الادبية, عددا هجائيا, وليس نقديا, توصل اصحابه الى ان بورخيس ليس سوى (شخصية وهمية) , اختلقها مؤلفون. وبمناسبة ذكرى مولده الرابعة والثمانين نشر ويلس بارنستون 1983م مجموعة (حوارات مع بورخيس) , وأصبح في هذه السن وبعد كل هذا الجهد الابداعي قمة في المشهد الثقافي الدولي وزار المغرب 1984م ونشر اشهر أعماله (المتآمرون) , وأخيرا وفي جنيف تحققت يوم 14 يونيو 1986م, نبوءة بورخيس حين كتب في نهاية (الابدي) ما يلي: (عندما تقترب النهاية, فإنه لا تبقى صور ولا ذكريات, وحدها الكلمات تبقى, هذه سنة الزمن الذي ماثلني مع أولئك الذين تقفيت آثارهم, أولئك الذين يرتسم المصير الانساني في سيرتهم ومصيرهم, ومازالوا يرافقوننا عبر القرون. فيما يخصني لدي انطباع بأنني كنت هوميروس في وقت ما, وعما قريب سأتلاشى مثل عوليس, ومع ذلك فقريبا قريبا سأكون الجميع, سيتجسد فيّ الكل: سأموت) , وعندما مات بورخيس في هذا اليوم كان عند رأسه الى جانب زوجته كوداما. شهرة بعد الموت ومثلما تنبأ بورخيس, فإن وفاته كانت بداية فعلية لرواج نصوصه ولترسيخ اسطورته, حيث ظهرت مئات الدراسات وعشرات الكتب عنه في عقد التسعينيات, فقد ظهر كتاب برناتانريكاردو (بورخيس حياته الكاملة) 1995م, ليزيح الغموض عن بعض زوايا حياة هذا المبدع المظللة, وقد تزامن معه ظهور (أحاديث مع بورخيس) 1995م لكانك كارلوس وفيه اضافات اغفلها كتاب (مكتبة بورخيس الكاملة) لنيكيزكريستيان 1988م, كما وقع التأريخ لمعظم نظريات نهاية القرن العشرين الادبية, باعتبارها انعكاسا لاعمال عبقري الارجنتين. وفي هذا الاطار كتب سيرفيراساليناس (شعر بورخيس: قصة خلود ابدي) منبها الى اهمية الشعر الفلسفي باعتباره افقا ادبيا جديدا وواعدا بتجاوز الكثير من ضحالة الشعر المعاصر, وجفاف وتجريدية الفلسفة ذاتها. كما توقف امام النقطة نفسها, اي علاقة شعر بورخيس بالفلسفة, شابوسيرج في كتابه (بورخيس والميتافيزيقا) 1990م, وفيه مقاربة لرؤية شعرية وجودية تتجاوز اطر المعطى والمقولب واليومي في حياة الأديب ومسيرة الأدب ذاته. كما شكل جنس (الفيسيون) الادبي الذي هو مزيج من القصة والمقال, والذي ابتدعه بورخيس منطلقا لعدد من الدراسات المتعلقة بالبعد الخيالي لأدبه. وشكلت محاولات بورخيس للتخلص من ضمية الاجناس الادبية, وسعيه لتوسيع افاق النص الادبي, منطلقا لاتجاهات النص الجديد, والدعوات لاعادة كتابة قواعد العملية الابداعية نهاية القرن العشرين, وعن هذا الوجه من وجوه النص البورخيسي كتب ميشل لافون (بورخيس وإعادة الكتابة) 1990م, ورافائيل لولوش (بورخيس وفرضية الكاتب) 1989م, وأخيرا وليس آخر كتابا (اشكالية بورخيس) لجاك موريزو 1999م, وكتاب جان بييرموري (بورخيس: حقيقة الفضاء المتخيل) 1989م. رؤية العمى وشفافيته عندما اصبح بورخيس كفيفا في منتصف الخمسينيات تنبأ نقاد كثيرون بنهاية مشروعه الادبي, ولكن على العكس, ربما كانت تلك هي بدايته الحقيقية وقد شهد على هذه الواقعة الاديب الفرنسي جان بييربرنس صديقه الاثير الذي نشر أعماله الكاملة عند جاليمار 1999م, وصاحب الحوارات الشهيرة معه عبر الصحف, والذي يوجز تقرير هذا الامر بقوله: (في نهاية عقد الخمسينيات بلغ بورخيس اوج نضجه الادبي, بفعل حياته القاسية, واللحظات الصعبة التي جعله العمى يمر بها. ولعل الطريف حقا, ان كف البصر سمح له باستكشاف مستوى جديد من الكتابة, وسلك بأسلوبه دربا اخر اكثر حيوية, وهنا اعني استخدام اللغة الشفهية.. فمثلا في (الليالي السبع) ومع ان موضوع هذا العمل ليس جديدا, الا ان السرد الشفهي صبغة بلون جديد, او لنقل امده بدفء الحياة) . ألم يكتب بورخيس ذات مرة (لقد كتبت كل سطر في النص استجابة لمطالب يومية عاجلة لا تحتمل التأجيل) ؟ وهو بهذا يقرر واقعة كونه لا يتخيل وجودا اخر خارج الكتابة والادب, فقد كانت حياته ووجوده الحقيقي بحصر المعنى, فكل العالم عنده يخرج من النصوص, واليها يعود, او لنقل ذلك بعبارة اخرى, فهو يقيم مماثلة بين العالم الواقعي, وآخر متخيل في النص, اخر بديل تتراءى برسمه كل الفواصل والمفارقات بين العالمين وهمية. ولعل من الغريب حقا, ان مبدعا بهذا الحجم, يصبح موضع اتهام في مدى مصداقية انتماء نصوصه اليه. اسم مستعار لقد اتهمت مجلة (كابيلدو) اليمينية الارجنتينية بورخيس, بأنه اسم مستعار اتخذه ثلاث كتاب ارجنتينيون طريقة لنشر أعمالهم, وهم ل. مارشال, وبيوي سيزاريز, وم. لوبيز, اما من جسد هذه الشخصية الوهمية فهو (ممثل ايطالي تعيس من الدرجة الرابعة) , وهذه اشارة الى هجرة عائلة بورخيس في سنوات ولادته 1902م الى باليرمو بإيطاليا, فما مدى مصداقية هذه التهمة؟! الحقيقة ان مروجي هذه التهمة سعوا من ورائها لانكار شخصية هذا المبدع, وهي مهمة لا يختلف هو معهم حولها, فقد عرف عنه انكاره الشديد لذاته وانشغاله بالتبشير ليس بأمجاده الشخصية والأدبية, وانما بقيم السمو والطهارة والنبل, ويكفي لدحض هذه الاقوال ان اعمال اي من الادباء الثلاثة المذكورين هي نسي منسي الان, اما بورخيس فمازال في الواجهة ومازالت احتفالات مئويته مستمرة حتى اللحظة, هذا حتى لا نشير الى الاختلاف الاسلوبي والبنيوي بين اعمال الفريقين. وليست مجلة (كابيلدو) وحيدة, فبورخيس كان في اسوأ ما تكون العلاقة مع المشهد الثقافي في بلاده, فقد اتهمه مواطنه الاديب اندرسون امبرت بأنه (يدير ظهره في أعماله لوطنه) وخصص له عددا هجائيا من مجلة (الطليعة) التي كان محررها الادبي, اما محرر (آداب) الارجنتينية رامون دول فقد وصفه بأنه (موت فوق الموت, وقذارة فوق القذارة) . وعلى العكس من هؤلاء يعتقد انطونيو تابوكي الاديب الايطالي الكبير صاحب (نوستالجيا) و(المركبة واللانهاية) ان تجاوز بورخيس لحدود ذاتيته وشخصيته ليسا فقط موقفا وجوديا مفعما بالسخرية من مساوئ العالم, وإنما هو الطرح الأساسي في أعماله الروائية التي يطل منها وجه عبقري لا يريد ان يكون شخصا برسم التصنيف, وكمثال على ذلك, ففي (صورة السيف) يؤكد بورخيس على لسان بطل العمل المدعو (جون فنسان مون) القناعة الاتية (ما يفعله شخص ما كأن جميع الناس فعلوه, لذلك ليس من الخطأ ان نقول ان خطيئة ما ارتكبت في غابة منعزلة تلوث الجنس البشري كله. فما يسيء للفرد يسيء للجموع. ولربما كان شوبنهور على حق حين قال: انا الاخرون) . هذه المماثلة التي يقيمها بورخيس بين بطله وبين الفيلسوف الالماني شوبنهور يعبر عن روحها جيدا كتاب هذا الاخير (العالم بوصفه ارادة وبوصفه تمثلا) وهي روح تنعكس ايضا في اعمال بورخيس الواقعية, مثلا قصة (ايمازونز) و(الرجل ذو الدارة الحمراء) ضمن مجموعة (أليف) , فإيمازونز فتاة من أصل ألماني ـ حسب القصة ـ فرضت عليها الظروف استمالة بحار مجهول, ومن ثم جعله وسيلة بيدها للقضاء على الرجل الذي دمر عائلتها, ومن خلالها يقيم المؤلف وحدة بين الفضيلة والرذيلة بين الخير والشر ويأتي الانتقام متربعا بين العدالة والوقيعة ورائحة الخديعة والمكر, وتنتهي القصة هكذا (ان قصة ايمازونز كانت حقا صعبة التصديق. ورغم ذلك فرضت نفسها على الجميع. لأنها حقيقة واقعية بالأساس. ومن هنا صدق صوتها وحياءها وتعاستها, مثلما يعرف الجميع أنها كانت موضوع تحقير ومعاناة. كل ذلك حقيقي. الوحيد الذي كان زائفا هو الواقع والزمن وبعض الأسماء الدارجة في حياتنا) . وبتجاوزه للواقع المعطى, وخلخلته لبراقع الذات, وأوهام الهوية, وقف بورخيس عند تخوم قارة جديدة, هي الانا عندما يحل فيها الاخرون بهمومهم وعذاباتهم ومطالبهم, ومن هنا أصبح هو اسما مستعارا للجموع والبسطاء, وهذا هو دور الأديب عنده, ان انطونيو تابوكي يعتقد ان بورخيس (بكشفه لمفارقات الحياة, وتوسيعه لمدارات الأدب, كان يعني ان الاديب هو قبل كل شيء, بطل يختلق ذاته واذا كان لنا ان نجاري ألاعيبه اللغوية, وبالتالي ان نقع في المفارقة ذاتها, لقلنا: ان بورخيس بطل روائي اختلقه شخص يحمل الاسم نفسه, ولد في اليوم نفسه, ومات في اليوم ذاته, اعني الشخص ذاك الطالع من بطون صفحات كتبه وقصصه وأشعاره) . أسلوب بورخيس ان اديبا هذا, كانت نصوصه هي حياته الحقيقية الوحيدة, هذا امر يؤكده سعيه لهدم وإلغاء اي واقع اخر, كما يؤكد احد كبار المهتمين بدراسة اسلوبه, الاديب الكبير ايربانوتافاريز رودريجز البرتغالي, استاذ نظرية الادب بجامعات لشبونه وباريس ومونبلييه, والذي نشر اكثر من ثلاثين رواية حتى الان مع عشرات الدراسات النقدية. ان الانطباع الذي تعطيه قصص ونصوص بورخيس, هو الميل الى البساطة ورسم الصور بتعبيرات وألوان من الحياة العادية البسيطة, وكأنه يستسلم لتسجيل ملامح واقع رتيب هادئ وشفاف, لدرجة يبدو فيها القص احيانا كثيرة ضربا من ضروب الوصف الخارجي المحايد والبريء والمفعم بالسلاسة. اما لغة شعره فسنترك الكاتب والشاعر الايطالي بيتروستياتي صاحب مجموعة (ألف الليل) 1999م, يصفها لنا في عبارات قليلة (ان نغمة قصائد بورخيس فيها من الكثافة, والطهارة النبيلة, والوقار, والرصانة البريئة, والسلاسة, ما يجعلني اقول, ان تلك السكينة الكئيبة هي وحدها التي يمكن ان تلهم ملكة الشعر الفلسفي العذبة. وتلك برأيي صورة شاعر يبدو لي أحيانا كثيرة, وكأنه يدير ظهره لروح الشعر نفسها) . وقد عبر بورخيس نفسه عن رأي غير بعيد من هذا, انه لا يكتب الشعر بالمعنى المتعارف عليه, وانما يحياه كغاية وقيمة, فلقد اجاب على استطلاع لمجلة أدبية يقول (ما هي غاية مطمحكم الادبي؟) بعبارة: (ان اقصى ما أطمح اليه, هو ان اكتب نصا, او فصلا, او حتى فقرة, تكون تعبيرا عن احلام جميع الناس, في كل زمان ومكان, ثم لا يكون لذاك النص أية صلة بي, بمطامعي, وضغائني, وبخلافاتي مع الآخرين واختلافي معهم, بكل قسوتهم وآمالي فيهم غير المتحققة, ووعودهم المنكوث بها) . فهل تحقق هذا المطمح؟ أم أنه كمطامح الشعراء, تبخر وارتحل مع الزمن الهارب من نفسه فوق صحن من صحون الرياح؟ ان اعادة قراءة نصوص بورخيس تسمح وحدها بالاجابة. بقلم: الحسن المختار