العلاقة بين الفكر والادب والنقد, علاقة وطيدة, قائمة على المعرفة والابداع وما من ابداع دون مرجعية, ولا معرفة دون رؤية مستقبلية..والمفكر والناقد العربي / السعودي الدكتور عبدالله محمد الغذامي, واحد من المؤثرين في الفكر والثقافة والنقد العربي.. أصدر اكثر من (12) كتابا في شتى حقول المعرفة والنقد.. أبرزها: الخطيئة والتكفير, التفكير والتكفير, تشريح النص, الصوت الجديد القديم, الموقف من الحداثة, الكتابة ضد الكتابة, ثقافة الاسئلة, القصيدة والنص المضاد, المشاكلة والاختلاف, رحلة الى جمهورية النظرية, المرأة واللغة, القارئ المختلف.. ويستعد حاليا لاصدار الجزء الثالث من كتابه (المرأة واللغة) بعد اصدار جزئين سابقين. د. عبدالله محمد الغذامي ـ أستاذ النقد والنظرية في كلية الاداب / جامعة الملك سعود, فاز مؤخرا بجائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية / الاماراتية عن دراساته النقدية.. التقيناه فكان هذا الحوار: * الحداثة.. نبع الحاضر ورؤية المستقبل.. وما بعدها.. يعني هناك وعي في ضرورة تجاوزها باستمرار.. فما هو غد الحداثة؟ ـ الحداثة لم يأفل نجمها, لأنها في لب حقيقتها هي مسعى واع للانسان نحو التجديد واثارة الاسئلة, والوعي بالتجديد هو ضرورة انسانية وهو سؤال حضاري ولا يمكن لهذا الوعي ان يأفل, ولكنه يتخذ لنفسه صيغاً متنوعة, ويبدل ما بين هذه الصيغ من أجل تحقيق غايات التجديد الواعي, وقد نجد انفسنا في مرحلة (ما بعد الحداثة) قبل ان ننجز شروط الحداثة نفسها, وهذا لا يعني انتهاء مشروع الحداثة ولا التخلي عنه, ولكنه يشير الى ان مشروع التجديد الذي نصفه بأنه تجديد واع هو مشروع مديد ومعتمد ودائم التغير ودائم التحدي, مما يجعلنا واقفين دائما على المنعطفات كلها.. منعطف الماضي ومنعطف الحداثة ومنعطف ما بعد الحداثة, وكلها لا تسمح لنا بأن نغادرها بسهولة, لان قضايا كل واحدة منها لا تزال تتطلب المزيد من الأسئلة والجهد. مشروع مستمر * الحداثة.. مشروع قائم ومستمر.. لماذا نتحدث عن ما بعدها؟ ـ ان مشروع ما بعد الحداثة هو مشروع في الحداثة نفسها, هو سؤال عن الحداثة, وهو في الوقت ذاته نقد للحداثة وعبر السؤال عن الحداثة ونقدها يتشكل وعي آخر مختلف في مفهوم التجديد الواعي وفي صيغ تحقيقه وذلك عبر تجنب مزالق الحداثة ومساءلة وعودها الضخمة التي لم تتحقق.. وسؤال ما بعد الحداثة هو مشروع في النقد الذاتي للحداثة يجريه الحداثيون انفسهم في مساءلة منجزهم وفي السعي نحو تحريكه الى افاق ابعد وأشمل. * الحداثة.. عقلانية لها فاعليتها.. مثلما لها مآخذها. في رأيكم اين تكمن اشكالية الحداثة اليوم؟ ـ ذكر كثير من الباحثين الغربيين مجموعة من الانتقادات ضد مشروع الحداثة العلمية ومن ذلك وعودها الكبرى في العقلانية والليبرالية, وهي وعود اذا ما نظرنا اليها نجد أنها افرزت ما هو نقيضها تماما, اذ ان المركزية الثقافية الغربية التي كانت عماد الحداثة ومرتكزها لم تقدم عالميا حلولا للمشكلات البشرية, وجاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتسائل هذا المشروع ولتبحث عن صيغة تفك بموجبها ارتباط الحداثة بالمركزية الغربية وتسعى للبحث عن حلول لمشكلات البشرية / الانسانية والبيئية.. آخذة في الاعتبار ان الليبرالية لا تحمل حلولاً للبطالة وافساد البيئة وتميّز ثقافات على أخرى. * هل معنى هذا أننا امام نوع من النقد الذاتي لخطاب الحداثة؟ ـ نعم.. هذا صحيح, ذلك ان خطاب الحداثة يسعى لتصحيح مسار المفهومات وكشف عيوب المقولات مع عدم اغفال منجزاتها الاخرى الضخمة في الابداع وفي تحرير العقل الانساني. * وهل يمكن ان نعد الحداثة رغبة في التجريب.. في الابداع؟ ـ لكل امة من الامم تاريخ طويل من الرغبة في المغامرة والتجريب والتجديد, اي الرغبة في الابداع المنتسب الى اللذات المبدعة وليس ما ترثه عن اسلافها فحسب وهذه كلها سمات وبذور حيّة مستمرة لمشروعات التحديث ولطموحاته, ونحن في الثقافة العربية لدينا بوادر تحديثية قديمة ومستمرة في الشعر وفي الخطاب النقدي وفي الخطاب الفلسفي, وكل واحدة منها تمثل حداثة عصرها وتقوم بمثابة الجذر لحداثات تتلو مثلما هو حادث في حداثتنا المعاصرة التي نجد فيها السياب مثلا يتخذ من أبي تمام مثالا له في الوعي وفي التجديد. * تثيرون الاسئلة في دراساتكم الفكرية والنقدية دائما.. هل ترون ان الأسئلة هي السبيل الوحيد للمعرفة؟ ـ السؤال ليس هو السبيل الوحيد للمعرفة, اذ ان المعرفة قد تحدث بالمصادفة وهي مسألة يعرفها العلماء التجريبيون, اذ تقع لهم في المختبرات مصادفات مهمة تغير من نسق تفكيرهم وتوجه مسعاهم الى شيء ما كانوا يحسون به او يتوقعونه.. لكن هذا لا يعني اننا نظل رهينة المصادفة وبانتظار عطاياها, ذلك ان العلماء التجريبيين وقعوا على هذه المصادفات عبر جهودهم المتواصلة التي كانت في أصلها استجابة لسؤال له طابع التحدي ومدفوع بالقلق المعرفي.. فالأصل هو السؤال, والأصل هو المغامرة والتجريب, وهذه هي الأجواء التي تفضي الى المكتشفات وتستفز المصادفات ولا تتأثر او تحبط بالاخفاقات. التجريب والحداثة * ألا تجدون في المغامرة والتجريب.. اوجها اخرى للحداثة؟ ـ المغامرة والتجريب هما الوقود الحقيقي للعمل الانساني الابداعي... ان الانسان الذي لا يغامر ولا يجرب لا يمكنه ان يكتشف ما وراء المجهول, اذ ان عالم المعلوم هو عالم الواقع المسلم به ولن يضيف المرء شيئا اذا ابلغنا عن المعلوم.. وهذا هو سؤال التجديد الواعي الذي ينبني على عنصري المغامرة والتجريب. * ولكن الماضي هو المعلوم, والآتي هو المجهول.. اذن التجديد بحث في اعادة اكتشاف المعلوم.. ـ نعم.. فالوصول الى معلومة جديدة, لابد من اكتشافها من الماضي نفسه مضافا اليها رصيد المعلوم البشري, وهذا هو الانجاز بكل ما فيه من احتمالات الخطأ والقلق والتحدي. *اذن.. لماذا اللجوء الى الما بعد.. في حين تكون هناك مراجعة لما قبل؟ ـ في الواقع.. ان هناك اعتراضات كثيرة على مصطلح ما بعد الحداثة وجاءت هذه الاعتراضات من فلاسفة كبار مثل: هابرماس, الفيلسوف الالماني الذي جادل بشدة ضد هذا المصطلح ورفضه, ورأى ان زمن الحداثة يقوم على حقب تتوالى وان كل اسئلة اصحاب ما بعد الحداثة هي اسئلة في الحداثة نفسها, وان تضمنت نقدا للحداثة, لكنه لا يرى ان هذا النقد يشكل مرحلة جديدة مختلفة كي تسمى بهذا الاسم, والمسألة على أية حال هي فيما تتضمنه ما بعد الحداثة من نقد للحداثة وهو نقد أراه من داخل الحداثة وليس من خارجها.. اي انه نقد ذاتي يهدف الى تصحيح المسار. * هل يمكن اعتبار (العولمة) تنويعا غربيا لمعطيات (الحداثة)؟ ـ (العولمة) تقع الان في العيوب نفسها التي وقعت فيها (الحداثة) الغربية.. اذ انها تتمركز على النموذج الغربي وتتعالى على الثقافات الاخرى الهامشية والتقليدية.. ومهما كانت للعولمة من فوائد, الا ان مضارها تتلازم مع فوائدها وهذا يقتضي منا نحن العرب ان نسهم في الخطاب الذي يتحرك الان في اوروبا وفرنسا بالذات ضد العولمة وضد مركزيتها الامريكية الصارمة.. وكأننا هنا نقف بأزاء اصحاب نظرية ما بعد الحداثة الذين ينتقدون الحداثة وكأنما هم ينتقدون العولمة. فوائد العولمة * أشرتم الى وجود (فوائد) للعولمة.. فهل يمكن تحديدها؟ ـ من فوائدها.. نشر وسائل الاتصال السريعة ونشر المعرفة بين الشعوب التي لا تملك وسائل هذه المعرفة, ولكن هذا مشروط بان تتحرك الشعوب لاستثمار هذه المعلومة المتيسرة من اجل مصلحتها الذاتية, لا من اجل الخضوع لمصادر المعلومات فيتحولون الى مجرد مستهلكين غير واعين للمادة المقدمة امامهم بيسر وسهولة. ان المعلومة الميسرة تغري وتجذب, ولا بأس من هذا الاغراء, اذا علمنا وكشفنا حقائقه واسراره ومنعنا تحكمه فينا وقد تحول الى شيء نافع لنا ان نحن اتقنا اللعبة ولعبناها بشروطها الصحيحة.. * ولكن للعولمة مصالحها.. ـ صحيح.. هناك مجموعة مصالح.. والعولمة تنطلق من قنوات عديدة والغرب نفسه متعدد ومتنوع, ومصالحه متعددة ومتنوعة.. * وهذا هو الخطر.. ـ بالتأكيد.. فأنت لا تتعامل مع وجه واحد كي تتعرف على كافة معالمه فتسهل عليك مواجهته.. لكننا في الواقع نتعامل مع وجوه عديدة وهذا ما يعقد المسألة ويتطلب منا جهودا ضخمة وجبارة لكي نعي حالات العولمة ووجوهها المتعددة, ولو فعلنا ذلك لكنا في وضع اقوى لمواجهة الظرف والاستفادة منه قدر الامكان وتجنب اضراره قدر الامكان.. اي اننا لسنا في حالة حرب بين جيشين ولكننا في حالة مواجهة مع عقول ووسائل وهذا نوع جديد من التفاعلات الحضارية الخطيرة جدا.. * اين مكمن هذا التفاعل الخطير؟ ـ يكمن في قدرة الاخر على صناعة المعلومة مع التسارع الشديد في ذلك, والتبدل والتجدد المستمر الذي لا يسمح للخاملين بأن يلتقطوا انفاسهم ولا ينتظروا ردود افعالهم ويظلوا في حالة مفاجأة يوما بعد يوم.. بشيء غير الذي فوجئوا به بالأمس.. وهذه هي لغة عصرنا الذي نعيشه, وهي تتطلب منا وعيا فاعلاً وايجابيا وليس مجرد موقف رافض ومنطو على نفسه. * الا ترون ان صناعة المعلومة باتت احادية..؟ ـ من الصعب القول ان مصادر المعلومة باتت احادية الا اذا افترضنا ان الصراع محصور بين اثنين لا ثالث لهما.. ولكن الصراع واحد هو بين عناصر متعددة والمهيمن نفسه متنوع ومتعدد والمهمش متعدد ومتنوع وداخل في هيئات المهيمنين.. هناك عناصر مهمشة مثل الهنود الحمر والسود والنساء في امريكا والذين يعيشون مثلنا في مشاكل مصدرها العولمة.. كما ان المهمشين انفسهم في داخلهم عناصر مهيمنة وعناصر مضطهدة.. المسألة مركبة تركيبا معقدا لا تجعل الصراع بين اثنين لهما معالم واضحة. وعي ثقافي * ارى أنكم تدافعون عن المهمشين.. فهل هو شرط الثقافة والمثقف؟ ـ بالتأكيد.. من شروط الثقافة والمثقف ان تنظر الى الهامش وفي الوقت ذاته ان تنتقد عناصر الهيمنة, واذا لم يفعل المثقف ذلك, فانه سيصير مجرد عامل من عوامل الهيمنة, ولن يكون في هذه الحالة ذا اثر في صناعة اي وعي ثقافي. * الموقف قائم على الوعي.. فكيف اذا اعتمد هذا الوعي على معلومة غير بريئة الأهداف..؟ ـ ان الوعي الثقافي يستند بالدرجة الاولى على المعلومة من حيث كشفها وتوصيفها ويأتي الموقف بعد ذلك من حيث توظيف هذا الكشف ليكون في خدمة الصالح الانساني, وليس لمثقف ان يكون ذا موقف ما لم يتوفر على معلومة صحيحة وموصوفة. * هل يرتبط الموقف بالايديولوجيا دائماً؟ ـ لا أظن ان هناك موقفا يسلم سلامة تامة من الايديولوجيا في وجه من الوجوه.. الايديولوجيا موجودة بالضرورة, ولكن اهم وسائل التحرر من الايديولوجيا هو الاعتراف بوجودها والتعرف على اثارها.. لكي نقترب الى المصداقية والموضوعية قدر الامكان. * المصداقية صفة مدركة.. لكنها ترتبط احيانا بالمصالح.. ـ المصداقية يدركها القارئ فعلا ولا يدعيها الباحث, لان الباحث لا يمكنه ان يرى عيوب خطابه فيظن في نفسه المصداقية, وقد لا يكون كذلك, لذا فان المصداقية الحقيقية هي ما يراه ويلمسه القارئ والجمهور وليس ما يدعيه المؤلف. * واذا ادعاها..؟ ـ فهو منافق ولا عبرة له.. وحديثنا ينصب على المثقف الجاد الذي يسعى بصدق نحو الموضوعية والامانة, ولكنه مع ذلك لم يسلم من شوائب الايديولوجيا وليس لنا من طريق للسلامة الا عبر المصارحة في كشف ما في خطابنا من ايديولوجيا كي نخفف من ضغطها قدر الامكان.. * وهل انتم على ضد من وجود ادب ايديولوجي؟ ـ لست ضده تماما.. * ولو ظل ساكناً؟ ـ هنا يكمن الخلل.. هنا تكون الايديولوجيا قد انتهت, في حين بقي الادب. * الابداع.. اذن اختراق للسكون؟ ـ انها مهمته.. المسألة ان يضع الانسان جمهوره بين عينيه, فاذا اتجهت الى جمهورك مباشرة فانك ستضع بنفسك وبكامل اعتبارك حقوق هذا الجمهور عليك بان تكون صادقا معه وان تكون شجاعا في صدقك وان تكون اليفا وامينا لحقوقهم الجوهرية التي هي حقوق التاريخ والمواطنة وحقوق التنمية والنهضة وحقوق العلم وهذه كلها شروط للكتابة الثقافية اذا التزم بها الكاتب, فانه يستطيع ان يزكي خطابه وان يجعله خطابا قريبا من المعرفة والموضوعية, بعيدا عن الكوابح الكثيرة التي قد تغري بتجاوز هذين الشرطين. * هذا يعني انكم ضد المؤسسة الثقافية الساكنة؟ ـ نعم.. وانا اسعى لتحريكها بالعمل والمزيد من العمل وعلى كل المستويات المتاحة للبشر.. ان الفكر واحد وان كانت تجلياته متعددة, وقد نجد بعض الشواهد والمواقف تعبر عن غاياتنا اكثر من بعضها الاخر.. المسألة في هذه العلاقة التحاورية بين ما نفكر به وبين تجليات الحالة, ولذا فان التنوع ليس سوى تنوع ظاهري يعود الى جذر فكري واحد. * وما هو الجذر المعرفي الذي تنطلقون منه لتجليات المعرفة..؟ ـ انطلق من التجديد الواعي.. وهذا هو اصلا تعريفي للحداثة. اقول.. ان التجديد الواعي هو وسيلتي للتفكير وللتعبير. حوار ـ حسب الله يحيى
