هل هناك موسيقى في الامارات؟ علامة استفهام تبدو كتساؤل العارف الذي يطرحه كثيرون باستهجان في تورية لاجابة شبه محسومة في تصوراتهم. استعراض سريع وعفوي للشعوب يكشف انها مالكة بطريقة أو بأخرى لموسيقاها وأنغامها بتفاوت، الاضافة الحقيقية للتراث الانساني المتراكم في هذا الشكل الراقي من الفنون. مجموعة نوتات تكوّن نغماً يستقر في القلوب ويحرك الاستعداد للتحليق في فضاءات تتناغم مع السيمفونية الكونية. حتى القبائل الغارقة في عوالم بعيدة كل البعد عن العصرنة والمدينية تحفظ ايقاعاتها الخاصة وتمتاز بها كوسيلة تعبيرية عن الذات والخصوصية, ويرتبط الغناء بالموسيقى في علاقة عضوية متينة تجعلها في متناول كل الطبقات الفكرية استمتاعاً واستماعاً, وما الدندنة التي تفاجئنا على حين غرة الا استجابة للحن في دواخلنا نطق خارجاً. أما تصنيف الموسيقى حسب أنواعها فحالة خاضعة للمعرفة والثقافة والأذن الملتقطة والدراية الأكاديمية. ونميز بين شعوب تستهوي الموسيقى وتتفاعل معها وتعطيها وأخرى لا تتعايش معها الى حدود الضروري والبديهي لنقص في العادة او ميل قوي لقرنها بالكلمة. ونحن اذ لا ننكر على دولة كمصر مثلاً ريادتها في الطرب وألوانه ورفد الساحة العربية بأسماء سنظل نعيش على وقع ألحانها اجيالاً بعد اجيال, نكون في المقابل غير منصفين لو مسحنا بالكامل تلك الاهازيج والايقاعات الشعبية التي عرفتها دولة الامارات براً وبحراً دون أن نغوص في التأثير السواحلي أو الهندي فيها واستخلاص العائد الخام اليها. أما مسألة تحديث التراث الموسيقي وغربلته من الشوائب وامكانيات استخدام الآلات الحديثة الغربية دونما تغريب, فموضوع آخر يتطلب دراسات وأبحاثاً وجهوداً متضافرة وعلمية. على أبواب القرن الحادي والعشرين أو داخل عتبته الأولى, وما تزال دولة الامارات تفتقر الى فرقة وطنية موسيقية تظهر حضورها في الخارج وتعلي من قيمة المخزون الثقافي لديها, فجلّ ما لديها فرقة تراث شعبية تمثل الرقصات والاستعراضات وتتولاها وزارة الاعلام. وعلى قلة الأنشطة الموسيقية التي تقيمها المؤسسات والدوائر الثقافية, الا أننا لا نقع على أمسية محلية خالصة وما علينا سوى مراجعة برنامج (بيت الموسيقى) في الشارقة لندرك ذلك. وليس بمقدورنا ايراد المطربين والمطربات في موضوع الموسيقى وأن جهد بعض الموسيقيين لاعطائهم المسحة الخليجية. محاولة سابقة لتشكيل فرقة نهض بها الملحن عيد الفرج في اعوام ماضية ولم يكتب لها النجاح, فأين المشكلة ومن يتحمل المسئولية؟ ترفض وزارة الاعلام الادلاء بأي تصريح في شأن الفرقة, فيما يصرّ الملحنون على أولوية اقامة معهد للموسيقى لتخريج دفعات من الطلبة الموهوبين وتالياً اغناء الواقع الموسيقي المحلي والمساعدة على دفع الذائقة الفنية لابناء البلد الى الامام, وترفع وزارة التربية عن كاهلها وزر التقصير في التثقيف الموسيقي وجعل القواعد الاساسية بين أيدي التلاميذ. وتدور الدائرة حتى وزارة التعليم العالي التي توضح ان دورها هو تلقى الطلبات بانشاء المعاهد والكليات من منشأة حكومية محلية أو اتحادية ينظمها القانون الذي ينشئها, أو منشأة اهلية أو محلية مكونة من اشخاص او مؤسسات وبين كل هذه الاطراف, تطل المعاهد الخاصة المعدودة برأسها بلا قدرة على سدّ النقص الحاصل أو التعويض عنه بصورة مقبولة. ويبقى أمامنا جهد (بيت الموسيقى) لتشكيل فرقة ناشئة يؤمل منها شيئاً من الشمولية في تعدد الآلات التي يعزف عليها الافراد, ونذكر هذه الفرقة بالذات لأن بها مجموعة من ابناء وبنات البلد في حين تعتمد (فرقة اوركسترا الاطفال) التي اسسها رياض قدسي على عناصر اجنبية في معظمها تحمل بذور اشكالية الاستمرار جراء عدم الاستقرار الكلي على أرض الامارات. الدوائر الثقافية والوزارة يركز الملحن ابراهيم جمعة على قضية الاهتمام, فيرى ان الدولة لديها اهتمامات اقتصادية واجتماعية لا تتوازى بأي شكل من الاشكال مع الموسيقى والمسرح. وما يزال بعض الفنانين يقومون بجهود فردية, وكل الامور المتعلقة بالموسيقى تستند الى القطاع الخاص. حتى أننا نفتقد للجنة اجازة تسبق العمل وما يحصل انها تجيزه بعد انجازه. ان معهداً موسيقياً أمر مهم لابراز الوجه الحضاري للبلد, وهو مسئولية الدوائر الثقافية والوزارة, والتي عليها الاستعانة بالخبراء لتقديم تصور ومخطط لمعهد يدرّس الموسيقى العربية والغربية والكورال, ليكون معهداً حضارياً شاملاً لا يكتفي بالفن الاماراتي. والأهم ان يحتوي على مادة علمية فمعظم الفنانين سطحيون ما يؤدي الى نتيجة غير طيبة على مستوى التواجد الفني. نريد خلق جيل حضاري حتى لو استمر استثماره بعد مرور أربع سنوات وهي مدة الحصول على دبلوم أو بكالوريوس. أن وزارات الاعلام في الدول العربية تترك الموسيقى على القطاع الخاص, والمطلوب مؤسسة وطنية في هذا القطاع كي تتبنى المواطن. فالمواهب يجب أن يتم صقلها وتثقيفها وهذا يحتاج الى سنوات, فحتى الكويت لم تخرج بأكثر من فرقة ولم نر ثمار المعهد المقام منذ ثلاثين عاما الا عبر ملحنين, فأين هي الفرقة التسجيلية رغم ان في الكويت ستوديوهات مهمة؟ ان هناك نقصاً كبيراً في الكوادر. وعن الفرقة التراثية الاماراتية يؤكد جمعة وجوب تطويرها لان التراث يختلف عندما نرغب بتقديمه على المسرح ولا يجوز أن يظهر جامداً لمدة نصف ساعة متواصلة. ودعا الى تصحيح المسار الموسيقي رافعاً أصبعه باتجاه وزارة التربية التي عليها التحول من الاغاني الى الموشحات والاناشيد. واضاف (ان دراسة الموسيقى في المدارس خاطئة لافتقارها للثقافة, والطفل يقلّد ما يقال له, فيما الموسيقى كأي منهج علم واسع نبحر فيه, وليس هناك أي تأسيس صحيح والخطأ في البرنامج وتحديد سنوات تطبيقه اذ ان التواصل غير متوفر) . وأعتبر أن جمعية الفنانين مازالت غير فاعلة لأنها تتطلب الود بين الفنانين والتكاتف ولكنها تمزقت بسبب الأنانية واللامفهومية. ويعتقد جمعة ان على المسئولين في وزارة الاعلام ان يسيروا في اتجاه تأسيس ثلاثة معاهد للموسيقى والمسرح والغناء. (فالحضارة هي الفن, ونحن نترجمها عبر ابراز تقاليدنا وبيئتنا لكن أين الامكانيات المادية والمعنوية, اننا نشترك بكوادر مصرية حتى اليوم في أسابيعنا الثقافية) . وأكدّ انه اقترح على المسئولين وطالب عبر وسائل الاعلام, لكن أحداً لم يسمعه لأنه (في مسألة الغناء والموسيقى هواياتنا الفن المستورد) . لا حاجة للكلام لديه ملاحظات محددة لكنه لا يستطيع وضع اللوم على وزارتي التربية والاعلام. الملحن خالد ناصر يقول: (ان تصور المعهد تراه العين وتستشعره ولا حاجة للكلام عنه. كل الدول العربية تقريباً لديها معاهد موسيقية ودراسات في هذا المجال, ونحن لدينا اجتهاد شخصي لتكوين ثقافتنا وندرك ان الأكاديمي أفضل. وان كنت قد تعبت لسنوات لملاحقة المعرفة الموسيقية وقطعت فيها شوطاً كبيراً, فأنا لا امثل سوى حالة او ثلاث على الأكثر, بينما المعهد يخرج طلبة ونستفيد منهم لعمل فرقة موسيقية متكاملة. نريد خطوة للمستقبل والجيل الجديد فكثيرون لديهم موهبة وتنقصهم المعرفة الكافية. ان بلدنا صارت فيها حركة فنية قوية ونسبة اقبال كبيرة على التلحين والطرب لقد وصلنا الى مرحلة احتراف خاصة واننا اشتغلنا مع أناس محترفين) . وحول التدريس في المدارس لم ينكر دور المدرس الا انه لاحظ فرقاً مع الساحة الموسيقية التي تفرز حالياً اناشيد ذات انغام خليجية واماراتية, ويظن ان التدريس ضعف في الفترة الحالية ولم تعد تقدم لوحات ختامية في نهاية العام الدراسي. ولمس النقص في العازفين ما يحول دون تشكيل فرقة تعزف على الآلات الوترية ما يبرر التعاون مع موسيقيين عبر المكافآت. وعلّق على المعاهد الخاصة بأن وجد بعضها نظرية غير تطبيقية قد تعلّم الطالب بطريقة خاطئة, وأخذ على معاهد بدعة الادعاء بتعلم التلحين. وعن فرقة (بيت الموسيقى) قال ان المحاولة دائماً جميلة وقد تحرك الراكد. رافد للمعهد مدير ادارة الأنشطة الثقافية والفنية في وزارة التربية ابراهيم مبارك ردّ حمْل انشاء المعهد على وزارة التعليم العالي, واتهم البعض بايراد كلام من غير علاقة وثيقة مع الواقع الجاري. وقال (ان لدينا مدرسين ومدرسات متخصصين لكل المراحل, يعلمون ألف باء الموسيقى. وتعطى لمرحلة الرياض حصتان اسبوعياً كذلك للصفوف الابتدائية حتى السادس) . وكشف عن ان الوزارة تتجه للاكثار من المواد الفنية كالموسيقى ومواصلتها حتى المرحلة الاعدادية والثانوية, والمسألة حاضرة في الرؤية الجديدة للوزارة. وأضاف (اننا نقيم مهرجاناً موسيقياً باشرناه هذا العام في الجميرا بيتش منذ حوالي شهر تقريباً وشاركت فيه كل المدارس وقدمت الألحان على كل الالات. وأرى أنه انطلاقة نحو الامام. وفي النهاية, ان المدرسة تعطي تمهيداً للموسيقى ووجود المعهد يكمل المسيرة وسنكون له الرافد الأساسي) . الفكرة والاهتمام الموسيقي في وزارة التربية حسين محمد خميس يشرح تفصيل الدراسة فيقول: (اننا نعطي كل شيء حتى السادس ابتدائي, كالقواعد والعزف والغناء والأناشيد. والموسيقى أصلاً نغم (ويقسم الى اناشيد), وايقاع (سولفيج وآلات الأورج والجيتار). الا ان المشكلة في ان الوزارة لا تكمل مهمتها حتى النهاية, ويحصل اذ ذاك انفصال بين الطالب والمادة الموسيقية. والمفروض على الدولة ان تتابع مع الثانوية ثم البكالوريوس, وان تقدم منحاً لدراسة الموسيقى والمسرح عبر ابتعاث الطلبة الى المعاهد المتخصصة) . ومن خلفية خبرة ترقى الى 27 عاماً في دولة الامارات, يشدد خميس على توفر الكوادر المؤهلة. ويستطرد ان اي مشروع يجب ان تسبقه دراسة جدوى لقياس مدى الحاجة له وهو ما ينطبق على المعهد الموسيقي, والذي عليه اخذ كم الطلبة المقبلين عليه بعين الاعتبار والكيف الذي سيخرج منه. وفي اطار الاولويات الأكاديمية الفنية تكلم خميس على معهدي الموسيقى والمسرح واشترط اهتمام المسئولين المساعد على المباشرة بفكرة مماثلة. وعن فرق الاطفال يوضح خميس (ان هؤلاء الاطفال سيجدون اهتمامات مغايرة تفرض نفسها عليهم في فترات لاحقة, علما ان التخصص والتوجه يبدأ منذ الابتدائية في الدول المتطورة خاصة وان الموسيقى مهنة وامتهان واحتراف. صحيح ان كوادر تتواجد هنا غير أنها عفوية لا تتكىء على الدراسة انما على العملية الاجتهادية, كما يغيب تبني الملحنين للمواهب شأن ما نقع عليه في مصر) . وفيما يخص المعاهد الخاصة رأى ان اساس همومها الربح فيما المعهد الحكومي اساسه العلم, كما ان الموسيقى عائلات حسب الآلات (وترية, ايقاعية, النسخ الخشبي والنحاسي) والمعاهد الحالية لا تدرس سوى عائلة بعينها. ويعوّل خميس على اندفاع الافراد فأحمد باقر عاد الى الكويت بعد اتمام دراسته في القاهرة وعمل على تأسيس معهد الموسيقى العربية. ونبّه الى قضية قائد الفرقة والتنويع الموسيقي بينما يميل أهل الخليج بشكل اساسي الى الات الايقاع والعود. ويجد ان تطوير الموروث الموسيقي ركن رئيسي في الموسيقى المحلية لكن ذلك لا يأتي من فراغ ولا يقوم به سوى الأكاديميين, وان الحماسة لفكرة المعهد ملموسة والمطلوب تفعيل الحركة واحضار موسيقي عربي له سمعته وتجربته (ان الموسيقي والمغني دعاية وثروة للبلد شرط ان تلمعه دولته وهذا ما لا نراه في الامارات, واذكر قول بيتهوفن (ان اردت ان تعرف مقدار حضارة شعب ما استمع الى موسيقاه) . الطريقة الرسمية للوصول الى معهد أكاديمي تكون بناء على القانون المنظم لاختصاصات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وقرار الوزير رقم (74) لسنة 1999 في شأن نظام عمل مؤسسات الخدمات التعليمية, حيث تنظر الوزارة في امكانية الترخيص لمعهد يقدم برامج مدتها أكثر من سنة بعد المرحلة الثانوية, وتشترط ان تحدد المؤسسة اهدافها بوضوح وتقدم كل البيانات الخاصة بالعاملين والأكاديميين والاداريين, وتبين الميزانية ومصدر التمويل واوجه الصرف, وبيان برامجها وكيفيتها ومكان تنفيذها وشروط القبول في المؤسسة. ويطلب ان يكون صاحب الترخيص من مواطني الدولة حاصل على مؤهل علمي لا يقل عن الدرجة الجامعية الاولى ولم يحكم عليه بجريمة مخلة بالشرف والأمانة. ويتوجب ايضاً تحديد موقع ومكان المؤسسة ومجموعة اخرى من الضوابط. تحقيق ـ رندة العزير