للعالم الروائي او الحكائي شروطه وطقوسه, وما من روائي يحيك عالمه الخاص وفق رؤيته الخاصة إلا ويضع في حسبانه انه مطالب بوضع اطار للامكنة والشخوص في ظل انفعالات الروح والقلب من فرح وحزن وتفاؤل, وفي ظل انتماءات سائدة بين البشر من ايمان وجحود وكفر ونبل, ومن كليات لا يمكن مغادرتها او الفكاك من اسرها, وهي الميلاد والحياة والموت. ما بين هذه الثوابت والكليات يتأرجح بشر وعوالم وحيوات, ليست بالضرورة واحدة ولن تكون متطابقة بأية حال, واما معايير الفضيلة والرذيلة والخطأ والصواب فهذه ليست من اختصاص الحاكي او الروائي, وليست مأساته اذا نقلها كما هي وشرحها او قالها للناس تحت أية ذريعة, فالمعروف ان ناقل الكفر ليس بكافر! يباغتنا الكاتب بشخوصه, وبأمكنة حكاياته وهذه المباغتة ـ في ظني الخاص ـ يجيدها حد العبقرية الروائي (اللبناني, الفرنسي, العربي) امين معلوف وغيره كثيرون, والذي يمزج التاريخ والتراث العربي برؤيته وتجربته وعالمه, فيخرج من كل هذا ابداع اكبر حتى من ان ننسبه للعالمية. فانا من الذين يصرون على ان العالمية وجوائزها وشهاداتها ليست من قبيل (التابو) الذي يجب ان يعشش فينا حدّ العقدة!. وحينما يتحدث (زيد مطيع دمّاج) الكاتب اليمني الذي غادرنا مؤخرا, في روايته (الانبهار والدهشة) عن يمنه السعيد بقراه وتاريخه وخرافاته واسراره, فانه لا يتجرأ على وطنه, ولا يتجنى على أهله, فالحقيقة ان اليمن تاريخ من الخرافات والاسرار والسوء والشر والجمال ايضا, فلماذا كل هذه التهم التي يتلذذ البعض في اطلاقها على المبدع العربي حين يمعن في ابداعه ناقلاً تفاصيل الحياة واسرارها كما تتكشف له بحرفيّة وتألق؟ لماذا يستسهل الذهن الجماعي العربي اطلاق التهم وكأنه نوع من تناول قطع الحلوى الفاخرة؟! تهمة الالحاد والزندقة أطلقت على (الحلاج) وحتى اليوم مازال رازحاً تحت ضراوتها حتى بعد ان صلب دافعاً ثمن الحقيقة من دمه وروحه وجسده, ومع ذلك فالتهمة مسافرة في جيناتنا العربية حتى يوم القيامة, ولن نتخلى عن هذا التراث المتمسك بحق اطلاق التهم, وكأننا نريد ان نثبت للمجهول بأننا بالفعل خرجنا من الجاهلية وبأننا أهل ديانة ندافع عنها بضراوة حتى وان كان الثمن اكل لحوم الاخرين بمنتهى الجاهلية. امين معلوف في روايته (صخرة طانيوس) يقول بان شخصيتين لابد منهما في اية بلدة او مدينة, المجنون ورجل الدين, اما لماذا, فهو يعلل بان احدهما قادر على كشف الحقيقة دون خوف (المجنون) والاخر قادر على زرع اليقين في النفوس دون تعب! نحن اليوم نقول لامين معلوف, بانه ربما لا يدري بأن مدننا العربية تحتاج ايضا لباذري الفتن والمشككين, وان هذه المدن بدون هؤلاء لا يمكن ان تسمى مدنا عربية ولا ان تبقى حتى الأبد حاملة, وبجدارة عمياء, لقب العالم الثالث والمتخلف والنايم. اتساءل منذ مدة: هل مازلنا عالماً ثالثا رغم انتهاء ما يعرف بالعالم الثاني او المنظومة الشيوعية؟ بمعنى اخر هل ترقينا لمنصب العالم الثاني آليا؟ ربما, لكننا سنبقى بحاجة للمجانين ورجال الدين وباذري الفتن.