هل جربت ان تقف ذات يوم على ضفة نهر وتنظر إلى الضفة الأخرى؟ وإن أنت فعلت ذلك, فهل جال في خاطرك ان تركب زورقا تعبر به ذلك النهر من الضفة إلى الضفة؟ وإن كان ذلك قد جال في خاطرك.. فهل حدث ان قمت بتنفيذ الفكرة لتجد نفسك داخل الزورق مجدِّفا باتجاه الضفة الأخرى؟ وإن حدث ذلك فعلا.. فهل وجدت نفسك متلهفا للوصول وملامسة أرض تلك الضفة.. كلَّت يداك من التجديف أو كنت مستمتعا بتلك الحركات المتوالية الرتيبة؟ شبيه بذلك إبحارنا في هذه الحياة.. غير ان الفرق الوحيد بينهما أننا لا نتوق إلى الوصول إلى الضفة الأخرى مهما طالت الرحلة .. تعبت نفوسنا أو كانت مستمتعة بها.. إذ مهما بلغت درجة إيماننا تظل الضفاف الأخرى بالنسبة لنا مجهولا لا يتملكنا ـ على غير العادة ـ الفضول لمعرفته, وان كنا واثقين تماما أننا سنعرفه يوما ما, طالت الرحلة أو قصرت. تُرى.. كم تحفظ الذاكرة من مشاهد تلك الرحلة؟ وكم ترسل إلى عالم النسيان؟ تلك قصة أخرى ساهمت الخلائق في صنع أحداثها, وحارت البرية في فك طلاسمها, غير ان الجميع ماضون في إكمال الرحلة حتى تأتي تلك اللحظة الحاسمة التي لا يتوق إليها أحد فتطأ أقدامنا أرض الضفة الأخرى.. الفطن منا من جعل شعاره فيها: (ان أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد, وأجمل البحار بحر لم ترتده أشرعتنا بعد) .. أما خائب الرأي قليل الفطنة فهو من حبس نفسه في سجن الذكريات الأليمة, ولم يخرج إلى الفضاء الرحب ليمتِّع ناظريه بما أبدع الخالق من روائع هذا الكون, وجعل لكل منها دورا في هذه الحياة. فهل عجزنا ان نكون كقطرة الماء على هوان أمرها؟ أفلا ترى كيف تجوب القطرة بحار الدنيا تحملها الموجة تلو الأخرى, فإذا ما ألقت الشمس أشعتها عليها وسرى الدفء في أوصالها صعدت إلى الطبقات العليا وامتطت ظهر سحابة تسافر بها الريح, حتى إذا ما فاض بها الحنين إلى الأرض انهمرت غيثا يبعث الحياة في موات الأرض ويحيل جدبها اخضرارا, ويملأ مروجها سنابل وأزهارا. هكذا ننظر إلى الحياة عندما نزيل الغشاوة عن أعيينا.. أو لعلها هي التي تبدو لنا كذلك عندما لا نسمح لسحب الدخان المتصاعد من الحرائق التي نشعلها داخل نفوسنا بأن تحجب الرؤية عن أعيننا وتعكر صفو أيامنا. من سلة تلك الرحلة ومخزون ذكرياتها كثيرا ما نستمد القدرة على مواصلة الابحار والتجديف.. فلم لا نتوقف أحيانا عند بعض محطاتها التي مررنا بها إذ ربما تشابهت مع محطات لم يزر مرافئها زورق الحياة بعد. انها دعوة للتأمل.. حبذا لو تم التحرر ـ عند تلبيتها ـ من بعض الأقنعة والمظاهر التي نخدع بها أنفسنا. (ليلة غاب فيها صوتها) كان إذا أرخى الليل سدوله وغمر الكون سكونه جمعه والشوق جامع, وآوى إلى مخزون صبره ـ على قلّته ـ بانتظار هاتفها, في تلك الليلة التي سمّاها أطول ليالي العمر غاب عنه صوتها فجفا جفنه الوسن.. وكانت معاناة حاول ان يعبِّر عنها.. فهل تراه استطاع؟ دقيقةٌ.. .. دقيقتانْ.. ... وها هي الدقيقةُ السِّتُونْ وساعةٌ أُخرى تَمُرُّ.. .. ساعتانِ.. خمسُ ساعاتٍ تَمُرّْ.. وكلُّ ما حَوْليْ سكونْ وكلُّ ما فوقي سكونْ وكلُّ ما تحتي سكونْ وهاهي الليلةُ مَرَّتْ دُونَ بدرٍ.. دُونَ نجمٍ.. دُونَ أنْ يَحْنُوَ قلبٌ كنتُ لا أدعوه إلاّ حِصْنِيَ الأَوَّلَ والأقوى إذا لم تَبْقَ في الدُّنْيا حُصُونْ! (هدية لا مناسبة لها) تعود الناس أن تكون للهدية مناسبة.. أما هو فقد جعل الهدية نفسها مناسبة.. لم تكن هداياه لها مرتبطة بعيد ميلاد أو بداية عام أو عيد حب.. بل ربما مرت مناسبة من هذه المناسبات دون ان يحمل فيها هدية.. فقد عوّدها أن يفعل مالا يفعله الناس وتعودت منه ان يترك ما يفعلون.. هل تراه صنفاً من العاشقين غريبا؟ ربما.. ولكنه ـ على أي حال ـ لم يكن في صنوف المحبين بدعا. في ذلك اليوم.. أعلن حالة استنفار من نوع خاص.. ألغى كل برامجه.. وفي مقهى على شاطئ البحر جلس يرتشف فنجاناً من القهوة, ويرسل ناظريه مع أشعة الشمس التي تحولت إلى اللون البرتقالي وهي تلوّح مودعة.. كان قد أمضى يوما عسيرا وهو يبحث عن هدّيةٍ مناسبةٍ لا مناسبةَ لها.. وفي اللحظة التي أوشك فيها على إعلان هزيمته جاءت الفكرة كومضة شديدة التوهّج.. فمع رشفة الفنجان الأولى انطلق صوت ملائكي ملأ المكان سحرا.. وما ان انتهى من ارتشاف قهوته حتى هب وإحساس بالفرح غامر يملأ نفسه.. وما هي إلا لحظات حتى كان يحمل إليها ديوان شعر أندلسياً قديماً وشريطا للصوت الملائكي الساحر (فيروز) وهي تصدح: وليْ فُؤادٌ إذا طالَ العذابُ بهِ هامَ اشتياقاً إلى لُقْيَا مُعذِّبِهِ يَفْدِيكَ بالنَّفْسِ صَبٌّ لو يكونُ لهُ أعزُّ من نفسِهِ شيءٌ فداكَ بِهِ نبكي على الدُّنْيَا ومَا مِنْ مَعْشَرٍ جمعتهُم الدُّنْيا فلم يتفرَّقوا وَعذَلْتُ أهُلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ فَعجِبْتُ كيفَ يموتُ من لا يَعْشَقُ (من وحي غرفة العمليات) كان يوما صيفيا قائظا.. وكانت الشمس ترسل خيوطها الأولى ليتنفس الصبح فجراً جديداً.. وكان الممر خاليا إلا من سرير يتمدد عليه جسد, وممرضة تدفع ذلك السرير إلى غرفة العمليات.. كان فريق أطباء التخدير والجراحة بأدواتهم ينتظرون السرير والجسد الممدد عليه.. وكان هو ذلك الجسد الذي سيغيب عن العالم بعد لحظات لتبدأ المباضع عملها فيه. ورغم كل ما يمكن ان يخالج النفس من مشاعر في لحظة كهذه فقد كانت مشاعره تمتطي جناح طائر مهاجر محلقة بعيدا عما يجري حوله.. فكانت العملية الجراحية التي أسلم نفسه لها.. وكانت هذه الزفرة التي خرجت من داخل غرفة العمليات: حِيْنَ لا يُسْمَعُ صَوْتٌ ويلفُّ الكونَ صَمْتٌ تُسْدِلُ العُتْمةُ أستاراً فلا يُدْرَكُ فَوْتٌ وعلى أشرعةِ الغيبِ أُسَافِرْ حاملاً قلباً وهمّاً لا يُغَادِرْ وحقولاً لم تزلْ تشتاقُ هاتيكَ البيادرْ فجأةً يُشْرِقُ ذاكَ الوجهُ من خلفِ الدوائرْ وَجْهَكِ الوضاءُ شمسٌ وعقودٌ وجواهرْ في صفاءٍ يغمرُ الأجواءَ طُهْرًا سَرْمَدِىاً وعلى نَزْفِ جُروحي ينتشي المِسْكُ سَدِيّا تطرحُ الأحزانُ فَرْحاً كان نَجْمًا فرْقَديّا وعلى كلِّ دروبي يُزْهِرُ الوردُ نديّا *** أيُّهذا المِبْضَعُ المجنونُ ماذا أنْتَ فَاعِلْ وأنا أُبْحِرُ في العُتْمةٍ أرتادُ السَّواحِلْ؟ وعلى البُعْدِ أرى طَيْفَكِ نورًا ومَشَاعِلْ هل تُراها رِحْلةُ العودةِ أم غَيْبَةُ راحِلْ؟ *** يستفيقُ الجُرْحُ في جسمي تباريحاً حَزِينَهْ بينما طيفُكِ يَنْضُو الحُزْنَ.. يُلْقِيْ بالسَّكينهْ فَيُحيلُ الآه لحنًا عبْقَريّاً مِنْ لُحُونِه لستُ أدري أثوانٍ عشتُها أم عِشتُ دَهْرا؟ كلُّ ما أذْكُرُ من رحلةِ ذاكَ الجُرْحِ بَدْرا هو كان البَلْسَمَ الشَّافِيَ إذْ أَسْرَى فأبْرَى هَلْ رأيتُم قمراً يَسْطَعُ بينَ النَّاسِ ظُهْراً ؟!! (انتهت المساحة وما زالت في الرحلة بقية.. فكلما تأجل الوصول للضفة الأخرى تراكم في السلة المزيد.. وليس أحب إلى قلوبنا من رصيد لا ينضب من ذلك المخزون) .