يخطئ بعض المثقفين العرب كثيرا عندما يحولون نافذة حرية الفكر والابداع إلى بوابة يتسلل منها دعاة الفوضوية, والساعون للشهرة من باب التطاول على المقدسات الدينية, والاستهزاء بكل القيم النبيلة, التي لا تزدهر الحياة الثقافية إلا بالتفاعل الخلاق معها, وبدونها يصبح كل عمل يزعم الانتساب للأدب عقيما ونشازا, ولا يكتب له الخلود, وان حاز اعجاب بعض المهووسين بالخروج على المألوف. ويقع بعض دعاة الدفاع عن الحريات في فخ المغالطات واختلاق معارك وهمية, ابتلى بها أبناء الحضارة الغربية في عصورها المظلمة, عندما يضعون إسلامنا بكل تعاليمه السمحة واعلائه لقيمة العقل والتفكير في صدام مفتعل مع حرية الفكر والابداع. على ان الحقيقة التاريخية تثبت ان الاسلام بقيمه ودعوته القائمة على احترام العقل الإنساني, لم يشهد عبر تاريخه أي اضطهاد لمفكرين أو أدباء, بل على العكس اسهم في اثراء الحضارة الإنسانية, خلافا لما شهدته أوروبا من محاكم تفتيش واحراق لجثث مفكرين وعلماء. وبعد أن هدأت ضجة رواية (وليمة لأعشاب البحر) في مصر, بعد طبع وزارة الثقافة المصرية لها ضمن سلاسلها الأدبية, وبدعم من الخزينة العامة للدولة وبقروش دافع الضرائب المسلم والمسيحي معا, حان وقت التفكير الهادئ والموضوعي فيما جرى, حتى لا يتسع الحريق, وتسود البلبلة, ويتفرق الصف, وينشغل الناس بمعارك هامشية تهدر الطاقات وتشغلهم عن الهم الوطني الأساسي. أول ما يلفت الانتباه اصرار بعض المثقفين على الخلط بين حرية الابداع والفكر من جهة وادمان بعض الأدباء التدني إلى هاوية الابتذال والاستهزاء بالدين, فالأولى حرية مقدسة والدفاع عنها فرض عين, أما الثانية فخطيئة يجب أن يحترز المبدع الحقيقي من الوقوع فيها. يكفي ان نتذكر ان رائد الفلسفة الأوروبية الحديثة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عندما أسس منهجه الفلسفي في الشك, استبعد الدين وأسسه من الشك, باعتبارها ثوابت ويقين, ولا تدخل في نطاق سلة الأفكار البشرية الشبيهة بسلة التفاح, التي إن وجدت داخلها تفاحة واحدة معطوبة وجب قلب السلة بأكملها حتى لا يصيب العطب الجميع. سيد زهران