من يدخل على شبكة الانترنت يرى عجبا, وأقول عجباً ليس من باب الجديد والمثير الذي تعج به الشبكة والذي أصبح من خلاله بناء المواقع لأي كان أمراً عادياً وسهلاً بل من باب ما يحمله البعض من افكار بالية لا تليق بهم وهم يعيشون زمناً متواصلاً بالابداع والابتكار, فالحوارات الدائرة خاصة بين العرب حوارات سقيمة تفوح من بين ثناياها رائحة السب والقذف والتشهير... خاصة الحرب الازلية الدائرة بين جنسين متضادين متواصلين لا يستطيع احدهما البعد عن الآخر أو تهميشه.. ورغم ذلك مازالت الدائرة تتواصل بالحوار والجدال بين الرجل والمرأة.. وحتى لا أقف محصوراً هنا بين مؤيد ومعارض, بين من يرى ان المرأة يجب ان تكتفي بدورها التقليدي أو من يطالب بضرورة كسر القوقعة والدخول إلى ميدان العمل والتنافس, اجدني ارصد تفصيلة من هنا واخرى من هناك لأكمل سجادة مزركشة الألوان متواصلة الخيوط فأشير إلى ان الثرثرة العقيمة لا تجلب إلا وجع الرأس, ويبدو ان بعضنا جبل على الثرثرة, فلا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد, فيتعب نفسه ويتعبنا معه. ولأن موضوع المرأة هذه الايام يفرض نفسه بعد ان تعولم نجد انفسنا نطرق أبوابه في هذه المساحة بعجالة, فبينما تتفاعل قضية الخلع في مصر وتتواصل في قطر وايران تشتعل قضية نسائية اخرى في اسبانيا وبريطانيا تعقد من اجلها المؤتمرات, وبين هؤلاء وهؤلاء, يصيح الرجال الهنود من اضطهاد النساء وسطوتهن, ليشتعل الفتيل القديم بين آدم وحواء, فنتساءل نحن من ينتصر؟ وتأتي الاجابة لا أحد.. فالمعركة لا تورث إلا الهزيمة لكلا الطرفين.. ولكن رغم ذلك نرصد ما تفرزه الدائرة.. ولأننا محاصرون بآثار العولمة نبدأ بها فلا نتجاوزها, فقد أكدت الأمم المتحدة مؤخراً في تقرير لها عن نتائج المسح العالمي عن دور المرأة في التنمية تحت شعار (العولمة والمساواة بين الجنسين والعمل) أكدت على ان العولمة اطلقت العنان لبعض القوى التي اوجدت فرصاً جديدة ربما كانت تؤدي إلى تعضيد المرأة وتمكينها, لكن العولمة اوجدت أيضاً ظروفاً اقتصادية تضر بالمساواة بين الجنسين منها تبخر القيمة الاقتصادية وضعف الاستقرار في العمل وفقدان أسباب الرزق. ويعتقد كثيرون ان المرأة ستقود زمام الأمور في العالم بعد ان تراجع الرجل عن مكتسباته التي احتفظ بها لقرون طويلة, حيث تؤكد المؤشرات على هذا التراجع المثير, فقد اشارت دراسة حديثة إلى انه خلافاً لما هو متعارف عليه فان الاب وليس الام على استعداد للعمل لساعات أقل, وان يضحي بجزء من راتبه ومستقبله الوظيفي من اجل العائلة والأطفال. وأكدت الدراسة التي اعدتها مؤسسة (مانتيل انترناشيونال جروب) عن نمط الحياة العائلي وتأثير العمل حول العائلة البريطانية ان وحدة العائلة المكونة من اب وام وأطفالهم في تدهور. وأشارت الدراسة, إلى ان 12 في المائة فقط من الرجال والنساء, يفضلون البقاء في البيت, للعناية بالأطفال, طيلة الوقت, وان 25 في المائة من النساء غير العاملات, يفضلن الانخراط في سوق العمل, على البقاء في البيت, ما يعني ان الزمن الحالي زمن النساء, ولهذا علقت انجيلا هيوز مديرة أبحاث المستهلك في المؤسسة قائلة: ان تشريع قوانين تسمح للآباء الحصول على اجازات ابوية من قبل أرباب العمل سيرحب به من قبل امهات الأطفال مؤكدة في الوقت نفسه على ان مثل هذا الأمر يجب ان يكون مطلباً نسائياً مهماً على النساء المضي به قدماً! ولا أعلق هنا أو اقول ان الرجل بات في انقراض بعد ان ارتدت المرأة حلته, وسلكت طريقه واقعدته في البيت وطالبت المجتمع ان يمنحه اجازة ابوّه بعد ان كانت تلك الاجازة حقا نسائياً مكتسباً منحته لها الطبيعة قبل ان تقره القوانين. اقول انني لن اعلق, بل اشير إلى انه في الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمر أوروبي نسائي في مدينة كاليبي الاسبانية للرد على العنف ضد المرأة, تأتي صرخة من مدينة غوجارات الهندية بعد ان احبطت قوات الامن محاولة خمسة رجال ـ يعانون من تعذيب زوجاتهم ـ تقديم انفسهم قرابين بشنق انفسهم في ميدان عام. وتجمع حوالي 150 شخصاً يزعمون عضويتهم في جماعة جرائم نساء الهند ضد رجالها امام الحكومة, وصب خمسة منهم الجازولين على أنفسهم موشكين على اشعاله احتجاجاً على تساهل الحكومة تجاه النساء, وقد قدم وفد من تلك المجموعة مذكرة إلى رئيس وزراء الولاية مطالبين فيها الحكومة بالغاء عدد من القوانين المعمول بها والتي توفر حماية خاصة وامتيازات للنساء, وطالبت المذكرة بتخفيف قوانين الطلاق لتوفير خلاص سريع للازواج الذين يتعرضون للضرب على ايدي زوجاتهم. ومن جديد أراني لا أعلق لكنني اقتطع في ظل هذا الجدل المتواصل مقطعا من مطالبة نسائية أوروبية, فقد تقدمت إيفا سفندن المستشارة البلدية وعضو الحزب الليبرالي في مدينة مالمو في السويد بطلب رسمي للسماح قانونياً بتعدد الازواج وفي حين ترى سفندن ان تعدد الزيجات حق من حقوق الاختيار الشخصي فان القوانين السويدية ترى فيه جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة عامين. وترى سفندن ان الزواج يحمل دائماً في طياته المجازفة, مشيرة إلى ان اكثرية النساء المعاصرات بلغن حداً من الذكاء والثقافة بحيث يمكنهن تدارك السلبيات وتحاشي الوقوع في الفخ! من هذا الاستعراض المتناقض نستنتج لعبة شدّ الحبل القديمة بين الرجل والمرأة ومحاولة تبادل الادوار التي لن تتم ابداً, لكن العولمة تحاول ان تجعل منها معادلة مقبولة ومعقولة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً, فهل تنجح ونرى بأم اعيننا نساء القرن المقبل بشوارب!