في غضون الاسابيع القلائل المقبلة سيبدأ السياح بالظهور في حديقة جلاسير الوطنية في ولاية مونتانا الامريكية, بحثا عن مناظر القمم الجبلية الصخرية, التي تناطح السحاب, والجروف المخيفة, والمروج التي يتلألأ الزهب الاصفر فوق اخضرارها. لكن الحقيقة المخيفة التي تتوارى في هذا المشهد الرائع هي ان منطقة الانهار الجليدية هذه تقل انهارها الجليدية كل عام عن العام الذي سبقه. كانت المنطقة تعرف في عام 1850 حوالي 150 نهرا جليديا, اما اليوم فلم يبق منها سوى 37 نهرا, وحتى هذه الانهار الاخيرة آخذة بدورها في الذوبان والاختفاء. ويوضح دانييل فاجر عالم البيئة الامريكي ان كل الانهار الجليدية يمكن ان تختفي نهائيا بحلول عام 2030 لو استمر تراجعها بهذا المعدل وطبعا, ليس المشهد الطبيعي وحده هو الذي سيعاني من هذه الخسارة, ذلك ان بعض جداول المياه ستصبح ادفأ مما هي عليه الان, بشكل يهدد حياة بعض الاحياء التي تشكل نهاية السلسلة الغذائية والتي تتغذى عليها الاسماك. كما ان بعض الجداول قد تجف نهائيا, لتتحول الى برك مياه موسمية تظهر وتختفي, حسب موسم هطول الامطار ايضا تتعرض الارض الرطبة في الحديقة لخطر التقلص, الامر الذي سيدفع بالطيور والدببة وغيرها من الاحياء التي تعيش فيها الان الى تركها بحثا عن الغذاء. وتغير المناخ في حديقة جلاسير الوطنية ليس الا نموذجا للتحديات التي تواجه دعاة الحفاظ على البيئة في كل مكان, مع تزايد ظاهرة التسخن الارضي. وحتى الان توفر مجموعة من الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية وملاجئ الحياة البرية ملاذا آمنا للأنظمة البيئية التي تدعمها مجموعة من الحياة النباتية والحيوانية. لكن هل يمكن للحدائق الوطنية ان تستمرفي القيام بوظيفتها مع ارتفاع معدلات درجة الحرارة وتزايد العواصف واتخاذ الفصائل الحيوانية لقرارها بالرحيل؟ يقول دانييل سكوت الباحث في مؤسسة البيئة الكندية في اوتاوا بمقاطعة اونتاريو: (ان تغير المناخ يضع قواعد جديدة لعملية تخطيط الحدائق الوطنية) . ويفيد تقرير علمي اصدرته الحكومة الهولندية, مؤخرا, ان خمس المحميات الطبيعية الكبرى في العالم قد تتحول لأراض مختلفة بشكل كبير خلال الثلاثين عاما المقبلة. وكندا, تحديدا, قد تتعرض لأوقات عصيبة في المستقبل. فمناخها يناسب الحيوانات التي تحب البرودة, من غزلان الكاريبو الى الدببة القطبية. واذا, تحركت معدلات الحرارة نحو الاعلى فستواجه هذه الحيوانات مفاجأة غير سعيدة. الى ذلك فإن منظمة الحدائق الوطنية الكندية قد انتهت حتى الان من تخصيص حديقة وطنية داخل كل منطقة من الـ 39 منطقة طبيعية مختلفة وعلى سبيل المثال فإن احدى الحدائق تضم اراضي تغطيها الغابات والاخرى أراضي من البراري التي تكسوها الاعشاب. لكن الحدود البيئية التي تفصل بين هذه المناطق الطبيعية الان قد تتحرك مستقبلا لتجد هذه الحدائق نفسها وهي تقوم بحماية انظمة بيئية تختلف كثيرا عما صممت اصلا لتحميه. ويقول سكوت: (مع الوقت, ما كنا نحميه هنا ربما نجده قد انتقل لمكان اخر) . مثل هذه المشكلات قد تنشأ في شتى انحاء العالم. فالامر لا يتهدد الانهار الجليدية فحسب, اذ ان الاراضي المستنقعية المحمية بدورها قد تختفي نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحار والمروج ربما تتقلص امام تقدم الاشجار الدخيلة, ففي محمية الغابات المطيرة في مونتيفيردي في كوستاريكا, اختفت طيور الغابات المطيرة واحياؤها البرمائية مع ازدياد مستوى ارتفاع الغيوم او اختفائها من فوق القمم الجبلية نهائيا. بل ان التسخن الارضي يهدد بتدمير بعض الانظمة البيئية المحمية نهائيا مع قيام الانواع الحية بالتقدم او التراجع او التكاثر في غيراوقاتها الطبيعية او انقراضها نتيجة عدم مقدرتها على التكيف. وتقول ديبورا جنسون من منظمة المحميات الطبيعية في واشنطن: (هذا الامر سيصبح قضية كبيرة امام مديري, الاراضي. ان مهمتنا الان هي حماية هذه المناطق. واذا ما كانت الارض تتسخن, فما الذي نستطيع فعله على الارض ازاء ذلك؟) . الى حد بعيد لم يفعل احد شيئا. وقد مرت الان اكثر من 15 عاما منذ بدأ العلماء يعبرون عن مخاوفهم من مصير الانظمة البيئية المحمية في عالم اكثر دفئا. وكل ما فعلوه حتى الان هو ايضاح الحقائق. والنتيجة الاخيرة المستفادة من هذه الحقائق هي ان التغير المناخي يؤثر على المجتمعات الحيوانية والنباتية بطرق لا يمكن التنبؤ بها.