عملا بالسيرة العلمية المعمقة التي يعتمدها بيت الحكمة في نهجه العلمي الرصين, وبعد ان تواصل مع اصدار سلسلة من الكتب التي شكلت رصيدا مهما في المكتبة العربية, فضلا عن اصداره عددا من المجلات المتخصصة. ومجلة فكرية محورية هي (الحكمة) لتشكل جميعها فاعلية هذا البيت ومنطلقاته العلمية والفكرية الاصيلة.. فقد استحدث بيت الحكمة جائزة افضل كتاب يتناول حقلا من حقول العلم والمعرفة, وقد فاز كتاب (الاقتصاد العربي المعاصر بجائزة الحكمة لعام 1999. وقد اقيم في بيت الحكمة احتفال خاص حضره اعضاء مجلس امناء بيت الحكمة وعدد كبير من المفكرين, في مستهل الحفل القى حامد يوسف حمادي رئيس مجلس الامناء كلمة بين فيها دور بيت الحكمة وجائزة افضل كتاب. وجاء في الكلمة: اذا كان الوطن العربي مهد الحضارات الانسانية الاولى, فالعراق بخاصة مكتشف ومبدع الكتابة ومهبط الرسالات السماوية, والمتفاعل مع الحضارات الاخرى لاحقا, لكنه صاغ ما تفاعل معها وما طوره بطريقة علمية اعتمدت المنهج التجريبي. وكان العلماء العرب اول من وضع هذا المنهج واستخدمه في هذا (القصر) .. وهو فرع من بيت الحكمة العباسي, برع فيه الخوارزمي (778 ـ 830م) في الرياضيات والفلك ونظام الحساب العشري والمقدمات الاساسية لتقدم علم الجبر, والكندي (789 ـ 873) احد كبار العباقرة في التاريخ العلمي الذي وضع اكثر من مئتي مؤلف في الرياضيات والفلك والطب والموسيقى, والبتاني (858 ـ 929) الذي وضع نظرية المثلثات الكروية وحسب درجة ميلان الارض ونقض نظرية بطليموس في علم الفلك, والرازي (864 ـ 925) الطبيب والفيلسوف الذي وضع الموسوعة في الطب, وبحث في علم الاوبئة والامراض المعدية.. والعالم والطبيب الكبير ابن سينا (980 ـ 1037) الذي تجاوزت مصنفاته المئة, اشهرها (القانون في الطب).. والبيروني (973 ـ 1048) عالم الفلك والهندسة وحاسب محيط الكرة الارضية.. كل هؤلاء وغيرهم كثيرون اساتذة ورواد العلم والفكر العربي من الذين طبعوا الحضارة العربية وانشأوا اسهاماتها في بناء الحضارة الانسانية على مدى قرون طويلة, حيث تجلت هذه الاسهامات في ربط العلم والتقنية بالمجتمع, وابراز اهتمام القادة والدولة بالعلم النافع, وفي تطوير تراث الامم الاخرى ونشره للعالم. ان جائزة العلم في نظر العلماء جليلة. وان كانت في نفسها قليلة. وهي في مكانتها كبيرة. وان كانت يسيرة, فهي شعار وعنوان تذكار للعلم وهمة العلماء, لأنها تذكار ولاء وتقدير للأعمال حق قدرها, ووضع للأمور في مواضعها. تبقى المكتبة الاقتصادية بحاجة الى مؤلفات تنير الطريق امام الاقتصاد العربي في الالفية الثالثة, وقد جاء كتاب (الاقتصاد العربي المعاصر وتحديات المستقبل) الفائز بجائزة (بيت الحكمة) احد الاعمال الاقتصادية الرصينة, والمهمة للمكتبة الاقتصادية العربية, وذلك لما يعانيه هذا الاقتصاد من اشكاليات متعددة. وقد ضم الكتاب مقدمة وخمسة مباحث موزعة على فصلين ثم استنتاجات رئيسة. يشخص الباحث الاخفاق في تزايد معدلات النمو الاقتصادي, بعدم قدرة الاقتصاديات العربية على احداث تغيرات هيكلية ترتبط بمتغيرات تقنية, ونمط الصدمات الاقتصادية التي عانى منها هذا الاقتصاد. وبالرغم من التباين النسبي للخصائص الاقتصادية العربية المعاصرة, التي ترجع بصفة اساسية الى اختلاف الممكنات الموردية الراهنة, فإن ذلك لا ينفي ان بعض مشاكل وسمات التخلف ما زالت سائدة بصورة تحول دون احداث تغيرات تنموية جادة على صعيد الاقتصاديات العربية كافة. ويصنف الكتاب اقتصاديات الدول العربية, معتمدا تباين قاعدة الموارد اطارا للتصنيف, مما يمكن من رؤية اتجاهات التكامل والتنافر في مجال العمل العربي الموحد سواء على صعيد السوق العربية المشتركة او الوحدة وقد اهتم المؤلف بنمط تخصيص الموارد, وهي من الاشكاليات الرئيسية التي توضح طبيعة الانفاق ومجالاته الاستهلاكية او الاستثمارية والذي يعكس فلسفة الدول الاقتصادية, كذلك بالتحديات الاقتصادية المستقبلية سواء منها الداخلية او الخارجية, ومنها الاسعار الكلية, ومأزق التضخم, وازمة المديونية, ثم نمط اقتصاد السوق وتدخل الدول, اذ تشكل الاسعار الكلية, وهي سعر الصرف, وسعر الفائدة, ومعدل الاجور, والبيئة الاقتصادية التي تعمل في ظلها النشاطات الانتاجية والخدمية, وفي القرن الحادي والعشرين, فإن هذه المتغيرات ذات علاقات متداخلة مع الاقتصاديات الخارجية وهي تؤثر بالمسارات التنموية العربية, اما المتضمنات الاقتصادية الخارجية والتي اثرت على الاقتصاديات العربية, والتي ستكون تأثيراتها اوسع في مطلع الالفية الثالثة لصعوبة التحكم بمتغيراتها مقارنة بالمؤثرات الداخلية. وفي مقدمة هذا المتضمنات والتوسعات التي يشهدها العالم في طبيعة النظام الرأسمالي, والتي جاءت من ميل هذا النظام نحو تزايد معدل تكوين رأس المال على الصعيد العالمي, وهي متغيرات مرتبطة بنمط ونشأة النظام الرأسمالي والانحرافات التي شهدها هذا النظام. وقد شهد الاقتصاد العالمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين العديد من الجولات لتدويل الاقتصادات النامية. وكانت اهم تلك الجولات هي (اورجواي) ولا شك ان المتضمنات الاقتصادية التي جاءت بها هذه الجولة, وما تمخض عنها في عام 1994 من قيام (منظمة التجارة العالمية) سوف تؤدي الى اعباء ذات اتجاهات متعددة للدول العربية, خاصة تلك التي مازالت دون مستوى الاداء الاقتصادي العالمي, كما ان المتضمنات الاقتصادية لهذه الاتجاهات ستؤدي الى تزايد التفاوت في توزيع الدخل بين الدول من جانب وداخل فئات المجتمع في الدولة الواحدة من جانب اخر في المدى القصير, وقد اكدت هذه الاطروحة العديد من المشاهد التي اجرتها المنظمات العالمية او باحثون اقتصاديون مرموقون في نهاية القرن العشرين. وقد انتهى الكتاب الى ان هذه المتضمنات الاقتصادية ستشكل تحديات وقيدا امام تطوير الاقتصاديات العربية سواء في وضعها الراهن او توقعاتها المستقبلية. ويصبح السؤال الذي يواجه متخذي القرار على صعيد الاقتصاد العربي: هل من المتوقع ان تتحسن اوضاع ومؤشرات الاقتصاد العربي في ظل هذه القيود والتحديات دون تغيرات هيكلية تتجاوز القيود القطرية نحو اقتصاد عربي؟ بغداد ـ البيان