حدث (غير عادي) نادرا ما يتحقق في عالم (النشر) , لأنه اذا كان (حلم) اي اديب ان يوفق في نشر كتاب جديد له. فما بالك اذا صدر لكاتب واعد ثلاثة كتب في وقت واحد! كان ذلك هو ما حدث فعلا مع الكاتب مصطفى عبدالوهاب, حين صدرت له ثلاثة كتب, خلال فترة زمنية واحدة, هي مجموعتا قصص قصيرة, وكتاب في الادب الساخر, وفي محاولة للتعرف على حقيقة ما حدث والالمام * الا ترى ان صدور ثلاثة كتب لك في وقت واحد, يعتبر حدثا غير عادي, في واقع ثقافي تمسك بخناقه ازمة نشر خانقة, تعاني منها الاجيال الجديدة, كما تعاني منها الاسماء المستقرة, وهل يمثل ما حدث معك بداية انفراجة في عالم النشر, ام ان ما جري معك كان استثناء؟! ـ يقول المثل الشعبي الساخر (الفقي لما يسعد) .. خذ بالك من (لمّا) هذه وهي تفصل بين كلمتي الفقي والسعد.. فالبؤس في حياته هو القاعدة ولحظات السعد الخاطفة هي الاستثناء. وصدور ثلاثة كتب في وقت واحد, بالنسبة لي.. هي مناسبة بقدر ما تبدو مبهجة من الخارج الا انها في الحقيقة لا تخلو من التعبير عن واقع ظاهره الرحمة وباطنه العذاب. فالصدفة وحدها هي التي جمعت بين صدور هذه الكتب في وقت واحد, فبدت للرائي كما لو كانت انفراجة في النشر! * كيف يتم نشر كتبك الثلاثة من خلال ثلاث قنوات مختلفة للنشر, هي الهيئة المصرية العامة للكتاب, التي صدرت عنها مجموعة (النعامة واشياء اخرى) ومكتبة مدبولي, التي اصدرت كتاب (انها حقا بمبي: حكايات ساخرة) , وجماعة الجيل الجديد التي اصدرت مجموعة (دبوس في الرأس) ؟! ـ صدرت مجموعة (دبوس في الرأس) عن كتاب الجيل الجديد, بجهود تعاونية مع مجموعة من اصدقاء الجماعة الادبية, التي يرأسها الشاعر حزين عمر. ولو لم اكن قد قبضت قرشين من خروجي على المعاش المبكر. ما كنت بقادر على المساهمة في هذا المشروع من العدد الاول فبراير 1998 حتى العدد السادس فبراير ,1999 علما بأن ترتيبي كان الرابع في السلسلة. ولكن حماس المجموعة لأن يكون كتابي هو اول مجموعة قصصية في هذه الاصدارات, ونكران الذات, الذي يتمتع به كل الادباء المشاركين فيها, هو الذي دفع بمجموعتي الى النور. وعن مجموعتي الثانية (النعامة واشياء اخرى) , فقد تقدمت بها الى الهيئة المصرية العامة للكتاب في ابريل ,1995 وظهرت في مطلع عام ,1999 ولك ان تتصور انك طوال هذه الفترة لا تستطيع ان تعرف موعد اجازتها للنشر, متى ستنشر! اما كتابي الثالث عن الادب الساخر (انها حقا بمبي) عن مكتبة مدبولي. فلقد وافقت على كل الشروط التي لا تعطيني اي حق في مقابل مادي او اعادة طبعه, الا بعد خمس سنوات من نشره, واكتفيت بنشره راضيا في نافذة مشهورة ومرموقة, وكان البديل الوحيد عن عدم موافقتي, هو رقاده في ظلام ادراج مكتبي. * اذن, كيف ترى موقف الكاتب في بلادنا؟ ـ الكاتب في بلادنا واقع بين شقي الرحى: اما ان يفقد ماله اذا طبع انتاجه على نفقته الخاصة, واما ان يفقد حقوقه المادية على مستوى النشر بالدور الخاصة, واما ان يفقد كرامته مع دور النشر الرسمية والخاصة بالاهمال او التجاهل. واما ان يفقد اعصابه مع موظفي المؤسسات الرسمية او يفقد عقله, الى أن تدركه رحمة السماء فيريح ويستريح. * ولكن ما هو رأيك الشخصي, في هذه القضية؟ ـ رأيي الشخصي, انه مهما كانت المتاعب والصعوبات, التي يواجهها الكاتب, فعليه الا يتوقف عن القتال والمثابرة وطرق كل الابواب الممكنة وغير الممكنة, حتى يرى انتاجه النور. * لكنك اصدرت مجموعتك القصصية الاولى (احزان عبدالجليل افندي) على نفقتك الخاصة عام ,1980 ثم انقضت سبع عشرة سنة, لتصدر (اول) مجموعة قصصية للاطفال, بعنوان (اول مرة) عن دار هيئة قصور الثقافة (الرسمية) عام ,1997 كيف كانت فترة انتظارك الطويلة؟ ـ في هذه الفترة, كنت متوقفا فقط عن اصدار كتب ادبية, لضغوط مالية لم تسمح لي مرة ثانية بحماقة تكرار مغامرة الطبع على نفقتي الخاصة, حتى لا اضطر انا واسرتي الى الاستقرار على رصيف جامع السيدة, ونقول للرائح والغادي (عشنا عليك يارب) . لكن هذه الفترة تميزت بشيئين: الاول هو الحرص على التحصيل المعرفي, فقد كنت احاول الاستفادة من كافة المصادر التي تساعدني على اكتساب مزيد من الخبرة الثقافية مهما كانت بسيطة. كما ان عملي كمدير للمكتبة جعل الكتاب جزءا اساسيا في عملية التنوير, وساهمت بجهودي في اقامة ندوات شعرية وانشاء فريق تمثيل, كنت رئيسا له, وقدمنا به عددا من العروض المسرحية.. * وكيف ترى علاقتك بالاخرين, في تلك الفترة؟ ـ اعتقد ان تلك الفترة كانت خصبة في عطائي للاخرين وعطائهم لي ومعايشتي الكاملة لاحوالهم, بل انهم في كثير من الاحوال, ثقة بي, جعلوا مني مستودعا لادق اسرارهم, وهو ما افادني كثيرا, وامدني بذخيرة لا تنضب من التجارب ساهمت كثيرا في تكويني ككاتب. * وما هو الشيء الثاني, الذي تميزت به فترة الانتظار؟ ـ الشيء الثاني, هو انني لم اتوقف عن الكتابة ونشر انتاجي القصصي في كثير من المجلات, كما توثقت علاقتي بالنشر والاشراف الثقافي على عدد من المجلات العمالية, التي كان لها فائدة عظمى, فهي قد لا تمنح المال او الشهرة, ولكنها تمنح ما هو اهم للموهبة الجديدة, وهو فرصة التواجد والتجريد والنضج, بما يساعد على الانطلاق الى آفاق اخرى. * اذا نظرنا, الان, الى مجمل انتاجك فسنرى انه يتسم بالتنوع, وان جنحت اكثر ناحية القصة القصيرة, حيث اصبح لك فيها ثلاث مجموعات, اضافة الى كتاب في قصص الاطفال, واخر في الادب الساخر. بماذا تفسر هذا التنوع؟ ـ انني اعتبر الابداع المتنوع في مجالات مختلفة, شأنه شأن حاجتي الملحة للتنفس والراحة في اكثر من مكان. وقد يختلف كل مكان عن الاخر, فتواجدي على شاطئ البحر عند اعالي الجبال, او التواجد في الصحراء, او الجلوس على النيل او في قلب الحقول, وربما يكون لكل مكان تأثير مختلف على النفس والفكر عن غيره من الاماكن, وقد يكون هذا التواجد لشخص اخر لا تأثير له على الاطلاق, فلا يشعر الا باختلاف الصورة المرئية امام عينيه. * لكنك ايضا عضو في ست جماعات ادبية, بعضها اهلي مثل (نادي القصة) , و (اتيليه القاهرة) , وبعضها خاص مثل: جماعة الفجر, وجماعة الجيل الجديد, وفي ذات الوقت تباشر ادارة مجلة الفجر الادبية والجانب الثقافي في جريدة الصناعة والاقتصاد الاسبوعية, اضافة الى انك تمارس العمل كناقد سينمائي, وعضو في اكثر من جمعية سينمائية. كيف يتأتى لك اداء كل هذا النشاط؟ ـ ان حبي لممارسة كل ما ذكرت, يجعلني انظم وقتي, حتى قبل ان اهجر الوظيفة, وقد لاتخلو الندوات من الازعاج والثرثرة لكنها تكشف لك عن نوعيات التفكير ووجهات النظر المختلفة في رسالة الادب واهدافه, فضلا عن التعرف على ابداع الشباب والمخضرمين. اما حبي للسينما فهو قديم, واذكر بهذه المناسبة عن طفولتي, انني كنت اخصص كشكولا ادون فيه اسماء ما اشاهد من افلام, وكذلك اسماء الممثلين وكتاب السيناريو والمخرجين, دون ان اعرف بالضبط ما الذي تعنيه كلمة سيناريو او اخراج. * ولكن التركيز مطلوب؟ ـ ان التركيز مطلوب, حتى يتسنى للكاتب او الفنان انجاز اعمال ابداعية ذات قيمة وتتسم بالعمق وتحدي الزمن, بقدرتها على البقاء والتأثير في الاجيال الحالية والقادمة! * اعتقد ان الاكتشاف الحقيقي, بين كتبك الثلاثة الجديدة, هو كتاب (انها حقا بمبي: حكايات ساخرة) , لأنه ينبؤ عن موهبة كبيرة في فن الكتابة الساخرة, الذي يعتبر من اصعب الفنون الادبية. كيف برزت لديك هذه الموهبة؟ وبمن تأثرت؟ ـ لقد نشأت في اسرة محبة لفن التقليد, بل ان لي قريبا من الفلاحين لا تكف عن الضحك طوال جلوسك امامه. وقد تأثرت بافلام شارلي شابلن ولوريل وهاردي وافلام اسماعيل ياسين وكاتبه المفضل ابو السعود الابياري, ثم افلام الريحاني وكاتبه المفضل بديع خيري. ثم كانت قراءاتي لازجال ابو بثينة وبيرم التونسي وشفيق المصري وعبدالسلام شهاب, وكتابات عبدالعزيز البشري وتوفيق الحكيم والسعدني واحمد بهجت واحمد رجب. وفي مرحلة النضج بدأت اتوقف كثيرا عند المفكر الساخر محمد عفيفي مرورا بالاجيال التالية, والانتباه الى الروح الساخرة في مسرحيات نعمان عاشور وسعد الدين وهبة ويوسف ادريس ومحمود دياب وغيرهم. * ومتى لاحظت بدء بروز هذه الملامح الساخرة في كتاباتك؟ ـ لقد بدأت تظهر الملامح الساخرة في كتاباتي القصصية من خلال تصوير التناقض بين المواقف الانسانية في حياتنا الواقعية, وذلك منذ مجموعتي القصصية (احزان عبدالجليل افندي) , او عند الدخول الى عالم الفانتازيا بشكل من اشكال التعبير في مجموعتي التاليتين (دبوس في الرأس) و(النعامة واشياء اخرى) . * لكنك بلغت ذروة الاتقان في بعض حكايات (انها حقا بمبي) , التي كانت تثير الابتسام الذي سرعان ما يفجر الضحك, فهل يمكن اعتبار هذا الكتاب, محاولة على الطريق لاستكشاف اسلوبك الساخر, الخاص بك؟ ـ لقد بدأت كتاباتي في المقالات والموضوعات الساخرة برصد الحكايات البسيطة والمواقف الطريفة, التي كنت اقوم بنشرها في مجلة (كاريكاتير) , ثم بملحق (عالم الفكاهة) , بجريدة الصناعة والاقتصاد, ثم تطورت هذه الكتابات الى قصص ومقالات بجمعها في كتاب (انها حقا بمبي) ويمكن هذا الكتاب محاولة واضحة لاهتمامي بالادب الساخر, والدخول فيه واستكشاف زواياه الساحرة. القاهرة ـ حسين عيد