اذا أسيء استخدام معرفتنا المتنامية بعلم الوراثة البشرية, فربما يترتب على ذلك نتائج مرعبة, غير متوقعة بالنسبة لنا.. ولكن هل يعني ذلك ان تكون هناك قيود على الابحاث؟ وعلى تطبيق نتائجها. لقد غزا علم البيولوجيا الجزئية المعروف باسم (الطب التنبؤي) كل مجالات البحث الطبي, الامر الذي القى بمسئوليات جسيمة على عاتق العلماء القائمين على ابحاث علم الوراثة البشرية, حيث يعترض سبيل هؤلاء العلماء سؤالان: الى اي مدى يجب ان يستمروا في ابحاثهم؟ وكيف يمكن تطبيق نتائجها؟ اننا ندرك ان كل تقدم تقني له جوانبه الايجابية والسلبية, وعلى المجتمع أن يجني منه الثمرات, على ان يتجنب بقدر الامكان المخاطر والانحرافات المحتملة, حتى يميل الميزان الى الجانب الايجابي. ولا يمكن انكار انه على المدى الطويل ستكون المزايا الناتجة عن علم الوراثة مزايا هائلة. لقد اصبح من الممكن الان التعرف على الجينات المسئولة عن الامراض الوراثية الاكثر انتشارا, وتم بالفعل ايضا عزلها ووصفها, وترتيبها بالتسلسل, وينطبق هذا على العديد من الامراض الوراثية الاخرى. اكتشافات جديدة ونادرا ما يمر اسبوع دون التصرف على الجينات المسئولة عن مرض او اخر وقد تسببت هذه الاكتشافات في موجه كبيرة من الامل. فبعد ان عرفنا اي الجينات يوجد بها الخلل نستطيع الان ان نبدأ في التفكير في تطوير علاجات معينة اما باصلاح الجين ذاته او اصلاح البروتين الذي يغذيه وهذه هي التي بدأت بها فكرة علاج الجينات. انواع العلاج يجب التمييز بين نوعين من هذا العلاج, احدهما علاج جسدي يتعامل فقط مع خلايا الجسم, وهذا النوع ليس له اي تأثير على الوراثة, وعلى ذلك فهو اخلاقي تماما, لأنه يمكن تشبيهه بالتوقيع البسيط والاخر يتمثل في علاج الخلية الوراثية, وهو يتعامل مع الخلايا التكاثرية سواء الذكرية او الانثوية, او اجنه بعض الخلايا, وفي هذه الحالة, فإن اي تغيير يحدث ينتقل من جيل الى جيل. وفي بعض الافراد يتغير اثر العوامل الوراثية البشرية تبعا لتلك التدخلات العلاجية, ولذلك فإنه في ظل الوضع الحالي يجب منع التدخلات العلاجية بالجينات غير السليمة منعا باتا. وبالاضافة الى هذه الامراض الوراثية التي يسببها جين واحد به خلل نجد العلماء يدرسون الان الحالات المرضية المنتشرة مثل مرض السكر, وامراض الاوعية الدموية والقلب والامراض العصبية والنفسية والسرطانية. وهذه الامراض قد تكون لها مسببات مختلفة لا ترجع لعمل جينات معينة فقط, ولكن لعوامل بيئية. جينات مختلفة هناك تفكير الان في ان هذه الامراض قد ترجع لوجود عدد محدود نسبيا من الجينات التي بها خلل, ولتكن خمسة او ستة في غير حالة مرض السكر الناتج عن نقص الانسولين فإن وجدت هذه الجينات الخمسة او الستة معا في شخص ما فمن المحتمل بدرجة ما ان لم يكن من المؤكد ان يصاب هذا الشخص بالمرض, ولذلك اصبح هناك امكانيات لتقليل المخاطر. الطب التنبؤي قفز الى الوجود مصطلح الطب التنبؤي عندما تبين ان العديد من الامراض يرتبط بالاجسام المضادة في الخلايا الخاصة بجهاز كرات الدم البيضاء المناعي, فعلى سبيل المثال اذا كان هناك شخص لديه اجسام مولدة للمضادات فإنه يكون عرضة للاصابة بمرض تيبس العمود الفقري بنسبة تزيد على 60 ضعفا عن الشخص الذي ليس لديه هذه الاجسام. وقد اصبح من الممكن الان التعرف من بين مجموعة العوامل الوراثية على الجينات التي تجعل بعض الناس اكثر عرضة وقابلية لأمراض معينة. آفاق جديدة وهذا يعطينا فكرة واضحة عن الآفاق التي تتفتح بتطبيق علم الوراثة في الطب, فمع الطب التنبؤي سيكون بمقدور الاطباء تجنب الكثير من آلام ومعاناة المرضى. من اجل صحة جيدة الى سن متقدمة, فإن الطب التنبؤي يمكنه اكتشاف الامراض مبكرا عند الافراد وسيكون اقل تكلفة واكثر فاعلية. ولكن هذه الاكتشافات لها ايضا جوانبها السلبية حيث يبدو من غير المفيد, بل من غير الانساني ان نقول للناس ان لديهم استعدادا لمرض ما, بينما مازلنا لا نستطيع ان نقدم لهم اي علاج وقائي, هذا بخلاف القلق غير الضروري, ومجموعة الاثار الجانبية النفسية التي قد يسببها هذا الاعلان عن المرض. وعلاوة على ذلك فإن مثل هذه المعلومات من الواضح انها يجب ان تبقى سرية تماما, ونتائج الاختبارات الوراثية لا يجوز ان تعلن الا بتصريح من المريض نظرا لوجود خطورة امكانية استخدامها بواسطة شركات التأمين او اصحاب الاعمال للتمييز بينهم. وفي النهاية علينا ان ننظر بهدوء الى الثورة التي تحدث اليوم.. انها ثورة يجب التمكن منها لخدمة البشرية حتى تؤدي الى الحياة الطويلة السعيدة, الخالية من الامراض. وجدير بالذكر ان الاجسام المولدة للأجسام المضادة الخاصة بجهاز كرات الدم البيضاء المناعي موجودة فعلا في كل الخلايا النووية في الجسم, وهي علامات وراثية مفيدة بشكل خاص في دراسة التكوين البيولوجي للأفراد او مجموعات الشعوب وتقييم استعدادهم للاصابة ببعض الامراض.