مجرمون ومدمرون وقطاع طرق وكثير من مثل هذه الصفات اختصرت تاريخ الفايكنج طويلا بالنسبة للكثيرين على امتداد العالم. وطوال مئات من السنين بعد ظهورهم الدموي في نهاية القرن الثامن الميلادي اخذ هؤلاء الغزاة الشرسون يجوبون اعالي البحار, ليقتلوا وينهبوا ويدمروا عمدا. يا الله, خلصنا من رجال الشمال كان ذلك دعاء تقليديا كثيرا ما ردده الناس حوالي نهاية الالفية الاولى. ولم تر الشعوب الانجلوسكسونية وانسالها الثقافية في الجزر البريطانية والولايات المتحدة وكندا في هؤلاء الاسكندنافيين الا لصوص بحار متوحشين. الا ان هذه النظرة يجافيها الصواب كثيرا. صحيح ان الفايكنج كانوا فعلا غزاة, لكنهم كانوا ايضا تجارا امتدت نشاطاتهم التجارية من عراق اليوم الى السواحل الكندية القطبية. وكانوا ديمقراطيين ايضا وهم من اسس اقدم برلمان في العالم, ولم ينقطع عن العمل حتى الان, بينما كانت بريطانيا, على سبيل المثال, تغط في ظلام العهود الاقطاعية. كان الفايكنج ايضا اساتذة في الاشغال المعدنية وصنعوا حليا رائعة من الفضة والذهب والبرونز. والاهم من ذلك كله انهم كانوا مستكشفين جسورين قادتهم قلوبهم الفولاذية الى سواحل افريقيا الشمالية قبل كولومبوس بحوالي 500 عام. كانت الخطوط العريضة لثقافة الفايكنج وانجازاتهم معروفة للخبراء طوال عقود. لكن فيضا من البحوث الجديدة التي اعتمدت الى حد كبير على الحفريات الاثرية في البر الاوروبي وايسلند وجرينلاند وكندا بدأت فعلا تملأ هذه الخطوط العريضة بالتفاصيل. وفي المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في واشنطن جمعت معا مجموعة رائعة من هذه التفاصيل في معرض غني تحت عنوان: (الفايكنج: اسطورة شمال الاطلسي) . ويأتي المعرض احتفالا بمرور الف عام على وصول ليف ايركسون لشمال امريكا ويهدف لدراسة الفايكنج وانسالهم من الاسكندنافيين بين عامي 740 الى 1450 للميلاد, ويركز خصوصا على توسعهم غربا والالغاز التي لاتزال تحيط رحلات الفايكنج الى امريكا الشمالية وسبب هجرهم لمعاقلهم التي كانت لهم هناك. وفي هذا الجهد يحاول منظمو المعرض ايضا انهاء عدد من المفاهيم المغلوطة المأخوذة عن هؤلاء القوم. وبداية فإن كلمة فايكنج ربما كانت مأخوذة من كلمة فايك التي تعني بالاسكندنافية القديمة كلمة (ساحل) , وبالتالي فانها تشير الى الرجال الذين كانوا يخرجون للقرصنة البحرية. وبهذا فإن كل الفايكنج هم اسكندنافيون, لكن ليس كل الاسكندنافيين فايكنج. ايضا فمن كانوا فايكنج كانوا يمارسون القرصنة كمهنة جانبية. ولم يكن الفايكنج يرتدون الخوذ المجنحة, وهي البدعة التي ربما نجمت عن عرض اوبرالي في القرن التاسع عشر. ومع ان الاغتصاب والسلب والنهب كانت امورا واردة على جدول اعمال شعوب الفايكنج, الا انها لاتشكل كل شيء في حياتهم. وفي الحقيقة فإن هؤلاء القوم زرق العيون وشقر او حمر الشعر غالبا الذين نشأوا فيما يعرف الان باسكندنافيا كانوا اساسا قوما من المزارعين والرعاة, وتتنوع نشاطاتهم بين زراعة الحبوب والخضار خلال فصل الصيف القصير, لكنهم اعتمدوا في طعامهم اساسا على الماشية من ابقار وماعز واغنام وخنازير. ايضا لم تكن الحياة الاسكندنافية القديمة اقل تعقيدا في باقي اوروبا فأدبهم الشفهي وملاحمهم مثل ايداس لا تقل عما انتجه هوميروس في الدراما. وخلال الامسيات الطويلة وايام الشتاء الطويلة اعتاد رجالهم على تسلية انفسهم بالعاب مثل الشطرنج الذي عرفوه من غيرهم ولم يخترعوه هم. اما المرأة فكانت تقضي نهارها بالطبخ والتنظيف والخياطة والكوي باستخدام عظام الحيتان كلوح للاستناد وحجر ثقيلة كمكواة. والاهم من كل ذلك ان الفايكنج صنعوا ارقى وافضل سفن عصرهم. وبفضل عدة سفن للفايكنج وجدها المنقبون الاثريون مدفونة في الارض يعرف علماء الاثار ان سفن الفايكنج كانت دون أدنى افضل ما عرفته اوروبا من سفن. وكان باستطاعة سفنهم الرشيقة التي يحركها شراع واحد ومجاديف البحارة ان تناور بسرعة وخفة في المياة الضحلة كما في اعالي البحار.