حبيبي الغالي.. من بعد الاشواق.. بهديك الف سلام وحنين وغرام نور عيني.. روح قلبي.. حبيبي.. حياتي. مشتاق لعنيك, مشتاق لك, مشتاق وانا لسه مقابلك, وفي عز الشوق يا حبيبي, وفي عز الليل بكتب لك. لا قلبي اللي بيكتب لك, هو اللي بيبعت لك, والشوق صحاه, والليل خلاه يكتب لك.. من كلمات اغنية لعبدالحليم حافظ اذا ما بعثت بألف رسالة حب اليك.. فلا تحرقيها ولا تحرقيني. والرسالة كما يراها نزار قباني ذلك الشاعر الغارق في الرومانسية هي نوع من الادب الرصين الذي بدأ يتقلص في الآونة الاخيرة قياسا بالفترة السابقة, ونشأة ادب الرسالة قديمة جدا, فقد استطاعت ان توطد العلاقات بين الناس بالاساليب الاعتيادية والتقليدية, واستطاعت خلق رؤى معينة بعدما استطاع الكاتب ان يطور في الاسلوب ويقدم معلومات لأناس في امس الحاجة اليها خاصة في ظل غياب الاتصالات سابقا, وفي بدايات العصر الحديث استطاع كتاب مصر تقديم هذا الادب بقيمه الجمالية لكافة شرائح المجتمع, وبعضهم اخذها بشكل قصص ونصائح وقيم غير مباشرة, يبدأها باسلوب معين وما الى ذلك, لكن المرحلة الحالية طغت على كل الوان الادب عند شرائح معينة من المجتمع والمثقفين موتعاطي الادب مازالوا يستمتعون بأدب الرسالة, ويخلقون عالما خاصا بهم. الرسالة هي افضل وسائل التعبير واكثرها صدقا, خاصة اذا جاءت في يوم يحمل مناسبة ما, وقد تخلق هذه الرسالة مناسبة, كما خلقت لنا يوم الحب, حيث يحتفل العالم كله في 14 فبراير من كل عام, والفضل يعود الى صاحب الرومانسية فالنتاين الذي عاش في روما القديمة, وكان يعمل فيزيائيا, وكان يمارس مهنة الطب في احدى غرف منزل قديم اقام به على اطراف البلدة, وكان ايضا معروفا بفن الطهي. وفي احد الايام, واثناء جلوسه دق بابه احد حراس الامبراطور الروماني كلاديوس, وفي يده ابنته التي كانت تشكو من انعدام النظر, وطلب من فالنتاين ان يداويها, ولكنه ادرك صعوبة حالتها, فوعد الحارس بأن يبذل قصارى جهده لشفائها. مرت فترة ورغم عدم ظهور بوادر شفاء لتلك الفتاة الا ان كليهما لم يفقد الامل. وبسبب معتقدات فالنتاين الدينية القي القبض عليه وحكم عليه بالاعدام, وحاولت الفتاة وأبوها الذي كان يعمل حارسا على زنزانة فالنتاين ان يبعدا عنه شبح الاعدام ولكنهما افشلا, وطلب فالنتاين من الحارس ان يأتيه بورقة وقلم, وكتب كلمة حب صغيرة ارسلها الى الفتاة مع زهرة, وفي الرابع عشر من فبراير 270 ق.م امر كلاديوس بتنفيذ حكم الاعدام. ولكن كانت الرسالة التي حملت كلمة صغيرة ذات معنى كبير عن الحب قد جعلت الفتاة تبصر عندما اخذت تنظر في الورقة متمنية لو ان عاد اليها بصرها, ورغم علم فالنتاين ان الفتاة عمياء الا انه كتب لها الورقة حتى تحتفظ بها ولتصبح ذكرى تستعين بما فيها على ما هي عليه, ولولا هذه الرسالة لما اعلن البابا جيلاسيوس ان يوم اعدام فالنتاين هو يوم حب. أي بني وفي تاريخ الادب العربي الكثير من النماذج التي تدل على ان العرب ابدعوا في مجال ادب الرسالة خاصة تلك الرسائل التي كان يبعث بها امراء المؤمنين الى ولاة الامصار يحثونهم على التمسك بكتاب الله ونشر العدل, واخرى بعثوا بها الى ابنائهم ويبدأونها عادة بـ (اي بني..) يوجهون لهم فيها النصح والارشاد بصورة غير مباشرة, واستمرت حتى عصرنا الحديث فقد ترك عزيز اباظة وصية لأبنائه كانت نوعا من هذا الادب والتي حثهم فيها على التمسك بما علمهم من قيم ومبادئ مؤكدا انه وان لم يترك لهم ارثا من المال الا انه ترك سيرة حسنة لن تذهب ادراج الرياح مثلما يذهب المال. ويحكى عن الزميل القاص عبدالحميد احمد عندما كان امينا عاما لاتحاد الكتاب ان الاتحاد تلقى عددا من الرسائل عام 1986 وكان من بينها رسالة يطلب صاحبها مبلغا من المال وكان الاتحاد في ذلك الوقت يعاني من ظروف مادية صعبة الا ان عبدالحميد احمد توقف عن الشكل الجمالي الذي كتبت به الرسالة في الخط والاسلوب وقال.. احتفظوا بهذه الرسالة الجميلة فهي تحمل معاني لا يمكن التخلص منها. فالرسالة في حد ذاتها قيمة جمالية يمكن الاحتفاظ بها, وتنمي الشعور وتجدده في كل مرة نقرأ فيها الرسالة, وهي ايضا نوع من التوثيق. هواة المراسلة افردت بعض المجلات العربية صفحات ـ وان كانت قد اختفت هذه الصفحات بعد ظهور الانترنت ـ لهواة المراسلة فكنا نرى شبابا وفتيات, صورا وعناوين.. لمن لديهم هذه الموهبة للتعرف على اقرانهم من كافة الدول العربية. يقول احد هواة المراسلة قديما.. كانت اهمية المراسلة في انها تقرب الحوار بين الشباب بجنسياتهم المختلفة, كما كانت تحمل لنا الكثير من المعلومات عن العديد من البلدان فنشعر من خلال الوصف اننا قد زرناها حتى انني سافرت الى سوريا الشقيقة وشعرت وانا امشي في شوارعها بأنني قد سرت فيها من قبل على صفحات الرسائل التي كان اصدقائي من هذا البلد يرسلون لي بها, وكذلك كان يحمل المغلف طوابع بريد مختلفة من كل الدول تمكنت من خلالها جمع عدد كبير من الطوابع وبعد فترة تحولت الى هواية عندي. المراسلة بالانترنت وفي الوقت الذي يمكن الاحتفاظ فيه بالرسائل في احد الادراج يمكن للشخص الرجوع اليها في اي وقت في اليوم, تدخل الانترنت التي حملت لنا العديد من المواقع التي توفر فرصة للمشترك بأن ينضم الى اقران له من اماكن اخرى وان يتبادلوا الحوارات, كما ان برنامج الـ I.C.Q قد وفر على هؤلاء الشباب فرصة ضياع الوقت. حافظنا على الوقت واضعنا الصور الجمالية, كان المرء يظل لفترة ما وهو مستغرق في كتابة رسالة يحاول فيها البحث عن كلمات تحمل معاني واضحة وجميلة, ويكون صورا تعبيرية, ولكن على جهاز الكمبيوتر لم يسمح لنا الوقت بالبحث في اللغة العربية عن الجماليات والصور التعبيرية التي كانت تحمل العديد من الوان البيان والبداع فاختفت الصور البديعية, واختفت الوثيقة الشاعرية وحل محلها صفحات على (الاميل) , فاذا اراد الفرد منا الرجوع اليها فعليه ان يشغل جهاز الكمبيوتر, ثم يدخل الانترنت ويدخل الرقم السري, حتى تخرج له تلك الصفحة. بطاقات معايدة تراجع فن الرسالة في عصرنا الحالي وانتهى بنا المطاف الى سماعة الهاتف والانترنت, ولم نعد نتذكر الكتابة الا في المناسبات ليس بهدف الكتابة ولكن... نجحت بعض الشركات والمصانع في حمل عبء الكتابة عن البشر فطرحت في الاسواق بطاقات جاهزة كل ما عليك هو كتابة مع تحياتي, ثم تكتب اسمك, ولكن تطغى لغة المال على لغة الادب والشعر, فبالتأكيد لن تتعاقد الشركات مع اديب او شاعر حتى يكتب لها بعض العبارات على ملايين من البطاقات لذلك فقد لجأت الى الاسهل, عبارات لا علاقة لها بالادب او الشعر وابعد كل البعد عن الصور الجمالية, فنجد جملا من اغان لمطربين شعبيين هبطوا بالاغنية الى الحضيض فنجد (كتاب حياتي يا عين) و (بودعك) وغيرها من العبارات على بطاقات توضع على علب الهدايا التي تقدم في مناسبات كأعياد الميلاد. اما مناسبة مثل شهر رمضان المبارك فنجد بطاقات مزخرفة زخارف اسلامية تحمل آيات قرآنية هي انسب ما يمكن ان يقدم في هذه المناسبات الدينية. الاطفال.. حازوا على قدر كبير من الاهتمام, فقد ابدعت الشركات في طبع الشخصيات الكرتونية الشهيرة على البطاقات وعلى حقائب الهدايا, كذلك بطاقات المعايدة التي تقدم في يوم الام والتي تحمل عبارات الشكر والعرفان بالجميل للأم على رعايتها والتمنيات الطيبة لها. اما المحبين فكان لهم نصيب الاسد من بطاقات تحمل رسوما لاشخاص في اوضاع غرامية الى تلك التي كتب عليها بالانجليزية (مع حبي) حبيبك الى الابد.., واخرى تتساقط فيها قطرات من الدم تسيل من قلب مجروح شقه سهم كيوبيد! ولكن حتى هذه البطاقات لم يعد لها احتياج الا في المناسبات والتي لا تتكرر كثيرا طوال العام.. يقول عادل وهو يعمل باحدى المكتبات ان هناك العديد من البطاقات بأسعار مختلفة واحجام واشكال مختلفة, واخرى عند فتحها تسمع مقطوعة موسيقية او اغنية عربية او اجنبية, وان لكل مناسبة بطاقة خاصة, ولكن عن حجم الشراء يقول ان معظم المترددين لشرائها من الوافدين خاصة في الاعياد ورمضان ليرسلوها الى ذويهم, اما ورق الرسائل فرغم ان الشركات قد طبعت عليه رسوما كثيرة ومختلفة بعضها تفوح منه روائح عطرية الا ان الاقبال على هذه النماذج اصبح قليلا فقد استسهل الناس الانترنت خاصة وانها اسرع من الرسائل, التي اصبحت وسيلة للتخاطب الرسمي فقط. جزء كبير من ادب الرسائل عرف في ادبيات تاريخنا العربي والاسلامي, وشاع في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري, ويسوق لنا الاديب عمر ابو سالم امثلة.. ابو حيان التوحيدي والجاحظ, وابن العميد, وابن مسكويه ورسائل اخوان الصفا التي تناولت موضوعات فلسفية مثل كتاب (الامتاع والمؤانسة) سجل فيه التوحيدي ما دار بينه وبين الوزير ابي عبدالله العارض, وكتاب (الصداقة والصديق) دونه ابو عبيد الخطيب. ادب المراسلات كان يتناول موضوعات طريفة ومتعددة ولا تخضع لترتيب او تبويب, وانما لخاطرات العقل والخيال. وشجون الحديث وشئونه, وهذه الرسائل كما يقول ابو سالم علم وفن وادب واخلاق وبلاغة وتفسير ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وادبائه, وتصوير العادات واحاديث المجالس كما صور كتاب (الف ليلة وليلة) الحياة الشعبية في ملاهيها وعشقها. وفي العصر الحديث كانت هناك مراسلات عبدالحميد الكاتب والمنفلوطي ومي زيادة والعقاد التي سجلت احداثا بيئية مختلفة في النصف الاول من القرن الماضي اما هذا العصر كما يراه ابو سالم فله طبيعة مختلفة من حيث الاهتمام بالثقافة وادبياتها وطغت عليه فنون وافدة متغيرة تنطوي تحت اسم عصر المعلوماتية وثورة الاتصالات, وذلك لتغير طبيعة البشر وطرق تفكيرهم نظرا لتغير ايقاع العصر, حيث تراجعت مفاهيم ادبية ونقدية مختلفة ومغايرة, وقل الاهتمام بالادب ودراسته, وما يحدث الان من تجاهل البشر للرسائل هو التراخي والكسل اللذان طبعا حياة الانسان المعاصر وابتعاد عقلية الانسان عن الاسلوب الانشائي الذي كان سائدا في عصور ماضية كان له اثر كبير في تحول الاهتمام الانساني عن ادب الرسائل ومجاراة التغيرات العصرية. وأي نوع من الادب لابد ان له اتصالا لاحقا ولكن لم يعد هذا النوع من الادب ليستأثر باهتمام الانسان او الادباء وان كانت هناك رسائل في السبعينيات بين غسان كنفاني وغادة السمان. ولكن يبدو ان الانسان يعيش مفارقة عصرية بين ما هو عليه الان وبين ماض ترك لنا بعض الذكريات.