يمثل تطوير القطاع التربوي والتعليمي هدفاً رئيساً للدول التي تسعى إلى تحقيق القفزات التنموية السريعة, كما يمثل أيضاً اهتماماً أساسياً للدول المتطورة من أجل إعداد أجيال جديدة ذات مستو عال من المعارف التقنية والمهارات العلمية والتكنولوجية، يمكنها أن تساير عصر التفجّر العلمي الذي نعيشه, بل وتستعد لاستخلاف الأجيال الحالية في مجال قيادة العالم نحو المستقبل. ويمكن للكومبيوتر أن يكون الأداة التعليمية الجديدة والقوية في أيدي المعلمين الذين قرروا لتوّهم الانصراف عن استخدام اللوح الأسود والطباشير. ولقد تبيّن للخبراء التربويين أن في وسع المعلّمين أن يقدحوا مخيلات التلاميذ لتحليل عناصر الموضوع المدروس عن طريق تقديم الصور والأشكال التوضيحية والأفلام المتحركة بواسطة الكومبيوتر والإنترنت. وأصبحت كافة المراكز والمؤسسات ذات الطابع العلمي تبثّ ابتكاراتها واختراعاتها العلمية والتقنية على صفحات الإنترنيت دون انقطاع. ولعل أبرز الأمثلة عن الدور التوضيحي الهام للحاسوب والإنترنت في المجال التعليمي تتجسّد في الصور العلمية اليومية التي تبثها وكالة الطيران والفضاء (الناسا) والمواقع المتخصصة بنشر أخبار العلم على الإنترنت. وتعدّ الحواسيب الشخصية جزءاً لايتجزأ من حياة المعلّمين في كلّ غرف الدرس التابعة لمدارس (وستيرن هايتس) في ولاية أوكلاهوما الأمريكية حيث يستخدم المعلمون البريد الإلكتروني للتشاور فيما بينهم حول القضايا المختلفة المتعلّقة بتطوير الأساليب التربوية والتعليمية. ولم يعد مقضيّاً عليهم انتظار الندوات التربوية التوجيهية التي لاتنعقد إلا مرتين في العام فحسب للوقوف على آخر التطورات المنهجية في طرق إلقاء الدروس. وغدا في وسعهم إجراء الاتصال الفوري بالتلميذ وطرح أسئلة الاختبارات عليه واستلام الردّ منه خلال دقائق. وأصبح هذا النوع من التواصل الإلكتروني بين المعلّم والتلميذ يتمّ على كافة المستويات الدراسية, وفي الأقسام العلمية والرياضية واللغوية على حدّ سواء. ولعل الأهم من كل ذلك أن هذه الطريقة التعليمية العصرية الواعدة زادت من ارتباط المعلم بغرفة الصف والتلاميذ بغض النظر عن المكان الذي يتواجد فيه. وأصبح مرتبطاً مع تلامذته, ملازماً لهم, حتى في أثناء قيامه بنزهاته الخاصة. ويشرح ناظر مدارس وستيرن هايتس جو كيتشينز هذه التغيرات التي طرأت على حال المعلمين بقوله:(قد لايدرك الناس مدى الشعور بالوحدة والعزلة التي يعانيها المعلمون أثناء وجودهم في غرف التدريس, وحيث يقبع معظمهم وراء أبواب موصدة بإحكام, ولايتوفر لهم إلا القدر اليسير من الوقت ليتبادلوا الخبرات فيما بينهم, أو الاتصال والتشاور مع أولياء أمور تلامذتهم, ولا تتوفر لهم إلا القليل من الفرص للالتقاء بالموجّهين والمخططين التربويين. وأما اليوم فلقد أصبح للبريد الإلكتروني دوره الحاسم في القضاء على هذه العزلة) . وتمتد كوابل شبكة حواسيب مدارس وستيرن هايتس مسافة 17 ميلاً (30 كيلومتراً) وهي مصنوعة من الألياف الضوئية, وتصل بين المدارس المتوزعة في العديد من الأحياء والضواحي ومبنى الإدارة المركزية. ويوجد في كل واحدة من غرف الصف التي يبلغ مجموعها 230 غرفة, حاسوبان شخصيان على الأقل متصلان بالشبكة, أحدهما للمعلّم, والثاني مخصص للتلاميذ. ومن المنتظر إضافة ثلاثة حواسيب جديدة في كل غرفة في المستقبل القريب. وتتضمن إدارة كل مدرسة حاسوباً مركزياً يلعب دور العقل المركزي الذي يصلها بكل من حواسيب غرف الصفوف والإدارة المركزية. وتوجد في كل غرفة صف شاشة ضخمة يمكن للمعلمين استظهار المواد التعليمية والتربوية المسجّلة على الإنترنت فوقها, كما يمكن في الكثير من الأحيان للمعلم أن يستظهر فوقها أفلام الفيديو التعليمية المبثوثة عبر الشبكة من الإدارة المركزية لمدارس وستيرن هايتس. ومن جهة أخرى, بدأ أساتذة جامعة أوكلاهوما بإلقاء محاضراتهم عن بُعد باستخدام البريد الإلكتروني ومواقع الإنترنت. ولقد هيّأت طريقة التعلّم عن بُعد الفرصة المؤاتية للتلاميذ المعوّقين أو المرضى والمصابين للبقاء على اتصال بغرف دروسهم وهم قابعون في أسرّتهم. وكانت المدارس الراقية تضطر في السابق إلى إرسال (المعلمين الخصوصيين) لتدريس التلاميذ المرضى في بيوتهم بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع. ويمكن القول الآن بشكل عام بأن من شأن التعليم عن بُعد أن يصرف المعلمين الخصوصيين من أعمالهم إلى الأبد. وتعتزم مدارس وستيرن هايتس إضافة نظام جديد إلى شبكتها الرقمية المتكاملة للتعليم عن بُعد. وتتلخّص عناصر عمل هذا النظام بتثبيت كاميرة فيديو موصولة بحاسوب شخصي وشاشة استظهار رقمية عالية الوضوح في غرفة نوم التلميذ من أجل تحقيق الاتصال الكامل والحيّ بينه وبين غرفة الدرس وبحيث يمكنه أن يطرح الأسئلة أثناء طرح الدروس ويستمع إلى إجاباتها بشكل آني. ومامن أحد يمكنه أن يتكهن بالأبعاد الاجتماعية والتربوية التي ستقود إليها هذه التطورات الهائلة التي نشهد فيها بداية اندثار الأساليب التقليدية في وظيفة التربية والتعليم وأساليب إلقاء وتلقّي الدروس, إلا أن من المؤكد أنها ستكون سبباً في حدوث ثورة حقيقية في طريقة نقل المعارف والمعلومات إلى التلاميذ. ولابد أن يؤدي ذلك أيضاً إلى إلغاء دور المدرسة ككيان حضري مادي يتألف من الأحجار والأسوار والمقاعد والألواح السوداء. عدنان عضيمة