مزقته الحيرة قبل ان يوافق, لم يتعود مغادرة الوطن, في البداية ثارت زوجته على رفضه المستمر للاعارة والسفر الى جامعة خليجية ولكنها لانت امام صلابته. رسالتي هنا في هذا البلد دفع ثمن رفضه مرارا وبأرباح مضاعفة. يتيه العائدون من زملائه بمساكنهم الفخمة في مدينة نصر ومصر الجديدة, ويلوون اتجاه المناقشة للحديث عن سياراتهم الجديدة الحديثة. كان يتخطى هذه المزالق بسهولة, فقناعته الثابتة بنهجه لجمت تطلعاته, وكيفت امكاناته المحدودة. تخصص في الفلسفة اليونانية, ووجد ان رسالته اعمق من كونها وظيفة علمية او جهد بحثي. راهن على الفلسفة كعلاج ناجح للتخلف في مجتمعه. لو يتعلم المصريون كيف يفكرون لحدثت النهضة, وتقدموا. يقفز بمهارة العقبات المادية التي تعترض حياته. مصروفات المدرسة الخاصة لابنتيه, تطلعات ابنه اللامحدودة, والتي تؤرقه دوما. التلميحات الخفية غالبا والصريحة نادرا لزوجته حول مستوى المعيشة اللائق بهم, والذي تجهضه قناعاته العميقة بالاكتفاء. في خلاف نشب بينهما لسبب نسيه الان صرخت في وجهه (انت وجه فقر) , ولكنه نجح في انتزاع احترامها العميق والحقيقي به, وكانت تتباهى بفكره, واستقامته, وتفانيه في عمله, وترفعه عن الصغائر. اتيحت لزملائه بالقسم العريق بالكلية فرصة السفر, وبعضه اعير مرتين فصلهما سنوات خدمة محدودة. في الفترة الاخيرة كدره عطل سيارته القديمة المتكرر. لم تسعفه قدراته بتغييرها واحيانا كان يسمع نكاتا تطلق عنها في غيابه ولكنها كانت تصله. لم يتبرم يوما من قدم طرازها, وتهالكها, فكانت تؤدي الغرض بنجاح, وضايقته تعليقات ابنه الساخرة عليها, الا انها بدت ركنا ركينا في نسقه المتناغم. علمته دراسة الفلسفة كيف يبني عالما متناغما داخله وحوله في نفس الوقت, وكانت قدرته الشديدة على الاقناع تكسبه المنازلات الفكرية, وتدحض وجهات نظر مخالفيه. وجد في التفاف تلاميذه بالكلية حوله, وطلاب الدراسات العليا الذي يشرف عليهم تأييدا لأسلوبه, واستفتاء على نهجه في الحياة, بل كانوا يتسابقون عليه للاشراف عليهم رغم ازدحام مسئولياته. عندما استضافته المذيعة التلفزيونية في برنامجها بدا متماسكا, امام الاضواء, وهادئا كعادته, ولاحظ لمعان عينيها وهي تستمع الى اجاباته بمنطق محكم, ولغة بليغة لم تعهدها في ضيوفها. بعد التسجيل ارادت مجاملته, فوصلته الى الشارع, ولما سألته عن مكان سيارته اشار اليها, وألجمتها المفاجأة, وعلقت من فورها. ـ ياه, هذه سيارتك. لم يهزه السؤال المحرج المنطوي على قدر من التهكم, واستأذنها ومضى. النقطة الفاصلة تحددت مع تداعي الشقة التي يقيم بها, وورثها عن والديه بحي العباسية, وسعى صاحب القمار لهدمها, وبدأ المستقبل غامضا. ـ ماذا سنفعل؟ سألته زوجته قبيل النوم, بينما كان يقرأ صحف الصباح الفائت. ـ لا اجابة لدي الان. نذر العاصفة تجمعت في افق حياته, وأحس بالعجز لأول مرة في حياته وهو يرى حياته تتعوض, والمصير الغامض ينتظرهم. مرتبه المحدود, والعائد الذي يتحصل عليه من توزيع كتابه على طلاب السنة الثانية لم يقدم املا, فكان يستكمل به نفقات الاسرة المتزايدة. ـ هل لدى سقراطك حل لمأزقنا؟ نهرها بعينيه وزجرتها النظرة العاتبة, ولكنه اوجد لها عذرا بسبب الخطر الماثل امامها. اعادت تحذيرها بصيغة اخرى: ـ اين سنذهب بالاولاد وبأثاثنا لو نجح صاحب البيت في خطته؟ اجابها مهدئا: ـ بالتأكيد هناك حل, فلا تقلقي. ليس للقلق موسم موقوت, تتجمع ذراته المتناثرة فجأة مشكلة عاصفة كبيرة تنخر في جدار الامان, فتتداعى هدأة الطمأنينة, وتتكشف عن خسائر فادحة. مال عليه رئيس القسم ذات صباح. ـ كلموني بالامس هاتفيا يطلبونك بالاسم. كان قد نسي الموضوع. ارسلوا اليه فاكسا مرة برغبتهم في التعاقد, ولم يول الامر اهتماما, وزاره مساعد العميد في الصيف قبل عامين يكرر الدعوة, فرفض ؟؟. ـ لا افكر في السفر, ارتباطاتي هنا.. لا ينكر شهرته في التخصص, وكانت طبعات كتبه تنفذ بعد وقت قصير, واستحثه الناشر على المضي في تأليف كتب جديدة, ولكنه كان لا يبدي تحمسا الا اذا جاء الامر طبيعيا, ووجد نفسه يندفع الى التأليف والكتابة حتى ينتهي صارحه رئيس القسم في خجل. ـ نعرف مشكلتك, ولا حل امامك الا السفر. لم تصدق زوجته عندما فاتحها, واكد لها انه وقع العقد وسيسافرون في نهاية الصيف. بدت منزعجة لفكرة السفر الجماعي, وتدرجت في عرض فكرتها. طلبت منه ان يسبقهم وسيلحقون به في العام المقبل بعد حصول الولد على الشهادة الاعدادية. بدأ الامر معقدا على غير عادته, ولمح خيط تسويف وتهرب, وعزى الامر الى ارتباط زوجته الوثيقة بأسرتها, وبدا عليه المضي في عبور المحيط وحده. كدره انه لا يجيد شئون المنزل. يعتمد على زوجته التي لا تعمل في الشئون المنزلية, بل يوقظها من النوم لتثبيت زر قميص في موضعه. عندما جمع حاجياته من مكتبه بالكلية احس بالاختناق, اخلى المكتب بهدوء ولكنه عندما وقعت عيناه على صورة سقراط التي يضعها تحت زجاج المكتب الزجاجية بدا وكأنه يراها للمرة الاولى. يعرف ان طلابه يطلقون عليه (الدكتور سقراط) , واحيانا يفاجئه زميل بقوله مستظرفا: ـ وهل لدى سقراطك حل للمشكلة. لو كان سقراط يعيش في ايامنا لقبضت عليه شرطة الآداب بتهمة التسكع, ولكن من ناحية اخرى ربما لو ذاعت افكاره في بلدنا لانقلب حالها رأسا على عقب, لسقط قناع الكذابين من الكبار والوجهاء, لكشف حقيقة الدجالين الذين يتصدرون الصحف بصورهم اللامعة, ويطلون من شاشة التلفاز بابتسامة مزيفة وحديث متقعر. فليظل سقراطك في مكانه صورة حجرية حتى لا يقبضوا عليه ويعدمونه ويعدمونك معه, وربما اتهموه بالانتساب الى خلية شيوعية او تنظيم ارهابي, وما اسهل الصاق التهم بالابرياء في بلدنا. حرص على الصورة ووضعها برفق في حقيبته. عانق من بقي من الزملاء بالقسم, وحيا الساعي العجوز وربت على كتفه. كان يبادله الحب, ووراء ابتسامته الطيبة ووجهه الاسمر المشرب بالحمرة يعززها بريق عيني ذكي ومخلص. ـ دعواتك يا عم حامد.. غالب الرجل بدوره حزن كبير ومنعه الحياء من معانقته, ولكنه وجد نفسه يجتذب الرجل العجوز ويعانقه مطيبا خاطره. ظل متماسكا في المطار وهو يودع اسرته وشقيقيه, احس بانفعال زوجته الحقيقي, وبدا الولد صامتا بما يليق بالموقف ولكنه لمح في عينيه شعورا بعدم الاكتراث. عندما تعلقت البنت برقبته شعر بأنه سينهار. اكتشف في هذه اللحظة ان البنت توأم روحه, ومستودع احزانه, ولاحظ انها تشبهه كثيرا في لوازمه ولفتاته واطراقته. عاوده الاختناق من جديد ولم يتخيل نفسه بعيدا عنها وعن عالمها.. عندما جلس في مقعده بالطائرة بدا انه فقد خط التراجع, وانه اصبح محاصرا, وسأل نفسه: لماذا يطرد الوطن ابناءه بهذه القسوة.. تفتحت مسامه لمراقبة كل شيء, وبدا فضوليا في حرصه على التهام كل ما يقابله في البلد الغريب, وتفتحت مسامه لتشرب كل ما يحيط به من تفاصيل, وقال لنفسه لأعش التجربة كما ينبغي. وجد مندوبا من الجامعة في انتظاره بالمطار, ورحب به الرجل في وداعة حقيقية, وانهى اجراءاته سريعا, وفي خارج المطار كانت سيارة تنتظرهما لتوصيله الى مسكنه. انزلوه في فيلا انيقة مكونة من طابقين ومكيفة الهواء, اثاثها عملي وزودت بكل ما يحتاجه من اجهزة كهربائية ضرورية. عندما ودعه المراقب حرص على تفقد المسكن قبل ان يبدل ملابسه, راقه اتساع المطبخ بدا بطابعه الانجليزي انيقا, يناهز اتساع حجرة بشقته. ظل يصعد الدرج, ويهبط ليتفقد المكان ويحفظ كل تفاصيل المكان. ضحك عندما اكتشف وجود ثلاث غرف نوم, وثلاث حمامات, وحجرة قاعة استقبال واسعة, ولاحظ ان المبنى مشيد على النظام الانجليزي, النوافذ الطويلة الضيقة في عرضها, شرفة خلفية ارضية واسعة لنشر الملابس, وكراج للسيارة في الامام. اطمأن على وجود مكتبة ليضع فيها كتبه, وقر على الكتابة على مائدة السفرة الدائرية, ونقل الاباجورة من ركن الغرفة ووضعها فوق المائدة. استسلم للنوم بعد تناول علبة عصير وجدها في الثلاجة مع علب متنوعة للاستعمال السريع. الشيء الغريب انه استيقظ بعد ساعة, وحاول النوم مجددا ففشل. في الصباح بدا مرهقا لم ينل قسطا وافرا من النوم, وتعجب من نفسه وهو الذي كان يستغرق في النوم فور وضع رأسه على الوسادة وسط غيظ زوجته, في الصباح اصطحبه زميل مصري الى الكلية بسيارته, لاحظ ان المسافة قريبة, وعزم على السير على الاقدام في الايام التالية لقرب المسافة تفقد مكتبه وسط ترحيب زملاء القسم, ينتمون الى جنسيات مختلفة: مصريون وسودانيون واردنيون الى جانب استاذين من المواطنين. اخرج صورة سقراط بحرص ووضعها فوق المكتب الخشبي في الزاوية البعيدة, بدت مشكلته عند العودة. بدا الوقت طويلامنذ العصر, وحاصرته الوحدة, اخرج صورة الولد والبنت ووضعهما على الكومدينو بجوار سريره. في المساء ابتاع بطاقة هاتف واتصل بأسرته, بدا صوت البنت مرتعشا وعجزت عن تكملة الحديث, وحادثه الولد بلهجة رسمية, في حين اغدقت عليه زوجته عبارات الوحشة. بهره مبنى الجامعة. تنتظم كل الكليات في مربع واحد, ولاحظ الطابع المعماري العربي للمباني وان كانت من الداخل ذات طابع انجليزي. دهش من وجود ممرات مخصصة للطالبات, وفي قاعات المحاضرات تجلس الطالبات بالخلف ويدخلن من باب خلفي, ويجلس الطلاب في الصفوف الامامية, وقارن الامر بجامعته التي يجاور فيها الطلاب زميلاتهم. حرص على التحدث بالفصحى كعادته الا ان طالبة غالبت تردده اخبرته بأنهم يفهمون جيدا اللهجة المصرية سواء من المدرسين الذين درسوهم بالمدارس او من مشاهدة الافلام المصرية. يرتدي الجميع زيا واحدا: جلبابا ابيض وطاقية صغيرة للرأس للرجال, في حين تتزين الطالبات بعباءة سوداء تخفي فساتينهن الملونة. شعر بالارتياح وهو يطالع البساطة في ملابسهم, وبدا صوتهم خافتا مؤدبا, ادرك ان البساطة والنظافة تسم حياتهم. بدت الايام الاولى ثقيلة, لا تراوح مكانها, ولكنه عندما تفقد مكتبة الجامعة احس بالاندهاش. وجد احدث المراجع الاجنبية, والدوريات الانجليزية التي يسمع عنها ويحصل على بعضها بصعوبة. وجد اهم المجلات والدوريات العربية المتخصصة والثقافية. خفق قلبه عندما وجد كتبه التي الفها متجاورة. استخفته الغبطة وشعر بالزهو, واندهش من وجود اجهزة حاسوب في كل مكان, وخطوط للانترنت, وآلات للتصوير لاستعمال كل طالب بمجرد وضع العملة, حلم دائما بأن تكون كليته مزودة بكل التسهيلات اللازمة للبحث, واوجعته المقارنة وهو يسأل نفسه: هل نحن فقراء ام سفهاء؟ تبتلع مسارب الترف والفساد خيرات البلد, ولو وفروا مثل هذه الامكانيات بالجامعات لأحدثوا ثورة حقيقية. حمل كومة من الكتب المستعارة, وأبهجه وجود المؤلفات المغربية واللبنانية, بل عثر على كتب قديمة نفذت في مصر من مؤلفات اساطين الفكر والادب. ملكه شعور بالتوازن وقد وجد سبيلا لملء وقته بعد العودة الى المسكن. في خطابه الاول الى زوجته توقف طويلا, حاول ان يراجع علاقته بهذه المرأة, احس بحب جارف يملكه غزاه للغربة, ولكنه بدأ يستعيد حبه القديم لها, وبدت زوجة رائعة وانثى حقيقية في الحياة الزوجية وفي الفراش ايضا. شطب عبارة زوجتي العزيزة وكتب بدلا منها زوجتي الحبيبة. تحول إلى عاشق يسطر لها مالم تسمعه منه طيلة حياتهما الزوجية. حرص على كتابة خطاب منفصل للولد والبنت, وكتب للبنت بأسلوب عامي وبخطوط كبيرة واودع خطابه زهرة بيضاء قطفها من خميلة امام فيلته. ستمر ايام قبل ان يتلقى رسائلهم ورسائل الاهل. عندما حاضر طلابه عن سقراط خلخل تماسكهم وبدا وكأنهم يستمعون الى ساحر. حلق وطوف بهم في شوارع اثينا القديمة واسواقها. (انزل الرجل الفلسفة من السماء الى الارض) , وشرح افكاره, واتسعت اعينهم وهو يقص عليهم تفاصيل اعوامه باجباره على شرب السم. وسألهم في النهاية: لو كنتم مكانه هل كنتم تهربون مع تلاميذه ام ترفضون مثله فكرة الهرب احتراما للقوانين الجائرة وترضون حكم الاعدام. طلب منهم التفكير حتى المحاضرة القادمة. عند عودته عبر الحديقة الهادئة الملونة التي تفصل مسكنه عن الجامعة اعاد السؤال على نفسه, وتساءل من يمثل دور سقراط في فيلم سينمائي. رشح محمود المليجي او محمود مرسي للدور, وبدا راضيا. تغلب على المشاكل المستجدة, علمه زميل كيف يضع ملابسه في الغسالة الآلية ويشغلها ثم يتركها حتى تتوقف, وحل له مطعم الجامعة مشكلة الطعام, على الاقل في وجبة الغذاء, في حين يركن الى المعلبات في الافطار والعشاء. راقته النظافة الشديدة في كل مكان, يتكفل العمال الآسيويون بالمهمة في نشاط وتفان. قبل الفجر وجد نفسه قلقا. كان قد مر عليه اسبوع. ارتدى ملابسه وخرج للتمشية. بدا الهواء نقيا. النجوم لامعة في سماء الله. القمر كان مكتملا في بهاء, تحسر وهو يستدعي هواء القاهرة الملوث الذي يخفي روعة السماء. الامان يحيط به في كان مكان. السيارات اليابانية نائمة بجوار المساكن. حاول معرفة سر انتشار السيارات اليابانية الحديثة دون غيرها. هل ثمة تشابه بين تواضع القوم وتواضع اليابانيين! اجتذبه المبنى المضيء. لم يلحظ وجود هذا المسجد الفخم من قبل. قبة مطلية بالذهب او لون نحاس يشبه الذهب يتوسط مأذنتين بيضاويتين. تحيط بواجهة المسجد حديقة غناء مزهرة تتوسطها نافورة رائعة تنساب من قاعدتها الدائرية عبر السلالم الرخامية للمسجد في مجرى ضيق هابط. سحره المشهد وبدا مدفوعا بقوة خفية. منذ سنوات بعيدة لم يصل. حاولت زوجته معه ولكن كانت تقبض على الهواء في طفولته كان يصحبه ابوه الى المسجد, وكان يشعر بالزهو عندما يرافقه, وكان يضربه اذا توقف ولكن منذ السنة الاخيرة في الجامعة توقف. ربما عزى الامر الى مهنته المشحونة بالسؤال والقلق, وبدا كأنه يحلق في مدار مختلف عن مدار ابيه وزوجته. غالب تردده عندما سمع اذان الفجر مدويا, وبدأ نفر من المواطنين يتوافدون الى المسجد. تقدم بحذر الى الميضأة المنفصلة عن المسجد. بدت فخمة كفندق خمسة نجوم. جفف نفسه بالمناديل الورقية المعلقة, ودهش من فخامة المكان. تقدم الى باب المسجد. الارض مغطاة خارجه برخام ابيض لامع يصلون عليه بلا سجاد. في الداخل بهرته التفاصيل. يجمع المسجد بين الجمال والجلال. الاقواس والمقرنصات والاعمدة ذات الالوان الهادئة وان كان اللونان الابيض والاخضر يسودان الجدران والسقف, كان المسجد مكيفا ولاحظ انهم لا يضعون اكفهم على البطن كعادة أهل بلدي. سكنته راحة مختلفة. لاحظ وجود بعض طلابه وفسر وجودهم بأنهم يقيمون في مساكن الطلاب الداخلية بالجامعة. التقط مصحف واخذ يقرأ, وبدا وكأنه يكتشف نفسه من جديد. عندما اذن لصلاة الجماعة تسلل خشوع هائل الى حشاياه, ولاحظ ان الخشوع سيد المكان. بدا متحفزا ومنتبها وهو يبتلع تفاصيل الموقف ومشاعر اللحظة في تلافيف عقله. تعجب من سلوكهم عند التسليم عندما لاحظ انهم يسلمون ناحية اليمين فقط ولا يلتفتون الى اليسار. تفاصيل خفيفة لم تثنه عن الشعور بالراحة التي تسللت الى اواصله ودواخله. سكنه هدوء وراحة, وعزم ان يكرر التجربة وبدا له ان يعيد اكتشاف نفسه. في الايام التالية واظب على صلاة العشاء ايضا. عندما يؤوب الى مسكنه في الطريق الهادئ الصامت يراقب السماء ويفكر في وطنه. يملؤه عتاب عملاق, ويظل يسأل نفسه لماذا يبددون بهاء الوطن؟ ولماذا يبدو الوطن غليظ القلب, متبلد الحنايا, يبحث عن اجابة لدى اقرانه: سقراط وافلاطون وارسطو. تشكك مرة ان كان الوطن بحاجة الى فلاسفة ومصلحين. ربما كان بحاجة الى حلم. الى عقيدة. الى ايمان يهزه وينهضه من كبوته. دهش من خطاب الولد, بدا انه لم يفهمه جيدا. كانت سطوره تتضج بالشكوى والحنين والاسف. اما البنت فرسمت لوحة ملونة وارسلتها له: رسمت حقلا ونهراً وسماء وشمسا وحيوانات وطيور. اي سر يحتويك يا صغيرتي. اما زوجته فتحولت سطورها الى سطور عاشقة, بثت لواعجها, واشواقها وشعورها بالوحدة. في محاضرة تالية وجد نفسه يتلفظ باسم حامد الساعي العجوز, كانت المحاضرة عن جمهورية افلاطون. استدرك الامر وحاول البحث عن وجه الشبه بينهما. عندما يعود من مكتبة الجامعة يطير بجناحين في الهواء منتشيا. في اخر الشهر كان يتسلم مرتبا ضخما لا يعرف ماذا يفعل به, وبدا له ان هذه الثروة لا تعني الكثير. ضحك بصوت عال وهو يقدر ان ما يكسبه في سنة او اقل قليلا في جامعته بالوطن تحاصره الوحدة فيشاهد التلفاز, وان ظل المذياع مفتوحا بجواره طوال اليوم. عندما يلتقط اغنية لأم كلثوم او فيروز تسكنه البهجة ويصل الى مرحلة التبخر. وعندما يسمع صوت عبدالحليم يسترد روح العاشق القديم. عنت له ايامه التالية الكثير. تراجعت حدة الشعور بالغربة او التبرم, وبدا ان الفرصة الذهبية واتته في الوقت المناسب ليعيد تقييم حياته كلها. عندما يثبت مؤشر التلفاز على القناة المصرية يتبلد احساسه وهو يشاهد الوجوه التابوتية المكررة تثري, وبدا له ان الوطن متحف موميات كبير.. ظل يسأل نفسه طويلا: هل نحن بحاجة الى روح ام عقل جديد؟ لاحظ انه يهرب من متابعة القناة المصرية, واكتشف تذوقه للغناء الخليجي, وان ازعجه المرض المصري المعدي وهو اختزال الوطن في فرد. ضحك وقال صدّرنا للعالم كل شيء حتى رذائلنا. غسلته البلاد الجديدة من اتراحه وادرانه, وبدا انه يتجدد, وان خلاياه تستبدل بأخرى فتية. حمل لوحة ابنه وقرأها فوق مكتبه بالكلية. لما سألته في المكالمة الاخيرة: متى ستعود؟, ادرك ان دهرا انقضى, وان الاشياء تتلون من جديد, والتفاصيل تتخلق ببكارة مدهشة. بعد شهر واحد وجد انه التهم كما هائلا من الكتب التي لم يقرأها من قبل, او قرأها منذ سنوات واعاد قراءتها. وعندما كان يرمق القبة المطلية بلون الذهب للمسجد المهيب سأل نفسه بصوت عال: هل اعود.. هل اعود؟ وبدا له السؤال لغزا كبيرا بعرض السماء الزرقاء المدهشة فوقه. * قاص وناقد واستاذ جامعي مصري له ثلاث مجموعات قصصية: (سأعود متأخرا هذا المساء ـ القاهرة ,1994 والربع الخالي ـ دمشق ,1997 والرابع من يوليو ـ القاهرة 1999)