لا نعرف بالضبط كم مضى من الاعوام على رحلة الكاتب والفنان العراقي الدكتور فاروق اوهان عن بلاده.. ولكن الزمن المرصود في الذكرة لا يقل عن عشرين عاما.. ويؤكد هذا الرصد حقيقة الانتماء الصحيحي الذي يشغل الكاتب ويشكل مراجعة ثرة للأزمنة والامكنة. لكن فاروق اوهان لم ينشغل الى اعوامه الاخيرة في بغداد, وانما يحاول ان يستعيد الى الذاكرة وجودا كاملا عاشه في مدينته العريقة الموصل والقرى المجاورة لها والتي كان قد عرفها عن قرب وظل على تماس معها طوال سنوات حياته, حتى لنجده يحملها بقدسية متناهية اينما حل واينما ذهب.. وكأنه لم يعش حياة تالية لما عاشه من قبل.. ذلك اننا لا نتلمس حضورا لزمان ومكان خارج ما عرف وتماس وتفاعل وتنفس. ان فاروق اوهان وهو يقدم مجموعة قصصه: (هديل على الحدود) فإنما يريد ايقاظ الذاكرة من سباتها.. يستعجلهاالتذكر وينبهها الى ما كان وما آل اليه الامر.. الى حقيقة نفسه وناسه ووجوده.. ذلك ان الكاتب الصادق, كاتب ينتمي الى ما فيه من اصالة وحضور وخزين من عافية التذكر, وبعكس ذلك يعد خائنا ومهزوما من حقيقة عالم عاشه وانتمى اليه وتأثر واثر فيه. د. اوهان واحد من الذين شغلوا بذكرياتهم, وامكانية ان يستثمر هذه الذاكرة في معمار قصصي جديد.. وفي وعي تام لحقيقة ان فن القصة فن حضور تام للزمان والمكان الذي يعرف. من هنا وجدنا القاص يولي المكان جل اهتمامه, حتى انه ليضحي بتفاصيل الاحداث ومعالم الشخصيات من اجل اشباع المكان بالمعاني الكلية.. التي تتخذ في سطوره كل المعاني وكل الابعاد. انه ليحس بوجوده منشدا اعذب الحانة عند حدود بلده.. دون ان يكون بوسعه مواجهة ما كان وما آل إليه الزمان من متغيرات. ولأن د. اوهان كاتب ومخرج وناقد مسرحي, له حضور واضح ومهم ليس على الساحة العراقية فقط وانما له حضور عالمي في منطقة عالمية وعني بالنقد المسرحي, فاننا ازاء ذلك وجدناه يكتب عن هذا العالم المسرحي الذي عرف وتفاعل وتوجه.. حتى اصبحت مفردات الفن المسرحي ونقده من مفردات السرد القصصي الذي قدم به قصص (هديل على الحدود) التي تضم ست قصص يجمعها مناخ واحد واهتمام وانتباه وتفاعل واحد.. حتى لنحس وكأننا نقرأ عملا روائيا بعدة فصول في متغيرات ليست متقاطعة مع بعضها, وانما مكملة بعضها للبعض الاخر. كما ان د. اوهان يبدأ بالوجع.. وجع الرحيل لينتهي الى وجع الغربة الذي لم ينته يقول في قصة (هديل على الحدود) : (في الصباحات الباردة, اجبرت على سفر مفاجئ الى غربة طويلة الامد داخل الوطن, بلا اختيار او قرار, لأن العودة الى الدار فناء وشيك لا محالة, ففي سكون الليالي الماضية, لم اسمع احدا يطرق الباب ليخرجني من بيتي, وانما ارى شبحا للقمع متجلدا كالحجر الفولاذي متجسدا في شخص يحصي انفاسي المحبوسة خلف النوافذ) . وفي هذه القصة وسواها, نجد القاص وكأنه يكتب سيرته الذاتية على السنة عدة شخصيات في محاولة منه لتعميم تجربته التي تمثل نموذجا سار ويسير عليه عدد كبير من ابناء بلده.. مما يجعل الغربة واقرانها والرحيل وقسوته ظواهر باتت عادية في حياة الانسان المتهورة في حزنه اليومي. وفي قصة: (حنين بلا ضفاف) يقدم صورة اخرى للألم: (ان اهل (سهام) قد اجبروا على تزويجها من ضابط هددهم بارسال والدها الى الحرب) ! وهكذا هي الحروب, في مواجهة عقلانية الوجود بمبادلته الجنون.. جنون الرغبة حتى لو كانت على حساب تدمير الاخر وسحقه حتى الموت. وامام قصة (كانت) تتشكل ملامح امرأة يستعيد معها كل الذكريات حتى ليتحول الحلم الى واقع.. والواقع متخيل, متحرك, ينفض الوجود كله. ان د. فاروق اوهان, ذاكرة قصصية ونقدية, يعلق كيانه كله في قلب وطنه, حتى ليصعب اقتلاعه من هذا الكيان, وكأنه سيفقد انفاسه اذا حرم من ذاكرة الوطن. واذا كانت قصصه في هذه المجموعة وسواها من القصص دائمة التذكر, والاستعداد لاستنهاض ادق التفاصيل, فإن معظم دراساته في التراث المسرحي العربي, تنتمي في جذورها الى ما يعرفه عن حضارة ومعطيات بلاده. ويرفض الانفصال عن وطن ينشد اليه كليا ويتغنى عند حدوده. وهاهو هديله.. يصل اسماعنا بحب وتلاحم ومحبة. ولعلنا, ونحن نقرأ هذه المجموعة القصصية اليقظة, لابد ان نتحدث عن الاهمية التي تكمن وراء هذا النهج القصصي الذي يشقه د. اوهان في مسيرته الابداعية, ليبين ان فن القصة هو اصلا سرد الذكريات, فكيف اذا كانت هذه الذكريات هي من التراكم بحيث يضج بها الرأس وينشغل بها القلب وتتفاعل فيها الاحاسيس. ان قاصا يحمل هذا الاحساس العميق بشئون اصغر ما في بلاده. ويعمد الى شرحها وتوضيحها في هوامش ملحقة, فأنما يريد ان يجعل المتلقي في حالة دراية كاملة بها.. ليتبين حقيقة ما يكتب عنه وينتمي اليه. د. اوهان, يتفرد في هذه القصص, كونه مشبعا بعشق الانتماء الى وطنه, وهو عشق للانسانية في اكتمال وعيها وتحضرها وبحثها عن حريتها, عن متنفس لها حتى تحيا في وجود انساني نقي, وهذا اسمى ما تطمح هذه القصص ان تقوله وتتوجه به الى قرائها.