متخصصة بالمسرح وكاتبة لنصوص كرمتها عنها بلادها مؤخراً, د. ملحة عبدالله سعودية الجنسية تعيش في مصر منذ سنوات لكنها لم تبتعد عن المشهد المسرحي الخليجي وخاصة السعودي. لديها مجموعة من الابحاث والاوراق في الفن المسرحي, وقدمت آخرها في الملتقى السنوي السادس لرابطة اديبات الامارات الذي انعقد في أندية الفتيات بالشارقة من 23 حتى 27 ابريل الفائت وحمل عنوان (المسرح وابداع المرأة في شبه الجزيرة العربية) التقيناها في القاهرة وكانت هذه الدردشة حول تجربتها وتجربة المسرح الخليجي. تقول د. ملحة: لاحظت أن المسرح العربي يعيش أحسن حالاته ويعيش في نفس الوقت أسوأ حالاته.. فرغم قصر الفترة فإن في خضم التجارب المهولة منذ انبثاق ميلاده قد تطور سريعا, منذ خمسين سنة كان المسرح العربي تقليديا يعتمد على الترجمات.. ثم شاهدنا مسرح العبث وما بعد الحداثة وتجارب مسرحية رائعة. الحركة المسرحية العربية المتطورة سريعة الانطلاق تبين لنا أن المسرح يلحق بركب الحضارة في العالم.. ولكنه يعيش في أسوأ حالاته في خضم المعطيات الحديثة, فهو يبحث عن هويته العربية من جانب وعن التطور والتجريب والتحديث من جانب آخر.. هكذا الموقف بين القطبين السالب والموجب يعمل على تمزق في أحشاء اللعبة المسرحية العربية.. أين المسرح العربي من هذا التضارب, لم يحقق هوية عربية خالصة أو تواكبا عالميا. * كيف ترين موقف المسرح العربي من العولمة؟ ـ المسرح من أكثر الآليات التي يمكن أن تتأثر بالعولمة, فالمسرح في الوطن العربي يتجه نحو التجريب.. تجريب في الشكل وتجريب في المضمون.. نحن لم نستعد للعولمة لابد أن يكون هناك بناء استراتيجي, سياسي اقتصادي لاستقبال هذه العولمة. الغرب أعد نفسه للعولمة ولكننا فوجئنا بها وعلينا أن نستقبلها.. لا مناص.. ولابد أن يستقبل المهتمون بالمسرح العولمة بفكر عال.. ليستفيدوا منها ولإخضاعها لآلياتهم, لرسالتهم, لخطابهم هذا يؤدي إلى استفادة من العولمة وليس العكس, ولكننا في خطر من استقبال العولمة, لأننا استقبلناها بشيء من التقليد لا نفهم كنهها.. ماذا تريد العولمة منا ما هو لب القضية؟ مصطلح الحداثة في العالم كان يناقش الصراع الميتافيزيقي. في النصوص أو العروض الفنية كلها مسرحا أو سينما.. هذا الصراع الميتافيزيقي ظهر في موجة من الأفلام الأمريكية.. ولكننا استقبلناها بنوع من عدم الوعي بهذا المصطلح.. فبدأنا سواء في الشعر أو القصة أو المسرح نعمل نوعا من التجديد ولم نفهم كنه الحداثة.. هذا الصراع الميتافيزيقي مع القدر مع الطبيعة, وانتقل إلينا بشكل ساذج جدا.. مثل الصراع مع السلطة.. وتحولت الحداثة إلى مسخ في أدبنا وفي مسرحنا.. ليس من الضرورة أن نساير العالم ونمسخ الحداثة.. تستطرد الدكتورة ملحة: إن الخطاب المباشر من أخطر ما يمكن في المسرح.. لأنك تؤثر سيكولوجيا على المتلقي وتحدث فيه تغييرا اجتماعيا وسياسيا.. فلماذا لا نستخدم هذه العولمة في التقنيات فتصبح في مصلحتنا. في الانفتاح على العالم نؤثر فيه كما نتأثر به.. ونبث قضايانا, أهم عنصر في العولمة في المسرح لابد أن ننطلق من هويتنا من تقاليدنا وأعرافنا: أنا لست رجعية أو سلفية أطالب بالعودة إلى الوراء, ولكني أدعو إلى استخدام هذه التقنيات والأيقونات والادوات أطوعها في هجين مما يميزني بين العالم.. لكن هذا لم يحدث.. إن عرض محمد إدريس رجل وامرأة نال جائزة أحسن عرض في اليابان.. ثم في فرنسا.. كما في مهرجان البترا الأخير.. لأنه انطلق من الهوية التونسية العربية.. من معطياتنا وتقاليدنا.. حتى في أيقوناته وفي لغته كان تونسي القالب تونسي النزعة.. تونسي القضية في طرح قضية المرأة والرجل, ولكنه في آلياته في إبهاره في أدائه واستفادته من مسرح قدم إبهارا ومتعة لابد أن يستقبله كل العالم.. هنا استفاد من العولمة بشكل جيد. نحن لا نزال نبحث عن إطار سواء في المسرح أو الفن نصب فيه كل همومنا وما زالت القضية مفتوحة. * لو أردنا أن نطبق هذه المفاهيم على إبداعاتك المسرحية؟ ـ إنني أكتب أدبا إنسانيا وأخاطب العالم العربي والعالم ككل.. لم أنطلق من خطاب مباشر في شريحة معينة.. نصوصي مفتوحة.. نص (حينما تموت الثعالب) مرشح لجائزة وترجم للإنجليزية مسرحية (أم الناس) حصلت على جائزة الملك فيصل, لأنها تنطلق من محليات ولكنها مفتوحة, فيها نوع من التغريب والإبعاد في الزمان والمكان, ليس من أجل التغريب بل أن تبعد القضية لكي تقترب منها.. مسرحي يهتم بالإنسان.. في بيئته في أخلاقياته في مواجهته العالم. مسرحية (حينما تموت الثعالب) مثلا تدور أحداثها في سهول سيبيريا وفي غابات الأمازون.. هناك أحداث متداخلة لا داعية ولا شعورية ولكنها تصب في هم واحد.. هذا البطل الذي يخضع ذاته تحت مؤامرة من مختلف الجنسيات تلتهمه في النهاية بطقس الفطيرة المقدمة هذه الثعالب تموت وتنفتح موتا تمثيليا كما تموت الثعالب تنقض على فريستها في النهاية.. (أيها الثعبان الملتف على غصن الزيتون بارك هذه الفطيرة المقدسة..) وفي مسرحية (حالة اختيار) الحدث تحت تمثال الحرية وامتداده قبة الصخرة ونهر النيل على خطوات.. كردستان على مرمى البصر.. وبخطوات من غابات الأمازون يحضرون البازلاء ويستحمون في حمام الكرملين.. هذا نص عولمي.. العالم كله قرية واحدة.. شخوصه آلات تعمل بالزنبرك.. العالم كله دمر من خلال حرب عالمية وحروب بيولوجية ونووية وبقيت الآلات لتواجه هذا الخواء.. فما يحدث لو وجد الإنسان.. وجد البطل داخل كرة ثلج ومن هنا بدأ يواجه العالم, نصوص إنسانية تتحرك في العالم كله.. وتحمل قضايا عربية.. فبين كل النصوص دائما هم عربي. القاهرة ـ فوزي سليمان