إذا ما قرأت اسم علي فهمي. أو أصغيت اليه أتوقع أمرا له صلة بالمجتمع المصري, شىء يدل ويكشف, مقل في أبحاثه, لكن إذا ظهر مقال أو دراسة له فلابد أن نجد جديدا, إنه امتداد متجدد للدكتور سيد عويس أحد الباحثين القلائل الذين نفذوا إلى العصب الخفي للمجتمع المصري. ما أن رأيت كتاب الأستاذ علي فهمي القيم أثناء جولتي الأسبوعية على المكتبات في وسط المدينة (دين الحرافيش في مصر المحروسة) حتى اقتنيته على الفور, وشرعت في قراءته, فلكم أتعلق بكل ما يمس الحرافيش أو ما يذكرهم أو يتناول أمراً يمت إليهم. الحرفوش كلمة قديمة تعني الزوائد المهملة في جذع النخلة, والحرافيش جمع نطالعه في خطط المقريزي وابن اياس والجبرتي, ويدل استخدام اللفظ على أن المقصود به جموع الشعب الفقيرة, وهناك ألفاظ أخرى يستخدمها المؤرخون والكتاب الرسميون في القرون الوسطى, منها الزعر, والأوباش, وساكنو الحارات الجوانية, وكلها ألفاظ تدل على نفس الجموع وجماعات البشر التي تشكل النواة الحقيقية للشعب المصري. وهذه النظرة المعبرة عن التحقير للمصريين, والتعالي عليهم, قديمة, منذ انهيار الحضارة المصرية القديمة, وفقدان مصر لاستقلالها, وتمكن الأجانب منها, وتعاقبهم عليها, ورغم اندماج أولئك الأغراب في المجتمع المصري إلا أنهم خلال ممارستهم السلطة كانوا يقيمون الحواجز بينهم وبين الشعب المصري, في العصور الوسطى كان المماليك ممنوعين من الزواج بمصريات, لكن ما أن يتركوا الخدمة وينخرطوا في الفئة التي كانت تسمى أولاد الناس, حتى يبدأ ذوبانهم التدريجي في المجتمع المصري, وشيئا فشيئا يصبحون مصريين تماما وإن استمر بعض التميز, وخلال فترات فقدان الاستقلال, وضعف العناصر الثقافية الرابطة, كان نفر من المصريين يمارسون الاستعلاء على ابناء جلدتهم, خاصة ذوي الأصول المملوكية أو التركية, وحتى قيام ثورة يوليو كان البعض يتباهى بأصول تركية بعيدة, أو واهية, وحتى الآن يمكننا أن نسمع الى وصف بعض الأشياء بصيغة استنكار مثل. (دا ذوقه بلدي) ونلاحظ التناقض بين دلالة اللفظ (بلدي) أي (وطني) وبين الصيغة الاستنكارية التي تصف الملبس أو اللفظ أو التصرف بأنه بلدي بمعنى مبتذل ومتدن, ويكون القياس المرجعي بالطبع الى الأجنبي. (الحرافيش) هم أبناء البلد, وهم الذين خلدهم نجيب محفوظ في روايته الرائعة, يقول الأستاذ علي فهمي في مفتتح كتابه الصادر عن دار ميريت للنشر (ويجدر الانتباه الى أن لفظة (الحرافيش) قد تشير في حد ذاتها الى إسناد عدد من السمات الثقافية لأفراد (الحرافيش) مثل سرعة البديهة وسعة الحيلة وخفة الظل وشىء من النفاق والفهلوة والشطارة, فضلا عن التهميش الاجتماعي والاقتصادي. ومن اللافت هنا أن سمة الشطارة تتضمن بعدين يكشف عنهما المدلول الثاني للفظ نفسه كما تحددها اللهجة الدارجة المصرية, فالشطارة تعني المهارة في معنى, كما تعني السرقة الخفية التي تكتسي بذكاء ولطف في معنى ثان, ولعلنا نشير الى اطلاق لفظ الشطار على اللصوص في العصر الوسيط بمصر وبعض الأقطار العربية الأخرى, كما توضح ذلك بعض الأعمال الأدبية في هذه الفترة وبخاصة السير الشعبية) . هؤلاء الحرافيش, المهملون, والمهمشون, المحترقون من المؤرخين, هم غالبية الشعب, وهم الذين حفظوا ثقافته القديمة وعناصرها الفاعلة, ولهذا تفصيل.. حرافيش المحروسة يقول الاستاذ علي فهي في كتابه (دين الحرافيش في مصر المحروسة) إنه أمضى أزهى سنوات العمر بينهم, عاش معهم بدون تكلف أو تعال وبتلقائية وبدون افتعال, الى الحد الذي يسمح بقدر من المعرفة الدقيقة, وينتقد الأساليب البحثية الحديثة المعتمدة على مناهج غريبة لاتصل دائما الى جوهر الحقيقة بسبب ما تعرضت له شعوبنا على مدى التاريخ من ألوان بشعة من قهر وظلم أثر بالتالي على حرية التعبير والمدى الذي يمكن أن يبوح الأفراد عن دخائلهم. يرصد علي فهمي ما يمكن أن نعتبره ظاهرة الاستمرارية في الواقع المصري, وفي ضوء هذه الاستمرارية يمكن أن نفهم عبارة (نيوبري) التي يقول فيها (مصر وثيقة من جلد الرق, الإنجيل مكتوب فيها فوق (هيرودوت) , وفوق ذلك كله القرآن وتحت الجميع لاتزال الكتابة القديمة مكتوبة جلية) . يعني ذلك أن مصر استطاعت هضم وصهر الثقافات المتتابعة التي توالت على مصر, هكذا يمكن تفسير العديد من الظواهر الفريدة المستمرة حتى الآن مثل ارسال الخطابات الى الامام الشافعي, تلك الظاهرة التي رصدها ودرسها الدكتور سيد عويس في مؤلفه القيم (هتاف الصامتين) , إنها ظاهرة قديمة تعود الى العصرين الفرعوني والقبطي, كان المصريون القدماء يرسلون الخطابات الى الموتى مكتوبة فوق جدار الفخار, أو ورق البردي, وحتى الآن يعتقد حرافيش مصر المحروسة في اللجوء الى ما يسمونه (المحكمة الباطنية) ويظنون أنها تجتمع مساء كل ثلاثاء بضريح السيدة زينب بالقاهرة وبرئاستها. وعضوية الامام الشافعي (الذي كان قاضيا وفقيها) والسيدة نفيسة من آل البيت النبوي الكريم. علاقة المصريين بالأولياء والأضرحة قديمة وخاصة, ولفهم الشعب المصري لابد من إدراك خلفيات هذه العلاقة وأنواعها, ويتصل بهذه الصلة الموالد, أبرز ظاهرة في عناصر الاستمرارية, المولد احتفال مصري بالحياة, بالميلاد, ويلتقط علي فهمي ملاحظة هامة تتعلق بسيدنا الحسين, فأهل مصر يحبون آل البيت ويتعلقون بهم, وهم سنة, لاتعرف مصر ظاهرة التعصب المذهبي, ويوضح احتفال أصل وادي الرافدين الفرق, إذ يحتفلون بسيدنا الحسين يوم المقتل حيث العويل والصراخ, بينما تتجدد الذكرى في مصر من خلال يوم الميلاد, وهنا تتحول الى احتفال هائل الحجم بالحياة, ويتحول المولد الى مناسبة اجتماعية يعبر فيها المصريون عن فرحهم من خلال متع بسيطة, والى مناسبة اقتصادية أيضا, حيث تنصب الأسواق ويجري البيع والشراء, وقد لاحظت من خلال تتبعي لخريطة الموالد في مصر أنها تراعي المسافات المكانية والبعد الزمني, فمولد الحسين يليه مباشرة مولد سيدي مرزوق الأحمدي, بحيث يحتفل القادمون من مسافات قصية بالمناسبتين معا, ويتم الاحتفال من خلال تنظيم متوارث, تعد (الساحة) أهم معالمه, و(الساحة) تنتشر في الريف المصري والحضر أيضا, ويقول المؤلف في تحليله لتلك الظاهرة, (ونحن نعتبرها من قبيل المجتمع المدني التقليدي أو الموازي الرسمي, ولعل التفسير الذي نقدمه هنا لمثل هذه الآليات الشعبوية أن تكون الرغبة التلقائية ذات الدافع الديني لدى الكثيرين في التكافل الاجتماعي السري) . يدعو المؤلف الى المزيد من دراسة هذه الظواهر الخاصة بسلوك المصريين خاصة في الموالد, هؤلاء المصريون, أبناء وأحفاد المصريون القدامى, والذين أطلق عليهم المؤرخون الأجانب والمثقفون المتفرغون أوصافا عديدة منها الحرافيش, والزعر, والجعيدية, وسكان الحارات الجوانية, وكل هذه الأوصاف التي تعني في النهاية أمرا واحدا؟ أولاد البلد مازال حتى الآن يسعى.. نراه في الأحياء القديمة من القاهرة, في الأسواق الشعبية, في المقاهي العتيقة, حاضر دائما في معظم الأفلام السينمائية, خاصة القديم منها, انه ابن البلد, المعبر عن الشخصية المصرية الصميمة. نراه مرتديا زيه التقليدي الذي لم يتغير, الجلباب الواسع, غطاء الرأس الشعبي, (الطاقية) والملفوفة غالبا بشال من القطن, وحول عنقه يلف آخر من الصوف الخفيف شتاء, أو الحرير صيفا, قوامه فاره, طويل, منبسط الصدر, خاصة اذا كان معلما في السوق, أي صاحب خبرة وثروة وتجارة, وعارفا بالأصول. عارف بالأصول, هذا وصف نسمعه كثيرا عند الاشادة بابن البلد, والأصول تعني التقاليد وقواعد العلاقات بين الناس, تعني الشهامة, المروءة, والجدعنة, الجدع هو الناصح, الذكي, الكريم, الشجاع. في كتابات المؤرخين القدماء, منذ العصور الوسطى نقرأ عن ابن البلد, والمقصود هنا هو القاهري الصميم, وليس الفلاح ابن الريف, انه المصري الذي ولد وعاش في القاهرة التي كان يحكمها أجانب أغراب, سواء كانوا المماليك في العصور الوسطى أو العثمانيون أو الانجليز والتي كان يتواجد فيها طوائف عديدة من الأغراب, انه القاهري الذي يعيش في الحواري, ويمارس التجارة, كان هناك فئات أخرى من المصريين, مثل العلماء والأفندية, وهؤلاء يمثلون المثقفين, وكان هناك أبناء الذوات, ولهؤلاء مناطق خاصة يعيشون فيها, خاصة في العصر الحديث, مثل جاردن سيتي والزمالك, يتشبهون بالحياة الأوروبية, والسلوك الغربي, وفي هذه المناطق لايمكن أن نرى ابن البلد, ولكن اذا مشينا قليلا من جاردن سيتي مثلا الى السيدة زينب, أو من الزمالك الى بولاق, سوف نراه جالسا في صدارة مقهى, أو متجر, أو يمشي في الطريق, أو يلقن صبيته الصغار دروسا في العمل, وقد يضربهم أحيانا, فلابد من القسوة كي ترسخ حقائق الحياة أحيانا, انه يؤمن بالعمل, واتقانه, يردد المثل الشعبي القائل (الإيد البطالة نجسة) أو (الشغل عبادة) , وبالعلم, بالخبرة المتوارثة عبر ممارسة الحياة, ربما نلتقي بابن بلد لايعرف القراءة والكتابة, لكنه مرجع في أصول العلاقات والتقاليد والقدرة على فهم مشاكل الحياة, تقول الأمثال الشعبية هنا (العلم بالشىء ولا الجهل به) . من صفاته الذكاء وسرعة الفهم وقوة الذاكرة (يفهمها وهي طايرة) , يرفض التبعية والتواكل, وإن استلزم ذلك الحد من مطالب الحياة, يقول في أمثاله (اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع) و(حمارتك العارجة ولا سؤال اللئيم) . ابن البلد مبتسم, ضاحك, ابن نكتة, شغوف بالمرح, لأن المرح قد يساعد في تجاوز المواقف الصعبة, ميال الى حل المشاكل بنفسه, واصلاح المتخاصمين والتوفيق بينهما تجنبا للتعامل مع السلطة, إنه لايضطر للتعامل مع الشرطة إلا نادرا, من الأفضل ألا تصل المشاكل الى قسم البوليس, العلاقة بين الشعب والسلطة ميراثها قديم, ومن الأفضل تجنبها, نسمع في الحوار معه لغة خاصة, فيها تورية, وكل جملة لها ظاهر وباطن, كنتيجة لميراث القهر التاريخي منذ أن حكم البلد الأتراك, والأجانب, والحكام القساة, له قاموسه الخاص, يقول (صباح الفل) (صباح الجمال) , (نهارنا لبن) , (يا مساء العندليب) . يرد التاجر منهم على الزبون قائلا (يفتح الله) أي أن السعر الذي تعرضه غير مناسب, واذا غضب يصيح (اتوكل على الله) أي أغرب عن وجهي, لغته اليومية فيها فلسفة, وخبرة, وطبقات متوالية من الزمن, وهذا لا مثيل له في جميع البلاد العربية الأخرى, اذا كان ابن البلد بائعا فانه ينادي على سلعته منغما صوته, مرددا ما يشبه الشعر. (كهرمان ياعدس..) أو (الملاح.. الملاح) يقصد الكتاكيت, أو (اللوز الجميل) يقصد الفول المدمس. للطعام عنده شأن عظيم, الطعام كقيمة, فإذا أكل ابن البلد مع صاحب له يعتبر ذلك كالميثاق أو المعاهدة, يردد دائما (دا أنا أكلت معاه عيش وملح) . وبالتالي لايمكن أن يغدر بمن شاركه المائدة يوما. يراعي الجار, ولا يغازل جارته سرا, بل أنه يغار عليها وقد يشتبك مع أي غريب يحاول مضايقتها, وابنة الجيران هي عنده (بنت الحتة) أي تعيش في نفس المنطقة وبالتالي لابد من حمايتها, يتجنب ابن البلد العراك, ويحاول أن يحل مشاكله بالحسنى, ولكن اذا مس شرفه, إذا تعرض للإهانة, فإن شعاره هنا (ياروح ما بعدك روح) , أي القتال حتى الموت. يعتز جدا بانتمائه الى منطقة معينة, واحترامه للجيران مقدس, يقول (دا ابن حتتنا) أي يعيش في نفس الحارة, يتعصب لمنطقته في مواجهة المناطق الأخرى, ابن البلد يمكن أن يكون مسلما ومسيحيا أيضا, متدين في اعتدال, يتمسك من خلال الدين بالقيم (امشي عدل يحتارك عدوك فيك) , كما أنه كريم حتى مع فقره (لقمة هنية تكفي ميه) . ساخر, مرح, محب للحياة, يرقص في الموالد واحتفالات الزواج بالعصا وكلما أتقن اللعب بها كان مثار الاعجاب, يمتطي حصانا مزينا, يمشي في مقدمة موكب الفرح يحمي العروس, ويقف في المآتم يقدم أو يقبل العزاء, يقوم بما يعرف بين الناس بالواجب, يحفظ الأصول, أي التراث القديم وقيم الحياة. إبن البلد, في الأزمنة القديمة كان الحكام الأجانب وأثرياء الأتراك, وأبناء الذوات المتفرنجين يشيرون اليه باحتقار وتعال, قائلين (دا بلدي) . الآن.. بعد وعي المصريين بذاتهم, إذا أرادوا أن يشيدوا بشخص ما, قالوا باعجاب, ((دا ابن بلد..) .