أتصور أن الولادة المتأنية التي تمت بها (الهيئة الوطنية للوقاية من الجريمة) بالأمس القريب, والبعيدة عن اجراءات عمليات قيصرية أو قسرية عليها, ثم الاجماع التام من جميع المشاركين في الاجتماع الأول للهيئة, تركت في نفوسنا أملا عريضا لعمل المزيد من أجل اتمام هذا المشروع، الوطني الذي لم يتوان قطاع واحد في المبادرة بالحضور أو المشاركة الشفوية والتحريرية من جانب البعض. الولادة الأولى استغرقت أربع سنوات من خلال التوصية التي خرجت من الندوة التي عقدت في 1996م بهذا الخصوص, ومن حسن الحظ ان هذه السنوات لم تكن عجافا كما يحدث في الكثير من المشروعات الطموحة. ففكرة وزارة الداخلية ورعايتها من الوزير والوكيل حتى في لحظات سفرهما خارج الدولة والسؤال عن المجتمعين في ذلك اليوم الذي ودّ كل واحد منهم أن يشرف الاجتماع بحضورهم ورعايتهم. كل هذه المشاعر دلالات قوية على ان الأمر جد وان المشروع سيخرج إلى النور أقرب مما يتصور البعض الذي يخشى من طول الاجراءات. إلى هنا خرجت الفكرة من الرأس إلى القرطاس وشكلت لها لجنة عملية لمتابعة أمرها إلى حين وصولها لحيز التنفيذ, فكلما قويت عزائم أعضاء اللجنة في سرعة السعي نحو الهدف الذي لا يختلف عليه اثنان, كانت الانجازات أدعى للتحقق. نعم هناك قلق من تفشي الظاهرة الاجرامية في المجتمع ولكن في نفس الوقت هناك عقول مفكرة وعيون ساهرة تعي بأن القاء الحمل الثقيل لضمان سبل الوقاية, يعطي المزيد من الوقت لكافة الأجهزة الأمنية للاهتمام الخاص بالمكافحة كأولوية, فهي كلما وجدت من يعينها على هذه المهمة الشاقة كان أداؤها اليومي أنفع وأردع. إن قطاعات المجتمع في توسع دائم ومجالات العمل الأمني بناء عليه كذلك, تتسع دائرته وتجدد سبل الاجرام وفق أحدث التقنيات تحمل كل أفراد المجتمع مواطنين ومقيمين لشبك الأيادي في الطرف المعني مباشرة حتى تمتد خطوط التواصل لان انقطاعها يجلب الضرر للجميع, فالسفينة التي تقل رجال الأمن بالدولة هي التي تقلنا جميعا فما يصيبها يصيبنا دون تفرقة بين القائد والجنود. وبما اننا نعيش عصر التخصصات والعمل المؤسسي المنظم فإن هذه الصيغة من العمل ضمن اطار هيئة مستقلة أو تابعة لجهة ما أو حتى شبه مستقلة يعطينا الانطباع بأن من ضرورات المجتمع المدني وتطوره هو وجود المؤسسات التي تقوم بأدوار محدودة كالوقاية من الجريمة في مثل هذه الهيئة التي نتمنى لها رؤية الصباح في أقرب فرصة. وبما ان لمثل هذه الهيئات مثيلات وأخوات من ذلك, هيئة الموارد البشرية وهيئة المعاشات وبرنامج زايد للإسكان وغيرها مما هي تحت الانشاء, هي الطريق التي نسلكها لأداء الواجب الوطني الهام تجاه كل أفراد الشعب, فكل تجربة جديدة وناجحة تفتح الطريق أمام غيرها لشد العزم والسير على خطاها بالمثابرة, وعدم الالتفات إلى الوراء لان اللفتة قد تسبب التأخير بدل التقديم. د. عبدالله العوضي