في اواخر الستينيات وبداية السبعينيات اصبحت روايات (هرمان هسه) (ذئب البوادي, سدهارتا, لعبة الكريات الزجاجية) مقروءة في العالم الناطق باللغة الانجليزية وتحول الى شخصية مشهورة لاحتفائه بالصوفية الشرقية وبحثه عن الذات, وادعت الثقافة المضادة الامريكية بالصوفي السويسري الالماني المولد كونه استاذا روحيا لاكتشافها وكاهنها السري. ربما كان ذلك حالة منورة من الجمهور المستغرق في التفكير الذي يحاكي كاتبا تنتابه الهواجس الذاتية. لقد استولى (هسه) في الواقع من خلال مهنته الطويلة المدهشة على ثلاثة اجيال في المانيا على اية حال واعتبروه صوتهم السري, وكان (هسه) يمتلك صلة روحية غريبة دامت طول حياته مع المراهقين بسبب بحثهم الروحي الشديد وشعورهم المهان نتيجة الحرمان, وبقي الروائي مراهقا الى حد ما طوال عمره الذي بلغ خمسة وثمانين عاما. ادرك (هسه) بأنه كان قصاصا قاصر الخيال واعتقد بأن القرن العشرين المتشظي قد حطم الارضية الثقافية الشائعة التي يحتاجها الكاتب لكي يشارك جمهوره, لهذا ابتكر دراما شاملة عن احترام الذات والسيرة الذاتية الخيالية والمقالة الاخلاقية, وكثيرا ما كتب كما في رواية (سدهارتا) في اعماق الخرافة الساخرة المغلفة بعبق الشرق. قد تكن النتائج ساذجة, يقول (سدهارتا) لصديقه: (جوفندا, تعال معي الى شجرة البانيان, سوف نمارس التأمل) . علق (هسه) بقصصه المبكرة التدليات الرومانسية الجديدة, واخترع وسط رواية (ذئب البوادي) نوعا سرياليا من الوجودية والف رائعته (لعبة الكريات الزجاجية او ماجستير لودي في عنوان الترجمة الانجليزية) بالضبط خلال السنوات حينما كان هتلر يعزز سلطته فيها, وابتكر صفاءه التقليدي الخاص, فالحضارة كلها مشفرة في لعبة شطرنج غير منتهية يجب لعبها مثل موسيقى الكواكب الفيثاغورية لكن في كون ساكن, وتم اكمال الكتاب في معقل سويسري لـ (هسه) في (مونتاجلونه) تماما في الوقت الذي اصبحت فيه (داخاو) و (اوشفيتز) مشغولتين, ولم يكن الاهتمام المتعاطف بالموضوع واحدا من اخطاء هسه. مع ذلك افتتن مواطنوه بعمله من حوالي سنة 1905 وحتى سنة 1962 فوضعوه في المرتبة مع توماس مان. في عام 1946 فاز (هسه) بجائزة نوبل للآداب اساسا عن روايته (لعبة الكريات الزجاجية) , ورغم ان انويته المطلقة العنان ارتفعت تقريبا الى مصاف الفن الرائع (كما دعاها احد النقاد, فمن الواضح ان تأملاته وجدت صدى قويا في هموم وامراض القرن الذي عاش فيه. في السيرة التي كتبها (رالف فريدمان) بعنوان: (هيرمان هسه: الحاج الى الازمة) وهو الماني يدرس الادب المقارن في برنستون يقوم باعطاء المؤلف فرصة واضحة كلية لابداء وجهة نظره. ان اعجابه بهسه لا يمنعه من ان يرى بوضوح الى اي مدى بدت شخصيته سخيفة وضعيفة احيانا. يتناول (فريدمان) . (هسه) بكثير من الجدية, لكن ربما يكون اي كاتب سيرة ميالا لذلك حيث كان هسه نفسه انسانا يفتقد الفاكهة على نحو يبعث الحزن. ولد في (كلاو ـ فيتمبرج) ابنا لمبشر مسيحي من مذهب التقاة وعمل في الهند في وقت ما, وحينما كان عمر (هسه) اربع عشرة سنة اشترى بندقية وحاول ان يرمي نفسه, وفسر احد الكهنة البروتستانت الحادث كحالة من (الجنون الاخلاقي) , وجاءته الميلانخوليا وهو شاب مثلما يأتي ضباب الغابة السوداء, واحيطت حياته بالعصابية الالمانية المزعجة وسواس المرض, التهديدات بالانتحار, العلاجات الطويلة والراحة في بادن, الافراط في تناول الكحول, كان (هسه) يعاني تقريبا وبصورة مطردة من الم واجهاد العين وامراض اخرى, وكان دائما على وشك الانهيار العصبي (في احدى المرات خضع لتحليل نفسي من قبل يونج), وبمعنى طبي بدا تجسيدا لانهيار القرن. ان النرجسي ليس استاذا روحيا جيدا تماما. لكن في حالة (هسه) كانت كل السمات المثيرة للسخرية موجودة, ورغم استغراقه الذاتي فإنه امتلك عبقرية الصداقة, ولأنه صوفي فقد كان مفاوضا صارما جدا مع ناشريه, ورغم ان نزاهاته الروحية لم ترم الى غرض ما فقد كان لديه على الاقل شيء من الايمان الراسخ المتجذر في العالم الحقيقي الذي حوله: كرهه للتكنولوجيا مثلا. لو ان الفعل يدل على الشخصية بالطبع فإن سمعة هسه لم تكن لتصلح كثيرا بجانب صمته السويسري المريح خلال سنوات هتلر, وزوجته الثالثة نينون كانت يهودية لكن عقل هسه كان ممزقا بالحوافز المتناقضة بحيث لم يستطع ان ينهض بنفسه ليتكلم حتى بعد ان حظر النازيون كتبه. حينما كان في العشرين من عمره كتب المنطوي المتألم الى اخته (آديس) : امن السعادة ان تكون قد ولدت انسانا؟, ان ذلك الرثاء للذات ظل يدفعه للخلف خارج العالم وفي احلامه الروحية. كان لدى هسه قصة حب مع الشرق مدى الحياة, لكنه حين جاء فعلا الى هناك مرة عام 1911 ورأى الشرق الحقيقي خاب امله. كان الهنود تحت شجرة البانيان بائسين, واحتاج هسه المسكين الى سنوات لكي يسترد حلم اليقظة البراهماتي, وحينما افلحت التفاصيل المحزنة في التحول بصورة كافية الى العزلة القاسية في دماغ المؤلف كان حينئذ مستعدا لشراء الشرق الروحي الفنان مرة اخرى.