لعل ابرز ما يعالجه الدكتور عبدالرحمن ياغي في كتابه (البحث عن ايقاع جديد في الرواية العربية) الصادر عن دار الفارابي ليس ثقافيا بحتا وانما يمكن رده الى اسباب سياسية تتداخل مع الواقع العربي وتعطيه صبغتها المتمزقة. ويرد ياغي تمزق المجتمعات العربية، الى غياب الوعي وغياب المنهجية العلمية والاضطراب في التعامل مع التراث الفكري الاسلامي ومع التاريخ. ويعرض للعلاقة بين الوحدة والثقافة العربية ووحدة الثقافة والرواية العربية. فاذا ما انحرفت الوحدة كانت شعارا خطرا على الجماهير. واما الثقافة فهي رؤية عامة للحياة والمجتمع, تتجسد في السلوك الفكري والوجداني والاخلاقي والذوقي للانسان عامة. واخطر ما تؤول اليه هو ان تفرغ من محتواها وتغدو ايضا شعارات وتصورات وافكارا نظرية.. والحقيقة انها تكمن في عمق التاريخ وتيار الحركة الاجتماعية المتجددة والمتطورة والنامية ابدا. ويدخل ياغي في حوار مع الايقاع الروائي العربي حيث يتحدث عن تحول وقائع الحياة والحقائق المختلفة الى ابعاد اجتماعية تتصل بالانسان وتحاوره. ويتناول البعد اللغوي في العمل الروائي مشيرا الى ان التعامل مع اللغة يشبه التعامل مع الحياة ومع التراث, وعلى هذا فالاتصال باللغة وحوار المبدعين معها يقتضي وعيا لحركتها منذ بداياتها وادراك كنهها. ويكمن الابداع في بعد القضية التي يتناولها المبدع وحرصه على محاورتها ومحاورة قضيته. وفي هذا السياق تناول ياغي بعض الاعمال الروائية الموفقة وبعضها الذي لم يوفق في حواره مع بعد القضية. واما الاعمال التي وفقت في ذلك فتجسدت في ثلاث روايات هي: (الشراع والعاصفة) لحنا مينه, (السفينة) لجبرا ابراهيم جبرا, و(الرحيل) لحليم بركات. فقد حرص هؤلاء المبدعون على الصلة التقليدية بين الخاص والعام, كونها انطلقت من التكوين النفسي والجسدي الخاص للأديب, وصولا الى المجالات الاجتماعية الموضوعية والمجالات الانسانية. ولعل هذه الاجتماعية هي التي تقرر انتماء الابداع الادبي للتيار العام العربي الذي يمضي بحركة الوحدة الثقافية الى الامام. واما الروايات التي لا تخدم المسيرة الثقافية العربية نحو التوحيد فقد اختار الكاتب منها روايات من الاردن هي (الكابوس) لامين شنار, (انت منذ اليوم) لتيسير سبول, و(ليلة في القطار) لعيسى الناعوري التي يضعها عجزها في الصف المقابل لحركة المسيرة العربية الثقافية الطامحة الى بلوغ الغايات الموحدة والنتائج المثمرة. وفي الاطار نفسه يتحدث عن الابداع بغير اللغة الام, مشيرا الى ان لغة الامم الاستعمارية لا تحمل بالضرورة سوء هذه الامم وسمومها, لأن الالتفاف الواعي حول لغات المستعمرين يسمح بالنفاذ الى اعماق تاريخهم وتجاربهم التاريخية, وبالتالي يمكن الكتاب والادباء من الاطلاع على التاريخ القومي والعالمي في ضوء فكر مستنير ووعي متفتح, وفي السياق يعرض للعديد من الكتاب والادباء الذين ابدعوا بغير لغاتهم الام عارضا لما افادوا منه في تجاربهم الابداعية. ويفرد ياغي فصلا خاصا بالرواية في المغرب العربي, ويقوم الواقع الروائي تقويما شاملا في الوطن العربي عموما لاسيما اثر الهزيمة في مواجهة الصهيونية, وقد كانت الحركة الوطنية في الخمسينيات بأبعادها السياسية والثقافية تعبيرا عن تحرك يدور في قاع المجتمع, من هنا عمق وتأثير ما انتجته هذه الحركة في الحقل الثقافي من جهة وقوع بعض الاعلام الثقافية في متاهات لا اول لها ولا اخر من جهة ثانية. ويعدد بعض الكتاب الذين صمدوا في الخط الوطني المعادي للامبريالية والصهيونية والاستغلال والاستعمار, مؤكدا ان الدور الاساسي في بناء الحياة هو للجماهير الشعبية التي تملك اليد المنتجة. من هنا قيمة واهمية الحركات والتيارات المقاومة. فقد امتد صوت المستضعفين والجماهير الشعبية وانتشر, واخذت الرواية تتبع الاسماء والاشخاص والحوادث من واقع الحياة العربية ولا تصطنعها من وحي الخيال. وراحت الواقعية النقدية تترسخ كما تخلص الروائي العربي من عقدة الجري وراء الازياء الروائية ليظفر بالفوز الروائي في محيطه, وباتت قضية التغيير هاجسه الاساسي الى جانب تحليل الواقع الفاسد, مما جعله واضح الاتجاه, غير مضطرب ولا متناقش في مواقفه. وراح المبدعون يمعنون في نبش التاريخ العربي في مراحله الحديثة من حركة التاريخ العربي, ويحاورونه حوارا واقعيا جدليا من خلال اعمالهم. وختم كتابه مخصصا فصولا ثلاثة اخيرة لكتابات محمد شكري, وملقيا الضوء على رواية (إخطية) لأميل حبيبي وعلى رواية باب الشمس للياس الخوري.