كيرالا منطقة صغيرة في جنوب القارة الهندية. وهي بعيدة عن البلاد العربية الا ان لها ارتباطا وثيقا بلغة العرب وثقافتهم منذ عهد قديم. وقد انجبت كيرالا من الشعراء والكتاب الذين عبروا عن افكارهم وعواطفهم في العربية نظما ونثرا. تقع كيرالا على سواحل البحر العربي. والعرب هم الذين اطلقوا عليها اسم مليبار. وهي بقعة ارض مزدحمة بسكان ينتمون الى اديان مختلفة. والاغلبية للهنادكة ثم النصارى والمسلمين فاليهود. رغم التقاليد الدينية مازال سكان كيرالا يتكلمون لغة مليالم الشعبية. وحينما لم يكن لهذه اللغة خط يعرفها العوام كتب المسلمون من قديم امورهم الدينية في تلك اللغة مستعملين الخط العربي. وعرفت هذه الكتابة فيما بعد بالعربية المليالمية. وتعلموا اللغة العربية كي يستطيعوا قراءة القرآن وكانوا يتعلمون ايضا العلوم المادية من الكتب المكتوبة في اللغة العربية. والمسلم حين يلقى اخاه يسلم عليه باللغة العربية فهذه اللغة لها ارتباط وثيق بحياة المسلم الروحية والمادية وهي لغة العالم الاسلامي سارت مع هذا الدين من الاندلس الى الصين وحينما استوطن المسلمون الهند دخلت معهم واستقرت في ارجائها. وهكذا انتشرت في المنطقة الكلمات العربية ان بعضها دخل الى لغتها الأصلية ثم انجبت تلك الالفاظ بلغة مليالم حيث لا يمكن اليوم ردها الى اصلها العربي ويستعملها المسلم وغير المسلم على انها مفردات مليالمية. بدأ مسلمو كيرالا بتعليم اولادهم دراسة القرآن والافكار الدينية في الحلقات الدراسية وفي المساجد ثم تطورت تلك الحلقات وصارت فيما بعد مراكز العلم الكبيرة وسميت بالمدارس المساجدية. ولما دخل الاسلام الى كيرالا واعتنقه اهلها احتاجوا ان يدرسوا عن الاسلام, فاجتمعوا في الحلقات الدراسية التي انعقدت في كل مساجد هذه البقعة ولكنه يصعب الحصول على ادلة تاريخية واضحة لها في شمال الهند. والحلقات الدراسية في المساجد كانت موجودة في عهد الرسول وقد نشطت اقامة المعاهد الدينية والمكتبات الى جانب المعابد فكانت ايضا من عادات الهنادكة في الهند توارثها من البوذيين. واصبحت المدارس في كريلا مراكز التعليم والتدريب الدينية على امتداد عدة قرون متوالية وارتفع بعضها الى ذروة الشهرة ونبغ فيها علماء وادباء اشتهروا في الآفاق الاسلامية وسافر بعضهم يطلبون العلم من منبعه الاصلي في البلاد العربية ومنهم الشيخ عبدالرحمن المليباري الذي ارتحل الى دمشق وقرأ الاحاديث على العلامة احمد عبدالواحد وتلقى منه العلوم في القرن السادس للهجرة. وعبدالله بن احمد الكاليكوتي الذي ارتحل مع اخويه القاسم وابي بكر الى مكة المكرمة عام 789هـ وتلقوا الاحاديث من الحافظ السخاوي الذي اجاز لهم في رواية الاحاديث. واشتهر بعضهم بتأليفاتهم العربية في النثر والنظم. وقدم الى كيرالا ايضا بعض العلماء من البلاد العربية قديما مثل عبد الكريم ابراهيم الجيلي الذي جاء الى كوشن سنة 790هـ. وقد تأسس مركز شهير للدروس الاسلامية في القرن السادس الهجري او قبله ووصل الى الذروة في عهد المخدوم زين الدين بن علي (1467 ـ 1521) حيث كان يدرس فيه طلبة من ماليزيا وغيرها من البلاد الخارجية. وكان هذا المركز يلقب بالازهر. ومن البارزين فيه شهاب الدين احمد بن عثمان اليمني والشيخ احمد زين العلي بن محمد الغزالي المتوفى سنة 994هـ. ويذكر الرحالة الشهير ابن بطوطة انه رأى في بعض نواحي كيرالا هذه الدروس المساجدية. وكان الطلبة بدروس المساجدية يسكنون على سطح المساجد في مبان خاصة. وكانت تدرس في هذه المراكز علاوة على الدراسات الاسلامية اللغة العربية وسائر الفنون والعلوم المعروفة في تلك العصور مثل المنطق والمعاني وعلم الكلام وعلم الافلاك والنحو وعلم الحساب والجغرافيا والتاريخ وغيرها. وفي جملة المعلومات الاسلامية تفسير القرآن وعلومه والحديث واصوله والفقه والتصوف والقصائد العربية والقواعد والسيرة النبوية. ولما كثر عدد الطلاب في الحلقات الدراسية بالمساجد نقلت الدروس الابتدائية الى مبان خاصة عرفت بالكتاتيب. وكان طلابها يتدربون على قراءة القرآن وحفظ بعض الادعية. ولم يزل صغار المسلمين يلحقون بهذه الكتاتيب حتى اذا بلغوا سن التمييز. وفي اواسط القرن العشرين جرت بعض التطورات على التعليم الديني على ايدي مصلحين من امثال الشيخ شالاكت كنج احمد الحاج المتوفى سنة 1338هـ. وحرص المسلمون على تعليم صغارهم اللغة العربية ولغة مليالم في وقت واحد. وكانوا متأخرين جدا في دراسة لغتهم الاصلية ودامت حالتهم على هذا النحو حتى العصر الحديث في منطقة مليبار. ارتفع في بعض انحاء كيرالا عدد المدارس الابتدائية والدينية ولكن بقي للكتاتيب جمهور وظلت قائمة كما هي الى ان تبدلت فيما بعد الى مدارس مدينة اقرتها الحكومة المنطقية. فالدراسات الدينية فيها انحصرت خارج الدوام الرسمي واخيرا لما استقلت الهند سنة 1947م ازيلت تلك الدراسة من داخل المدارس نهائيا. ففكر المسلمون في كيفية تدريس صغارهم العلوم الدينية فأقاموا مدارس خاصة. مناهج تعليم دراسية مقررة وجمعيات تعتني بهم كثيرا. وفي سنة 1951 تم تأسيس مجلس التعاليم الاسلامي برئاسة العالم القدير محي الدين المولوي المتوفى سنة 1957. وكان لهذه الحركة نفوذ عظيم بين المسلمين. وقد بلغ تعداد المدارس المسجلة تحت اسم هذه الجمعية يفوق ستة آلاف مدرسة وللجمعية مفتشون لمساعدة المعلمين لمعرفة المناهج الجديدة. اما اصحاب جمعية العلماء بكيرالا فأقروا بعض المناهج الدراسية لتربية الصغار وفق العقائد السلفية ولهم جمعية تعتني بهذه الامور وان كانت مدارسهم قليلة جدا واهل الجماعة الاسلامية لهم ايضا هيئة منظمة للدراسة الاسلامية تسمى مجلس التعليم الاسلامي وكتب دراسية خاصة. وتحولت لاحقا بعض الدروس المساجدية الى كليات عربية اذ تضم كيرالا حاليا أكثر من اربعين كلية تنقسم الى قسمين كليات اقرتها الحكومة واخرى لم تقرها. والقسم الاول تصل بعضه منح حكومية لرواتب الاساتذة مباشرة وقسم اخر يتلقى مساعدة مالية. وبعد استقلال الهند من قيود البريطانيين قامت حكومة مركزية واستقلت ولاية كيرالا. وبعد الفراغ من المراحل الابتدائية والثانوية يتابع الطلبة دروسهم في كليات للفنون والعلوم بها تسهيلات لدراسة اللغة العربية في فصل ما قبل البكالوريوس حتى الماجستير. وفي جامعة كاليكوت التي اسست سنة 1973م قسم خاص للغة العربية تجرى فيه رسائل الماجستير والبحوث في اللغة العربية حول موضوعات مختلفة.