تحت الطبقات التي تغطي جبال ووديان لبنان تمتد مناجم من حفريات الاسماك النادرة لكن ليس بمقدور اي كان ان يذهب ويمارس هواية الصيد هناك, فالاهالي يحمون جيدا مصائد الاسماك تلك التي تعود لخمس وتسعين مليون سنة على الاقل, حسب تقديرات العلماء. في السوق المفتوح للجميع يمكن لحفرية سمكة كاملة ان تباع بثلاثة آلاف جنيه استرلين. ومع ان خبراء حفريات الاسماك الفرنسيين والبريطانيين لا يمتلكون الميزانيات اللازمة لشراء الكثير من هذه العينات الجميلة والكبيرة, الا انهم يتنافسون فيما بينهم للحصول على اكثرها افادة من الناحية العلمية. في قرى حجولة ونموره وغيرها من قرى لبنان تخضع قطع الاراضي الصغيرة المنقب فيها لحراسة مستمرة, فالاهالي يعرفون جيدا قيمة هذه الحفريات وكثير منهم يعتمد في معيشته عليها, ومن هنا فالمسألة لقمة عيش والحفاظ عليها اكثر من واجب. وتغطي الهياكل العظمية السمكية بعضا من السطوح المنبسطة المدفونة تحت طبقات الارض التي كانت سابقا قاع بحر في العصر السينوماني قبل 96 الى 93 مليون سنة. ومعظم حفريات اسماك ذلك العصر لاتزال تحتفظ بعظمها, حيث بقيت بل ان بعضها يحتفظ بالحراشف التي تغطي اجسادها. ويعثر احيانا على حفريات اسماك مفترسة كبيرة لاتزال بقايا الفريسة في معدتها, فكل شيء بقي, وذهب اللحم واللون وحدهما. والحفريات التي يعثر عليها في تلك الوديان والتلال ذات منظر ساحر وغامض وفاتن, ويبدو كأنها كرسوم الكرتون مع انها تحف طبيعية رائعة, بعضها يشع بالوانه الزرقاء والخضراء نتيجة لتغطيتها بطبقة رقيقة من الخامات المعدنية بعد زمن طويل من موت السمكة وتراكم الطمي والصخور عليها. اذا ما دخلت منزل احد صيادي الاسماك الاثرية هذه لوجدت الحفريات مصنوعة في انحائه وكأنك في محل للاسماك يعود لما قبل التاريخ بانتظار المشترين الذين يأتون للمساومة على الاسعار. ومنذ اواخر القرن التاسع عشر حين اكتشفت اولى هذه العينات وجدت افضلها حالا طريقها لمختلف انحاء العالم. اما افضلها على الاطلاق فينتهي بها المطاف كأثر في متاحف سويسرا والمانيا واليابان والولايات المتحدة. لكن الصغيرة منها والاقل حظا فيمكن ان تباع في المحال التي تستهدف زبائنها من السياح. ومن اهم ما يجذب العلماء المختصين وهواة هذه الانواع من الحفريات الى لبنان هو تنوعها الغريب والتي تضم انواعا كثيرة من القرش والشفنين ومعظم الاسماك الفقارية التي تهيمن الان على محيطات العالم. ويوجد في العالم الان اكثر من 18 الف نوع من الاسماك الفقارية, لكن في العصر السينوماني كانت هذه الانواع في بداية تطورها وبالتالي فإن المستعمرات المتوفرة في لبنان تفتح بابا واسعا امام معرفة تطور هذه المجموعة الواسعة. وعلى سبيل المثال بنى المتحف الوطني البريطاني للتاريخ الطبيعي في لندن مجموعته الرائعة عن هذه الانواع من الحفريات التي جلبت من لبنان بين عامي 1962 و 1993. والعديد من هذه الحفريات وصلت لندن عن طريق الدكتور كليف ويفير من جامعة مانشستر وبينها حفريات لأنواع لم يكن يعرفها العلماء من قبل, والعديد منها ايضا اكتشف في المنحدرات الجبلية حول قرية النمورة وتخضع الان لدراسات يجريها الدكتور بيتر فوراي من المتحف والخبير بمستحفات الاسماك. والدكتور فوراي مفتون بهذه الاسماك اللبنانية والتي تتنوع من ذات الاسنان الطاحنة المدورة كسمكة البيضاء الحالية التي تتغذى على الشعب المرجانية الى الاسماك الشبيهة بالانكليس وبعضها شبيه بالاسماك المعاصرة التي تعيش في الاعماق بأسنان يصل طول بعضها لثمانين ميلمترا وعظام رقيقة جدا. لكن يشير الدكتور فوراي الى ان وجود نباتات برية متحجرة يظهر (بأن الارض لم تكن بعيدة, وربما الى الشمال) . وهذا يوحي بأن لبنان كان قريبا من الشاطئ الشمالي للمحيط تيثيز وهو المحيط الواسع الذي كان يمتد فوق معظم اوروبا والشرق الاوسط حاليا. ويذكر ان الصورة المعروفة لكوكب الارض في العصر السينوماني هي الارض التي تهيمن عليها الديناصورات التي تجوب القارات والزواحف العملاقة الطائرة التي تجوب الاجواء, لكن محيط تيثيز كان مليئا بالاسماك وانواع الحياة البحرية الاخرى, وبعضها معروف لنا الان فيما الاخر ليس كذلك. جلال الخليل