مصادفة لا يعرفها الكثيرون من المهتمين بدراسة تاريخ الحركة الوطنية المصرية الحديثة, وهي ان السفينة التي حملت سعد زغلول من منفاه الثاني إلى مصر, بعد أن أصدر الانجليز قرار الافراج عنه, هي نفسها السفينة التي حملت هدى شعراوي. وكان ذلك في العام نفسه الذي اشتركت فيه هدى شعراوي مع زميلتها نبوية موسى وسيزا نبراوي في المؤتمر الذي عقده الاتحاد النسائي الدولي في العاصمة الايطالية روما, في الفترة من الثاني عشر إلى التاسع عشر من مايو 1923. والمصادفة دالة إلى حد كبير, سواء في بعدها الأول الذي يجع ما بين دلالتي الانتصار السياسي والتقدم الاجتماعي, أو في بعدها الثاني الذي يكشف عن مفارقة العلاقة بين المرأة الثائرة على وضعها الاجتماعي والزعيم السياسي للأمة الذي أخذت تصرخ طالبة باستقلالها التام أو الموت الزؤام. أما الزعيم الذي أعادته الأمة من منفاه بواسطة ثورة 1919, مؤكدة تغلب ارادتها على إرادة المحتل, فسرعان ما عاد إلى سيرته النضالية, ودعا الأمة في السابع من ديسمبر سنة 1921 إلى مواصلة الجهاد, ولم يأبه بانذار السلطة العسكرية الانجليزية له بعدم القاء الخطب وحضور الاجتماعات العامة أو الكتابة في الصحف, ومضى على ما عاهد بني وطنه عليه من انتزاع الاستقلال, فأجابت السلطة البريطانية باعتقاله مع زملائه في صباح الجمعة الثالث والعشرين من ديسمبر. ونفي سعد زغلول للمرة الثانية إلى جزيرة سيشيل في المحيط الهندي بالشمال الشرقي لجزيرة مدغشقر. ولحق به زملاؤه الذين أقاموا معه هناك لفترة إلى أن نقل من الجزيرة الكئيبة إلى جبل طارق بسبب ظروفه الصحية, وظل هناك إلى أن اضطرت السلطة البريطانية إلى الافراج عنه, تحت وطأة الضغط الشعبي والمقاومة المستمرة. وصدر قرار الافراج في السابع والعشرين من مارس سنة 1923, وتم الافراج الفعلي عنه بعد ثلاثة أيام من صدور القرار, فسافر من جبل طارق إلى فرنسا, قاصدا اكس ليبان للاستشفاء, وظل هناك إلى أن تحسنت أحواله الصحية, فعاد من فرنسا إلى مصر, مارا بايطاليا, بواسطة البحر. وكانت الأحوال السياسية في مصر قد تغيرت مع تعاقب وزارتي عدلي يكن وعبدالخالق ثروت, وتصريح 28 فبراير باستقلال مصر الشكلي, وذلك في تعاقب الأحداث التي أفضت إلى تأليف عبدالخالق ثروت لجنة وضع مشروع الدستور وقانون الانتخاب سنة 1922, وتأسيس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر من العام نفسه, ثم استقالة وزارة ثروت وتولي وزارة محمد توفيق نسيم في نهاية نوفمبر سنة 1922, واستقالة الأخيرة بعد ذلك بشهرين, وتولي وزارة يحيى إبراهيم التي جاءت في منتصف مارس سنة 1923 لتهدئة التوتر الشعبي والعمل على اصدار الدستور الذي أطلق سراح سعد فعليا قبل صدوره رسميا بحوالي عشرين يوما لتفريغ شحنات التمرد الوطني من النفوس, ومن ثم عدم الانفجار مع عودة سعد الذي لم يثنه عن العودة المباشرة إلا رحلة الاستشفاء التي كان في أمس الحاجة إليها, خصوصا بعد أن بلغ العام السادس والستين من عمره, وبعد أن نالت منه ظروف الاعتقال القاسية. أما المرأة الثائرة هدى شعراوي فكانت تحيا في سياق متواصل من أفعال التمرد السياسي والاجتماعي التي دفعتها إلى قيادة المظاهرة الأولى للنساء سنة 1919, والانغماس المباشر في الحركة الوطنية في أعقاب ثورة 1919, الأمر الذي ترتب عليه اصطدامها بحكومات الأقلية المعادية للوفد لارتباطها الوثيق بلجنة الوفد المركزية للسيدات المصرية. ولكن ذلك لم يمنعها من اتخاذ بعض المواقف التي أدت إلى نوع من اللبس في علاقتها بزعيم الأمة الذي كانت تربطه علاقة نضالية بزوجها علي شعراوي باشا. ومن هذه المواقف البيان الذي أذاعته عقب اطراء سعد زغلول في منفاه موقف نسيم باشا من السودان. وهو بيان هدف إلى ألا يظن الناس انها تشارك سعد زغلول آراءه في مدح نسيم الذي تنازل عن حق مصر في السودان. وقد قابلت هدى شعراوي سعد زغلول على الباخرة التي حملته في رحلة العودة من فرنسا. وكانت تقضي اجازة في ربوع أوروبا, بعد أن قامت في القاهرة بمحاولات جاهدة لتنفيذ ما تعاهدت عليه في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في شهر مايو. وقد رست باخرة سعد في ميناء (برنديزي) الذي كانت هدى شعراوي تنتظر فيه لتقلها الباخرة نفسها إلى مصر بعد انتهاء اجازتها السنوية. وبالطبع, عاتبها سعد على موقفها في البيان الذي أصدرته, ولكنها قامت بتصفية ما في نفسه, وتوضيح موقفها الذي لا يتعارض مع ما انبنت عليه سياسة سعد من مبادئ وطنية جعلته زعيم الأمة بلا منازع. وبعد أن هدأت النفوس, عاودت البشاشة وجه سعد زغلول الذي كان يكن لهدى شعراوي معزة خاصة. وانطلق الحديث المرسل بينهما في اتجاهات متعددة شاركت في الاهتمام بها صفية زغلول حرم زعيم الأمة. وتحكي هدى شعراوي في مذكراتها ان سعد زغلول أخذ يمتدح توفيقها في الوصول إلى رفع الحجاب وكيفية عمل الحجاب الشرعي الذي أصبحت ترتديه (مجرد غطاء للرأس مع وجه سافر). وقال لها انه سر عندما رأى صورتها بهذا الزي الجديد في منفاه. وطلب من حرمه ان تقلد هدى شعراوي, فوعدت بذلك. ومضت فترة السفر في وفاق وائتناس فيما تقول هدى شعراوي, وسعد باشا في تواضع غريب حتى اقتربت الباخرة من الاسكندرية. وبينما كانت هدى شعراوي جالسة مع صفية هانم على ظهر الباخرة, أقبل سعد باشا متهللا بيده برقية, وقال: صفية.. أتدرين ممن هذه البرقية؟ قالت: لا. قال: هي من إسماعيل باشا أباظة. وقرأ على زوجته وهدى شعراوي ما معناه: (أكتب إليك هذا, وأنا على حافة القبر, ولا أنتظر من الحياة شيئا وليس لي مطمح فيها, راجيا أن تزيل كل خلاف بينك وبين خصومك في البلاد, وأن توحد صفوف الأمة لخدمة الوطن) . قالت له صفية هانم: وهل ستجيب عليها؟ فقال: أنا؟ وسكت.. وتقول هدى شعراوي إنها أدركت من تغير سلوك سعد ان عظمته قد عادت إليه لما فهم من هذه البرقية ان الأمة المصرية ما زالت تؤيده. وما كان ذلك التواضع الذي لاحظته إلا لظنه انه فقد شيئا من ثقة الأمة بتحبيذه موقف نسيم باشا الذي أغضبها. ولكنه فهم من برقية إسماعيل أباظة ان مركزه لا يزال محفوظا, وإلا ما تنازل إسماعيل أباظة بكتابة البرقية إليه. وقد زاد من اطمئنان سعد وثقته ذلك الاستقبال العظيم الذي ظهرت بوادره عند دخول السفينة البوغاز, فقد التفت حولها القوارب المليئة بالجماهير الهاتفة باسم سعد. وتمضي هدى شعراوي قائلة في مذكراتها انها صعدت إلى ظهر الباخرة للنزول, فإذا بصفية هانم تقابلها ببرقعها وملاءتها, فقالت لها هدى شعراوي: (أين وعدك لسعد باشا بارتداء الازار الشرعي؟) , فقالت: (أنا ليس لي زوج واحد.. واصف باشا غالي استحسن ألا أغير زيي حتى لا أحدث تأثيرا في المستقبلين) . وتعجبت هدى شعراوي التي صافحت أم المصريين, ونزلت إلى اللنش الذي كان في انتظارها, سافرة كما اعتادت على الظهور أمام الناس منذ أن عادت من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في روما. وربما كان التعقيب الذي يمكن أن يخطر على البال, ازاء هذا الجزء من مذكرات هدى شعراوي, انها قد أبرزت الوجه السياسي لعدم سفور صفية زغلول التي ردت بأنها ليست ملكا لسعد زغلول وحده, بوصفها أم المصريين من ناحية, وعلاقتها بزعامات الوفد من ناحية ثانية, ولذلك آثرت الابقاء على البرقع والملاءة, وقبلت الرأي المحافظ الذي خاف من استفزاز مشاعر المستقبلين, خصوصا إذا رأوا زوجة سعد زغلول زعيم الأمة وعدو الانجليز تسفر عن وجهها كما تفعل السيدات الانجليزيات. ولكن سواء كان ما انتهت إليه صفية زغلول ونفذته. بناء على مشورة واصف باشا غالي, صوابا أو خطأ, فإن الدلالة المحافظة في سلوكها تبرز بالقياس إلى الدلالة الجذرية في سلوك هدى شعراوي التي لم تأبه بأن تصدم الجماهير بما اعتقدت انه الحق, وما آمنت انه لا يتعارض مع فهمها لصحيح الدين واحترامها لكرامتها وحرصها على تحرير بنات جنسها في الوقت نفسه. وسرعان ما أثبتت الأيام صواب رأي هدى شعراوي, فقد كان سفورها بداية سفور غيرها من نساء طبقتها اللاتي نقلن عدوى السفور إلى الطبقات الأخرى في الممارسة الحياتية العامة, وذلك على نحو تسارع معه ايقاع السفور مع تسارع ايقاع حركات التمرد الوطني على كل التقاليد الجامدة التي ظلت تحول دون الاستقلال التام والتقدم الواعد. ولا أدل على ذلك من ان صفية زغلول نفسها سرعان ما رفعت البرقع, خصوصا عندما وجدت ان الكثيرات حولها قد سرن على درب هدى شعراوي ونبوية موسى وسيزا نبراوي ومن تبعهن من عضوات الاتحاد النسائي المصري. ولا أدل على ذلك, أيضا, من الواقعة التي نقرأ عنها في عدد شهر مارس سنة 1930 من (المجلة الجديدة) التي كان يصدرها سلامة موسى, خصوصا حين ذكر ما فعله سعد زغلول عندما وقفت أمامه إحدى الخطيبات وعلى وجهها البرقع, فنهض وأزال بيده البرقع, فخطبت سافرة دون أن تجد هي أو يجد أنصار سعد حرجا في ذلك. فقد أصبح السفور واقعا مقبولا, وتقلصت مقاومته نتيجة إلحاح الرائدات الجسورات, وارتفاع رغبة التحرر في النفوس وتصاعد أحلام التقدم في الوقت نفسه. وتتأكد دلالة هذه الواقعة الأخيرة في انها, لو صحت, لابد أن تكون حدثت خلال الأعوام الأربعة التي أعقبت عودة سعد من منفاه, أي من سنة 1923 إلى سنة 1927 التي توفي فيها عن سبعين سنة, الأمر الذي يعني ان سعد زغلول عندما عاد من منفاه الثاني قد رأى متغيرات حاسمة, منها ممارسة المرأة المصرية لسفورها الذي بدأت مقدماته مع ثورة 1919 التي كان سعد نفسه في القلب منها, كما كان عليه أن يمضي مع موجها الصاعد الذي حمل معه المرأة التي اكتملت لها حرية ارادتها في ممارسة سفورها.