نعلم جيدا وكل المتابعين لمجريات الترويج لاتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات W.T.O) بأن كل دول العالم لها الحق في القبول أو الرفض وان كان أحد الموقفين قد يضر بالبلد المعني. وإذا كانت أوروبا تفكر فقط في مصالحها الخاصة فإن المعادلة الاقتصادية لن تستقيم لصالحها أولا قبل أي دولة أخرى, فسنة الأخذ والعطاء يجب ألا تغيب عن اطار تفكير المعنيين بالأمر. اقرأ ما تردد مؤخرا عن اندهاش الاتحاد الأوروبي من امكانية تهديد دول الخليج العربية بوقف المفاوضات الرامية إلى ابرام اتفاق تجارة حرة إذا لم تأخذ أوروبا الأمر بجدية أكبر. وأوروبا في مقامها وقوتها التفاوضية تدرك جيدا سر هذا التهديد أو التحذير الذي ورد في مذكرة لوزارة الخارجية السعودية, وقد أقرتها دول مجلس التعاون الخمس الأخرى, مما يوحي بالاجماع بحيث يتوقف الجميع فورا أو ستلغى اتفاقية التعاون إذا لم يقبل الاتحاد الأوروبي بوجهة النظر الخليجية. وان لم يرد في الخبر سر هذا التحذير المتفق عليه فإن مضمون هذا السر يوحي بأن المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية - المزمع توقيعها بأسرع وقت ممكن - هي الدول الخليجية الست. وإذا كان وزننا في هذه المعادلة أقل من وزن الاتحاد الأوروبي فهذا لا يبرر تقديم التنازلات تلو الأخرى خاصة وان هذه التنازلات المطلوبة لن تضيف إلينا وزنا أكبر وإلا كنا في حل من التحذير والتهديد منذ البداية ولم تكن هناك حاجة إلى مذكرة خاصة بهذا الشأن. وحتى إذا لم نكن بوزن الاتحاد الأوروبي من وجهة نظره, كذلك لا نرضى لأنفسنا أن نكون من فئة أوزان الريشة ولا نقبل أن نطير في مهب الريح. الانصاف هنا هو السيد الذي يجب أن يتحكم في ارساء دعائم المصلحة المشتركة لجميع أطراف القضية الاقتصادية التي يراد لها أن تكون إحدى أدوات العولمة القادمة على الكل. وتاريخ دول مجلس التعاون منذ انشائه شاهد صدق على التوجه نحو قبول تيار العولمة وجاء الدليل من وحي العمل وليس القول المجرد. ولا ننسى انها لم تقف يوما في موقف الضد أو الند من سريان موجة المصالح بين الجميع. ولقد زال سبب تعثر محادثات اتفاق التجارة الحرة بين الجانبين عندما توصلت في نوفمبر الماضي إلى اتفاق على تعرفة جمركية موحدة يبدأ العمل بها اعتبارا من مارس 2005م. وهذا دليل على ان الأمور تمضي قدما إلى الأمام لصالح الجميع, فلم هذا التلكؤ الذي بدأ الاتحاد الأوروبي اظهاره الآن بالذات, فالاندهاش من قبله غير مبرر من الناحية الواقعية لوجود درجة من العلاقات المنسجمة بين الجانبين منذ ان كانت هناك علاقة ما بأوروبا قبل أن يكون هناك شيء اسمه اتحاد أوروبي, من حقنا هنا أن نعارض اندهاشها باندهاش مضاد يفسر سر هذا السلوك الجديد ولكنه غريب في هذا الوقت. د. عبدالله العوضي