ان الادب في صراع دائم مع قوى الشر, لأنه كلمة محشوة برصاص الحق يوجه الى الظلم والقهر والجهل. وهو بهذا المعنى, حامل رسالة انسانية تقدمية حضارية ومستقبلية, يخوض من اجلها صراعا مستمرا على جبهات عدة, ويستنهض من اجل الفوز في ذلك الصراع، طاقات حيوية من مثل: مواجهة عوامل الضعف في الذات كي لا تنحرف او تنجرف بدوافع وبواعث وعوامل الاغراء والاغواء, والاستسهال والانبهار, الضغط والقمع والتضييق والاضطهاد. ومواجهة مع السياسات التي تريد تبعا وبواقين واقنانا ومصفقين, واعلاميين من نمط خاص, ومعلنين مزوقين في عصر الاعلام والاعلان هذا. ولا ترغب السياسات الديكتاتورية في رؤية الادب الا ساجدا مسبحا مهللا مكبرا, وتريد ان يموت دور الموقظ للوعي بالذات وبالحق وبالحرية لتبقى على حالة اسواق الاستعراضات الجماهيرية العصرية, حيث لا وجوه بل معالم وجوه, ولا ذوات متمايزة او متميزة بل كتل لحمية متباينة الحجوم, ولا شخصيات لها حس المواطنة التامة او حقها, انها تريد كتلا هلامية من الجماعات التي يجمعها طبل وتفرقها عصا, والتي تردد حتى لو نعق الغراب. وهو في مواجهة مع تقنيات العصر بأنواعها, مع وسائل الاتصال الحديثة تلك التي تريد مصنعا معلبا مسطحا مبرمجا, يستخدم اسلوب الرسائل المرمزة (الشيفرة) ليسهل خزنه واستثماره في مصارف المعلومات, وليسهل ايضا نقله وابتلاعه في عصر السرعة. وتراه حائرا في امر المستقبل, كيف يقتنص قراءه, وكيف ينعش الانسانية الضامرة في الكائنات البشرية, كيف يتخلص ويخلص الناس من سطحية وأضرار تعليب المعلومات وتصنيعها وبثها اعلاميا دعاويا ضاغطا بأحد اتجاهين فقط: مع او ضد, من خلال الاذاعات المرئية والمسموعة, كيف يخلص الانسان من دوامة استهلاك طاقته وتفريغه, ومن دوامة الركض وراء فرصة عمل ورغيف خبز, في عصر الضائقات الاقتصادية والمجاعات والجائحات الكبرى, وتهديد الجوع والانفجار السكاني وملاحقة كابوس الرعب النووي له, ذلك الذي عسكر بانتظاره حتى في الهواء والفضاء والكواكب البعيدة؟ وعلى هذا النحو يمكن القول ان الاديب والكاتب في هذه المواجهة من اجل الانسان والحضارة والحرية والحقوق الانسانية, من اجل الحياة ومستقبلها, لابد ان تتوافر له ـ قبل كل شيء ـ الحرية.. والحرية هي جاهزية سلاح الكلمة لدى الكاتب والاديب والمفكر, اولئك الذين يقفون في جبهة المواجهة المستمرة للدفاع عن الشخصية الثقافية للأمة وعن حضارتها وحيوية ابنائها, في وجه اشكال الغزو والاستلاب واحتلال العقول والارادات والضمائر الذي اخذ يحل في عصرنا محل احتلال الارض. وحرية الكاتب خصوصا, وحرية الانسان عموما, ليست كلمة, وليست نصا, ويوفر لممارسيها مقومات العيش الحر والتصرف الحر. انها تتصل لدى الكاتب بالاطمئنان والاستقرار النفسي والاجتماعي, وتتصل بتوافر حد ادنى من مستوى المعيشة, ومن الضمان الصحي والاجتماعي, تتصل بتوفير شروط للعيش والعمل لا يشعر فيها المبدع خاصة والانسان عامة بأنه مهدد بالحرمان ـ اي شكل من اشكال الحرمان ـ اذا مارس حريته او اذا خرج عن حدود الطريق المرسومة للتفكير والتدبير. ولأن الكاتب بحكم تكوينه وانتمائه ورسالته وسلاحه ودوره ـ طليعة لمجتمع ولأن عمله متصل بمصادمة الخطأ والخلل والفساد وبالكشف عن مقوم الاصلاح والتقدم داخل اعماق الذات, وخفايا وظواهر الواقع, متصل بالريادة والاكتشاف لآفاق الارادة الواعية في ممارسة الحرية المسئولة واضفاء السعادة واستثمار معطيات العمر والواقع بما يحقق سعادة هي للذات كما هي للغير, للفرد كما هي للمجتمع, ولأمتنا كما هي لسائر الامم لأنه كذلك فإن عليه ان يكون مستعدا لاستعمال سلاحه في هذه المصادمة وسلاحه الكلمة, والكلمات على حد تعبير (برايس براين) (مسدسات عامرة بقذائفها) فكيف يطلق هذه القذائف اذا كانت اصابعه مشلولة؟ ان شرط استخدام الجندي لسلاحه هو امتلاكه للسلاح وجاهزيته. مهيدي عبدالقادر