منذ عائشة الارناؤوط, وسنية صالح, في ستينيات وسبعينيات قرن مضى, والمشهد الثقافي السوري, لم يزل ينتظر اصوات شعر بحناجر النساء. هذا لا يعني ان الشعر السوري المعاصر, الذي يسيطر على غالبية (برلمانه) الرجال, لم يترك للشاعرات بعض المقاعد: مقعد لمرام مصري, مقعد لهالا محمد, وربما مقعد في انتظار ثالثة الاثافي. سنذكر بالطبع هاهنا: ريادة (مريانا مرّاش) الحلبية, وصالونها الادبي ـ قبل مي زيادة بكثير ـ والدور الاجتماعي لقصائدها, دون ان نغض الطرف عن محاباة شعرها للولاة والسلاطين وتلك التي تصنع للمناسبات العامة. ثمة اسماء ما بين ريادة مريانا المرّاش وبين ارتياد شاعراتنا للمستقبل, غير انها لم تؤسس لصوت يتعدى هواجسها كأنثى الى هواجس الكائن البشري ثم الى هواجس الكائن الشعري. كأن الصوت الشعري للأنثى, لايزال يدفع ضريبة اضماره منذ انتصار (جلجامش) على (عشتار) , ثم عليه كلما تجلى في صوت جديد, ان يبدأ تجلياته, من اشهار (اناه) عارية ومقهورة وعصية على الفرح. هكذا, ايضا, ستصدر سوسن السباعي ديوانها الشعري الاول (احوال امرأة تتحول) وقد عرفناها تحاول في القصة القصيرة, ثم بعد ديوانها: انها احرقت ما اظهرته قصصا, ونشرت ما اضمرته من قصائد طوال عشر سنين. سوسن السباعي, مثل كثيرات حولنا وفي ارجائنا, شاعرات انفسهن, قارئات قصائدهن الوحيدات, الكتومات عن اذاعة هواجسهن, حتى يمضي دهر من احوالهن وتحولاتهن, فتتململ القصائد فيهن, من رائحة (النفتلين) , او من بقايا العطر في مساحيق الغسيل. حول كينونتها الخاصة جدا فيما وراء استفهامها, اشارة تعجب حانقة من قدرة الكائن الانثوي على اضمار مشاعره, خيباته, وتلك اللحظات, تلك الآلام الصغيرة التي لا يأبه بها احد.. حتى الحبيب, كأن ذاك كله, مجرد اجراء يومي, عادة قمرية , نيزك سيصيب القلب في مقتله, ثم لا تطاله مخاص كمجاز اللذة اذ يتبعها الالم الرضي. الرغائب مستعصية عند حدود التلميح, غسيل الصحون, الحبيب وقد صار.. زوجا!, اللقمة الهانئة, الغصة حتى بعد الماء, الهلع الانثوي من انسراب الايام الى خريف, مسح الغبار عن روتين الاسرة.. مجرد تفاصيل من اختصاص الانوثة وحدها, لا يأبه بها.. سواها. ثم كأنهن قد توطأن مع اقدارهن, شرط ان تختلس شاعرة (اناها) لحظة فحسب, بعد انتهاء (الواجبات) , لترميم كل ذاك الضجيج, بقصائد خاطفة, قصيرة غالبا, راعفة, ملؤها اللوعة: (اجلس في حديقة المنزل اصافح النبات والاشجار ويصرخ الخريف في داخلي تستبد النار) . ومثل ذاك كثير: اقبع في محارتي السوداء, سجينة الوقت) لتحلم بالقصيدة (لا اعرف حدا لكآباتي في هذا الصمت الابدي, الخانق) ثم (وانا اتداعى انشطر الى اشلاء وأصعد في المطلق) . ثمة, الشكوى, الصرخة المكتومة, الوحدة.. حتى في الحب: (انا ينبوع لغات, لا احد يقرؤني..) ثمة, التوحد مع عناصر تشبه الاضمار (الليل) : (لا شيء سوى حزني يعوي, في هذا الليل) . او: (فقل لأصابعك التي تبرق ان ليلا عجوزا يتثاءب داخلي) وايضا: (الليل: صمت يسربل المبنى قلمي وحده يشتعل قلبي وحده يشتعل) . كأنما بعد ذاك.. ستنهض الانوثة من خصوبتها, او تنسرب الى ما هو امتداد لهذي الخصيصة: (نم يا صغيري يدي نامت على عنقك قبلتك نامت على فمي والعالم اتشح بالينابيع الناضجة) ثم سنعرف, ان هذا الامتداد.. طفل ذكر! هل ذاك وغيره, مما يتلامح في قصائد (شاعرات ذواتهن) , سيرسم دائرة, ثم ستكون الانثى في محرقها, قابضة على بوحها اضمارا ثم اعلانا بعد يأس, أو استعراضا عند بعضهن, كأنهن متشبثات بأقدارهن على هيئة كلمات ترتجف من خوف العزلة داخل حرير الشرانق. مع ذلك, تهمس الطبيعة الانوثية عبر (دودة القز) شيئا بلغات غامضة, كأنما الحرير.. اغواء, ثم كأن الشرانق وهم خلود في نسيج اثواب الحياة وألوانها, تتلامح في فضاء الكلام خيوط ترتجف في الريح خوف ان تنقطع بها هواجسها فيتلاشى في السديم الازرق خلاصها, عزاؤها, مثل طائرات من ورق. ثم اين الرجل.. من كل ذاك, وفيه؟! يبدو الرجل هاهنا.. مجرد مجاز حتى لو كان.. ملاذا! بينما المرأة في قصيدة الرجل: استعارات, تشابيه.. فواكه من جنة عدن, رائحة ليل, شهقات بياض, امواه غامضة, ارحام مثل يم ويمام. حتى في (احوال امرأة تتحول) يبدو الرجل.. مجازا, رغم ان سوسن السباعي في اكثر من قصيدة.. تسميه بأسمائه ثم تستعير له (الكنايات) , خارج وجهه سيكون وجها اخر للدائرة ذاتها, لشرنقة الحرير, لابد من بدّه.. بدّ, حتى حين يغمسها بنار مياهه, لتخرج من بين اضلاعه, دونما خطيئة, وفي نصاعة الحرير ورهافته: (هكذا ترتفع الستارة الاخيرة ليتضح وجهان وجه اتوضأ بدموعه, اسميه: انا وجه اصلي في محراب عينيه واسميه: حبيبي) . ترسم شاعرة (ذاتها) خطا راعفا, يبدأ من عذابات مضمرة, ومن بوح لم يعد يحتمل التأجيل, فلا ينتهي كل ذاك برجل على هيئة اعشاب الفحولة واشواكها, بل بوقوف المرأة قبالة ذات (المرآة) : وفي المتعارف عليه, دون ان يعني ذاك حقيقة لا نهائية: (تبتكر المرأة الحب ويبتكر الرجل القصائد) اما في مثل (احوال امرأة تتحول) , رأينا المرأة تبتكر القصائد ايضا.. لكن, كما تبتكر الحب! ثم على ما يهجس بافتراق خصائص الانوثة: ان الرجل ربما لا يستطيع ان يبتكر الحب, كما يبتكر القصائد!! او.. ان (الحب) عند شاعرات ذواتهن (قصيدة) , اذ.. قلما تعبأ الشاعرات بـ (نثر الحياة) وبـ (قصيدة الرؤيا) , ومن تحصيل الحاصل انهن لا يعبأن بقصائد المديح من (سبطانات) المنابر, وحتى بقصائد الهجاء, اذ كيف لهن اجادة الهجاء, وهن لا يهجن انفسهن!