اختتم بالقاهرة مؤخرا مؤتمر (حق المؤلف والحقوق المجاورة والإدارة الجماعية) الذي نظمته المنظمة العالمية للملكية الفكرية والذي أجمع فيه خبراء القانون والإدارة على أهمية الإدارة الجماعية في حق المؤلف والحقوق المجاورة استنادا إلى تجارب سابقة أكدت، أن الممارسة الفردية للحقوق مسألة غير عملية (البيان) استمعت إلى المناقشات حول هذا الموضوع المهم. تأسست في فرنسا أول جمعية للمؤلفين, وناضلت أيضا في سبيل إقرار حقوق المؤلفين في مصنفاتهم, وارتبط تأسيسها باسم الكاتب المسرحي بومارشيه, فهو الذي قاد المعارك القانونية ضد المسارح التي لم تكن راغبة في الاعتراف بحقوق المؤلفين المالية والمعنوية واحترامها, وأدى الانتصار في هذه المعارك وبمبادرة من المؤلف إلى تأسيس مكتب التشريع المسرحي عام 1777 والذي تحول لاحقا إلى جمعية مؤلفي الأعمال المسرحية وملحنيها وهي أول جمعية تتولى الإدارة الجماعية لحقوق المؤلفين, وبعد أكثر من نصف قرن سار كل من (هونري دي بلزاك) و (الكسندر دوما) , و (فكتور هوجو) وكتاب فرنسيين آخرين على هذه الطريق في مجال الأدب عندما شكلوا الجمعية الفرنسية للأدباء التي عقدت جمعيتها العامة للمرة الأولى في نهاية عام 1847 عندما قام الملحنان (بول هنريون) و (فكتور باريزو) والكاتب (ارتست بورجي) بمساندة ناشرهما دعوى قضائية ضد (المقهى المسرحي) (الامباسادور) القائم في حي الشانزيليزيه في باريس, وقد رأوا تناقضا صارخا في إلزامهم بتسديد ثمن المقعد ووجبة الطعام في الامباسادور بينما لم يشأ أحد أن يدفع ثمنا لأعمالهم التي تؤدى في المسرح, واتخذوا القرار الجريء والمنطقي بالامتناع عن الدفع مادام لم يدفع لهم بالمقابل, وكسب المؤلفون القضية واضطر صاحب (الامباسادور) إلى تسديد مبلغ كبير من الرسوم, وفتح قرار المحكمة بذلك إمكانات جديدة هائلة للملحنين ولكاتبي النصوص في المصنفات الموسيقية ولكنه تبين بوضوح أنهم لن يتمكنوا بمفردهم من مراقبة وإنقاذ حقوقهم التي أقرت حديثا, وأدى وعيهم لهذا الواقع إلى تأسيس وكالة للتحصيل عام 1850 سرعان ما حلت محلها جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقىت والتي لا تزال تعمل حتى الآن, وتأسست في أواخر القرن التاسع عشر وفي خلال العقود الأولى من القرن العشرين في كل البلدان الأوروبية تقريبا كما في بعض البلدان الأخرى كذلك منظمات مماثلة للمؤلفين, وأنشأ ممثلو 18 جمعية في شهر يونيو 1926 الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين وراحت عضوية الاتحاد تتسع باستمرار منذ ذلك الحين. أهمية الإدارة الجماعية يقول محمود لطفي مستشار ومدير عام جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين بمصر عن أهمية الإدارة الجماعية في حق المؤلف والحقوق المجاورة في الدول العربية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا: فيه أن الإدارة الجماعية لحماية حق المؤلف في الدول العربية لها أهمية خاصة وتكون صورتها وأسلوبها بقيام تنظيمات خاصة لحماية الحقوق المالية التي للمؤلف على مصنفه باستغلاله بالوسائل المعروفة حاليا وتلك التي يكشف عنها العلم مستقبلا ويضيف لطفي : يتعين لقيام تلك التنظيمات في الدول العربية أن يتوافر لها أربعة عناصر بمعنى أن تصدر كل دولة من الدول العربية تشريعا محليا ينص على تمتع المصنفات الأدبية والفنية والعلمية بالحماية القانونية وعلى أن تسبغ الحماية على مصنفات الدول الأخرى التي تنشر على إقليمها بشرط أن تسبغ دولة المصنف المطلوب حمايته ذات الحماية على مصنفات الدولة المطالبة بحماية المصنف الأجنبي مع عدم الإخلال بأي اتفاقية دولية نافذة تأخذ بمبدأ الحماية الوطنية. وثاني العناصر هو العنصر البشري, ويتمثل في إعداد أجهزة حماية حق المؤلف إعدادا فنيا وعلميا بحيث يلمون بأساليب تطبيق القوانين الخاصة بحماية حق المؤلف وإعدادهم للإلمام بقواعد التحصيل وكيفية تجميع الحقوق والمطالب بها وتجميع البرامج من الجهات المستغلة للإنتاج الداخلي في الحماية. وثالثا العنصر الفني, وهو أن يكون لدى كل جهاز من أجهزة حماية حق المؤلف الحصر الشامل للمؤلفين والملحنين ومصنفاتهم المشمولة بالحماية القانونية على أن يقوم كل مؤلف أو ملحن بنقل حقوق استغلال مصنفاته إلى التنظيم الذي ينضم إليه, شركة مدنية أو جمعية أو غيره. وأخيرا العنصر الدولي وهو يعني ضرورة انضمام الدول العربية إلى المنظمات الدولية القائمة على رعاية حقوق المؤلف. ويقول الدكتور (أولديخ أوخنتهاجن) المدير العام السابق للجمعية السويسرية المعنية بحقوق المؤلفين في المصنفات الموسيقية عن إنشاء منظمات الإدارة الجماعية وعملها والمبادئ والوضع القانوني والبنية والتمويل ودور الحكومة فيها : إذا قرر بلد الشروع في إنشاء مؤسسة للإذاعة أو التلفزيون أو إقامة شركة وطنية للخطوط الجوية فإنه يبدأ بالانتفاع بالخبرات التي اكتسبتها البلدان الأخرى ويبعث أخصائيين إلى تلك البلدان لبدء تدريبهم, فالإدارة الجماعية لحقوق المؤلفين مهنة تقتضي تدريبا أساسيا في مجال القانون وكفاءات إدارية ومعرفة مثنية بالتعريفات وتحصيل المكافآت والتوثيق والتوزيع والتسوية ومعالجة البيانات والضمان الاجتماعي وكل من حاول إنشاء جمعية لحق المؤلف دون التزود بالتدريب المهني اللازم سرعان ما يتضح له أن عمله تنقصه الحنكة وهو أمر يحدث بكثرة. ولا يمكن إدارة حقوق المؤلفين بطريقة جماعية إلا إذا كان القانون يضمنها على نحو سليم ولا داعي مثلا إلى الشروع في إدارة حقوق الإذاعة إذا كانت هناك استثناءات قانونية تجعل من غير المؤكد أن تكون محطات الراديو والتلفزيون ملزمة فعلا بدفع الإتاوات لمؤلفي المصنفات المذاعة وليس من المحبذ كذلك السعي إلى إدارة حق المؤلف في إعداد نسخ عن المصنفات إذا كانت المنتجات المقرصنة تغزو أسواق البلد والسلطات تقبل ذلك الوضع. وركز (أولديخ) على (التمويل) والذي يجب أن يكون به (اكتفاء مالي) و (إدارة مربحة) و (حساب للتكاليف) أما آخر شروط الإنشاء فهي التي تتوقف على دعم الحكومات. مراحل إنشاء الجمعية بعد توضيح الشروط الأساسية لإنشاء جمعية لحق المؤلف, يأتي أوان الانتقال إلى صلب الموضوع وهو الشروع في إنشاء جمعية لحق المؤلف, وبحسب الوضع السائد في البلد المعني يتولى اتخاذ ذلك القرار إما الحكومة وإما المؤلفون والناشرون والمعنيون, وعلى اختلاف شكل الجمعية إلا أنها كما يقول (أولديخ) تتفق في: تعيين المدير, التدريب الأساسي الموجه إلى المديرين, خطة العمل, تقدير التكاليف وتغطيتها, دعوة إلى المؤلفين والناشرين المحليين, التوثيق, العقود المبرمة مع هيئات الراديو والتلفزيون, الاتفاقات المبرمة مع الجمعيات الأجنبية, قواعد التوزيع وإجراءاته, معالجة البيانات, مكافحة القراصنة لتدريب الموظفين, الدعم طويل الأجل. التحديات والفرص حتى نضع حق المؤلف في إطاره الصحيح لابد أن نكون مدركين لتطورات الحماية الدولية في مجال حق المؤلف والتحديات التي تواجهه على الصعيدين العالمي والوطني, فحقوق الملكية الفكرية ترتبط ارتباطا وثيقا ومتزايدا ببعض المجالات الرئيسية كالتجارة والصحة والثقافة والتراث, وعلى هذا فقد اقترحت المنظمة العالمية للملكية الفكرية بعض الصعاب التي قد تواجه قرار إنشاء جمعية لحماية حق المؤلف وتم إنشاء شعبة الإدارة الجماعية لحق المؤلف في قطاع التعاون لأغراض التنمية في المنظمة الدولية قبل سنة تقريبا أبريل ,1999 والهدف الأول والرئيسي للشعبة هو التأكد من أن الإدارة الجماعية لحق المؤلف والحقوق المجاورة تسهم إسهاما كاملا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأعضاء وتوفر فوائد ملموسة للمبدعين. وإضافة إلى الفوائد التي تعود إلى مالكي الحقوق بفضل الإدارة الجماعية لحقوقهم فإن تلك المنظمة تشجعهم على الإبداع والإسهام في عمليات الإبداع وتطوير الثقافة على المستوى الوطني والدولي.