لم أكد في البحث عن اسم مثلما فعلت في اسم (زيزي) وبالطبع هو ليس اسما حقيقيا, فلقد أردت أن أرمز به لكاتبة محددة, وكنت حذرا جدا في الاختيار. لماذا؟ بصراحة: خوفا منها!لم يعذبني أحد مثلما عذبتني هذه السيدة, رغم أنني جاذب لمن يعذبونني. وكلما بحثت عن اسم أرمز به لها, أحسست أنها ستعرفه وتعلن علىّ الحرب.. وبصراحة أنا لا أطيق حربها ولقد اخترت اسم (زيزي) وضحكت. فلقد انتشر هذا الاسم في الستينيات. فكانت هناك (زيزي البدراوي) و(زيزي مصطفى) واحدة ممثلة وأخرى راقصة. وكلهن لهن أسماء أخرى ليس بينها زيزي. فلقد كان الاسم (موضة) جديدة والأسماء لها أزمانها أيضا. وزيزي يزيد على ذلك أنه كانت له جاذبية خاصة لم أدرك أبدا سرها, ولا أظن أنني سأدركه. وهو في ذلك مثل (نادية) الذي انتشر انتشارا هائلا في الستينيات أيضا. وكانت كل امرأة تريد تغيير اسمها تغيره الى نادية. ولا أقصد من ذلك نادية لطفي فقط, فمن الطبيعي أن يحضر اسمها. وقبل أن أتحدث عن (زيزي) وهي كاتبة جيدة, أحب أو أوضح أنني من الذين يقفون الى جوار المرأة في كل قضاياها, ولا مانع لدي من أن أركب طائرة تقودها امرأة اذا كانت ندا لذلك, وأوافق على أن تعمل قاضية وشرطية وضابطة. بل أوافق على أن تعمل (رجلا) لو كانت هذه وظيفة. ويعرف الجميع أنني لم أكن, وأعرف أنني لن أكون عنصريا. وأن قضية المرأة من أساسيات تفكيري ووجداني. أقول هذا لكي لا يظن أحد أنني ضد المرأة أو ضد المرأة أديبة. فقط أقول قبل أي شىء انني ضد ما يسمى بالأدب النسائي, حقا هناك كتابات تشي بسمات أنثوية لكن تقسيم الأدب الى رجالي ونسائي تقسيم بعيد عن الصحة. وزيزي جعل الله كلامي خفيفا على قلبها وقلوب الكاتبات وقلوب النساء جميعهن, امرأة جميلة عرفتها في مقتبل العمر أقصد عمرها طبعا فلم أر أجمل وافتن منها. لكن البريق أخذ يزول بسرعة. وربما كان السبب هو استخدام الجمال. فحتى الجمال يحتاج الى (صيانة) لكي يستمر. المهم أنه بدا عليها داء الكتابة في هذه الفترة, ومن هذا ندرك ذكاءها. ومن الغريب أنها كتبت قصصا جيدة. قيل في ذلك أن كاتبا قصصيا كبيرا هو الذي يكتب لها, فلما مات رحمه الله, قيل انه الذي وضع قدمها على أول الطريق. ولا أدري كيف يستطيع أن يفعل هذا. وقيل انها مازالت تجد من يضع قدمها على الطريق. وأنا لا أصدق هذا, فهناك خصوصية في كتاباتها تجعل لها مذاقا مستقلا عن أي كاتب آخر. وأعتقد أن (زيزي) كانت قادرة على أن تصبح كاتبة متميزة, فهي تمتلك أسلوبا يدل على موهبة, وتمتلك تجارب لو حاولت كتابتها لأصبحت في مصاف الأدباء العالميين. ولكن (زيزي) أصيبت بعقدة (منى) ومنى طبعا ليس اسم الأخرى, فأنا أكتب وأنا أحس أن دمي من الممكن أن يهرب, وأنا لا أخاف شيئا مثلما أخاف قسوة الحسناوات. و(منى) جميلة أيضا. ترى هل هذا أيضا من أسباب الصراع؟ وهي أيضا كاتبة موهوبة. بدأت كعادة الكتاب بداية متواضعة لكنها تدل على موهبة. ثم تقدمت مع الوقت حتى تميزت ككاتبة. ورغم اتساع الساحة أمام الكتاب, واتساعها أكثر بالتأكيد أمام الكاتبات. إلا أن الغيرة انفجرت بين الاثنين. ولكي أكون أمينا, كانت الغيرة من جانب (زيزي) أما (منى) فلم أر منها ما يدل على ذلك. وإن كان البعض يلمح له, ولو بقدر. لاتكتفي (زيزي) بأن تكتب بل تضع عينها ليل نهار على (منى) ولنفترض أنك ناقد وقرأت كتابا لمنى وكتبت عنه سيدق التليفون فور نشر المقال. وربما كنت تتوقع منى, أو لا تتوقع شخصا معينا. لكنك ستجد (زيزي) هي التي تحدثك: معقول يا أستاذ لم تجد سوى هذه الكاتبة المدعية لتكتب عنها ثم كيف يا أستاذ لم تلحظ رداءة ما تكتب. اذا كنت عاجزا عن التحقق سأنبهك أنا. وكيف لم تكتشف أنها سرقت قصصها من فلان وفلان وفلان, أما أنا فلن أتحدث فلقد نهبت قصصي. نشرتها كلها بعناوين مختلفة. ماذا ستفعل يا أستاذ؟ ماذا هل تفكر في الكتابة عني؟ لا.. لا.. أنا لا أسمح لك بذلك.. أولا لابد أن تعتذر عن الكتابة عن (زيزي) ! بالطبع قبل ذلك هناك الناشر الذي تلقى حوارا بذيئا لأنه تجرأ على نشر هذا الكتاب الرديء. وأذكر أنني قابلت (زيزي) في إحدى المكتبات وكانت قد جمعت كمية كبيرة من الكتب, فهي والحمدلله ميسورة, وأخذت أنا أيضا أجمع بعض الكتب, فوجدت كتابا لمنى. ولا أدري هل أنت مثلي داخلك جزء شرير, أم أنني وحدي في هذا. المهم أنني أبرزت الكتاب بحيث تراه, فاصفر وجهها واسود وصرخت في البائع ثم في مدير المكتبة متهمة أياهما بفساد الذوق, والتآمر, والقت بالكتب التي اختارتها على الأرض, وخرجت تتعثر. وظللت مع مدير المكتبة الذي بدا مندهشا لايفهم ما حدث. وسألني إن كنت أفهم شيئا. وادعيت أنني لا أعرف ما حدث. ومازال الرجل الى يومنا هذا يسألني. وها أنا أجيب الآن. واتصلت بي (زيزي) فأنا أعرفها كما أشرت منذ زمن طويل, وقالت أنها سترسل لي مجموعتها الأخيرة. وشكرتها. ووصلني الكتاب ووجدت قصصها في مستوى جيد. واتصلت بها بعدها, وقالت أن فلانا وهو ناقد كبير دعاها الى ندوة تناقش مجموعتها, وأنها اقترحت عليه أن أشارك في النقاش. فاعتذرت مستهولا الفكرة فأنا لست ناقدا, ولا أحب أن أفعل شيئا بتكليف, وأنني.. وأنني. وقبلت الاعتراض, لكنها ألحت على حضوري, واستخدمت تعبيرات مخجلة, مثل: سأحس أنني كاتبة بجد, وسترتفع هامتي في السماء.. ولكي لاتستمر في هذه المجاملات السوقية وعدتها.. ولم تكتف بالوعد بل أخذت تذكرني وكأنها مذيعة في مطار تلح على الركاب بالذهاب إلى الطائرة. وفي الليلة الموعودة ذهبت الى الندوة.. ما شاء الله. كان حشدا كبيرا. لم يكن لدى شك في أن أكثرهم حضروا تحت الحاح المكالمات, وربما الحاح الجمال الذي أخذ يأفل. وبعيدا عن الأذى جلست في الصف الأخير. ولكن عيني الصقر وما أجملهما رأتني. وبعد فترة مالت على مقدم الندوة. فنظر في اتجاهي, وقال أنه اذا كان يوجد بيننا فلان يقصد العبد الفقير فلابد أن يشارك معنا في الحديث. وهكذا حدثت الكارثة. أثنيت على المرأة. واثنيت على الأدب النسائي رغم رفضي لتقسيم الأدب. وأثنيت على الكاتبة التي أثرت المكتبة العربية بانتاج جميل. ولكنني تساءلت في النهاية عن مفهوم الخيانة الزوجية في الأدب من وجهة نظر المرأة. فزيزي وفلانة وفلان وعددت قصصهن واحدة واحدة عندما تتحدث عن خيانة الرجل تربطه بمعدنه الردىء وهذا ما لا أوافق عليه وترى أن خيانته كبيرة وهذا ما أوافق عليه أما المرأة فالمسكينة تخون بسبب قسوة الرجل. وردا على خيانته, ولأنها مظلومة ومهانة. وقلت فيما قلت أن هذه نظرة عنصرية تساوي اضطهاد بعض الرجال للمرأة. وأن على (زيزي) وأخواتها أن يغيرن رأيهن في أشياء كثيرة خاصة بالرجل منها الخيانة. وفي النهاية اثنيت على (زيزي) . وعندما عدت الى بيتي لم أكن أدري هول ما فعلت. وكانت البداية مكالمة أتت بعد قليل. كانت (زيزي) في غاية الغضب لأنني انتقدتها. وقالت أنها تعرف لماذا فعلت هذا؟ وظلت تكرر الاتهام حتى سألتها لماذا أفعل هذا؟ قالت: لأنك عميل لمنى؟ وحزنت فلقد تمنيت مادمت صرت عميلا أن أكون عميلا لجهة أو شخص أهم من (منى) . وظننت وبعض الظن إثم أن هذه هي النهاية. وقلت لتغضب وتقطع علاقتها بي. فوالله ما عرفت منها إلا وجع الدماغ. لكنني كنت حسن النية. فلقد بدأت مسلسلات أطول من (الجرىء والجميلات) . فكانت تطلبني لتحدثني عن عبقريتها التي اعترفت بها فورا. ثم تقرأ لي قصصها شارحة لي معانيها التي غابت عني. وحتى الآن لا أعرف كيف أرد الهجوم, وربما اعترفت لها أنني عميل لمنى, وربما استعنت بالقراء الأعزاء, ليدافعوا عني!