تعد الرعاية الطبية والصحية في المجتمعات المتطورة من القطاعات التي يجدر إعطاؤها أولوية خاصة من الاهتمام نظراً لأنها تعكس أساساً مدى صحة المجتمع وقدرته على العمل والإنتاج. ولقد أدى التطور التكنولوجي الهائل المسجل في الآونة الأخيرة في وسائل وطرق التشخيص، والعلاج إلى جعل الخدمات الصحية الأكثر تعقيداً على الإطلاق من حيث طرق تنظيمها وإدارتها. وسرعان ما أكدت البحوث بأن أي تأخر في التصدي للمشاكل البيروقراطية التي يعاني منها هذا القطاع, لابد أن ينعكس على صحة المواطنين في آخر المطاف. ولقد دفعت هذه الحقائق حكومات الدول المتطورة إلى الإسراع في إخضاع هذا القطاع برمته للأتمتة الإلكترونية. ويمثل قطاع الصحة العامة ميداناً خصباً للأتمتة الإلكترونية لأنه قبل كل شيء قطاع معلوماتي وإحصائي يعتمد على السجلات والبيانات الرقمية. ويمكن للحواسيب أن تختزن المعلومات الصحية والطبية لكل أفراد المجتمع وتضمها في شبكة إلكترونية موحدة تسمح للأطباء والقيمين على مراكز المعالجة والاستشفاء بالوقوف على أحوال مرضاهم ومتابعة أحوالهم الصحية أولاً بأول. وفي الولايات المتحدة, يقدّر معظم الخبراء بأن نسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة من مبلغ الثلاثين مليار دولار الذي يمثل الميزانية السنوية المخصصة لقطاع الرعاية الصحية, تصرف على خدمات يتم تسجيلها وتناقل معلوماتها بطريقة المعاملات الورقية, ويصل حجم التعامل الورقي في المستشفيات الأمريكية إلى نحو 40 أو 50 بالمئة. ويمكن تقدير الوقت المهدور في المستشفيات على إنجاز المعاملات الورقية بالإشارة إلى أن إقامة مريض لمدة اسبوع واحد في مستشفى يتطلب تحرير نحو 100 ورقة. كما يمكن تقدير الخسائر المترتبة عن استخدام المعاملات الورقية في المستشفيات من نتائج إحصائية أشارت إلى أن 13 بالمئة من أصل المليار أو المليارين من التقارير الطبية الورقية التي يتم تحريرها سنوياً تعاد إلى مصادرها لتصحيح الأخطاء المرتكبة في تحريرها (إحصائية عام 1997). وبقيت التعقيدات المرافقة لاستخدام المعاملات الورقية مستمرة في التفاقم بالرغم من التدابير التي اتخذتها الحكومة بعد ذلك لتسهيل أداء العمل بها من أجل زيادة مستوى الخدمات. ولقد شجعت العوائد الكامنة في تكنولوجيا المعلومات رؤساء الهيئات الطبية العليا في الولايات المتحدة لتبنّي الأنظمة المعلوماتية بالرغم من معارضة الكثيرين لهذا التوجّه. وحتى الآن لم تتجاوز استثمارات القطاعات الصحّية في تكنولوجيا المعلومات نسبة 2 أو 3 بالمئة من ميزانيتها الإجمالية, فيما وصلت هذه الاستثمارات في قطاع الصناعة البنكية إلى 15 بالمئة. وبالرغم من أن الرعاية الصحّية تعدّ من الحقول ذات التكنولوجيا العالية, فإن التوجهات التكنولوجية لهذا القطاع اقتصرت على أنظمة التشخيص والعلاج بدلاً من الاستفادة من تدفّق المعلومات في الربط بين الإدارات والجهات المعنية به. وتجدر الإشارة إلى أن التطبيقات التكنولوجية المستخدمة في القطاعات الصحّية لم تصُمم أصلاً لتحقيق الاتصال والتواصل مع التطبيقات المعلوماتية الأخرى. ويقتضي حلّ هذه المشكلة الآن اشتراك مختلف القطاعات الصحية, كالمختبرات والصيدليات وأقسام التصوير الإشعاعي وبنوك الدم وأجهزة السبر الطبّي وأقسام التخطيط وأنظمة صرف فواتير العلاج, في مصادر المعلومات المتوفرة. وأصبح الموقف الآن مشجعاً أكثر من ذي قبل لتصحيح هذه الأوضاع بعد أن تجاوزت الحكومة عقبة موافقة مجلس الشيوخ على المقترحات المتعلقة بتنفيذ بعض الإجراءات الأولية لبناء النظام العصبي الرقمي الذي سيحقق الربط العملي والفعّال بين مختلف هذه القطاعات. ولقد شرعت الإدارات الطبية في برمجة العمليات المالية وسجلات المرضى على الحواسيب. وتتعاون الآن عدة منظمات صحّية في العمل على وضع المعايير التقنية للشبكة الإلكترونية التي تصل كافة مصالح الخدمة الصحية في الولايات المتحدة ببعضشها البعض. وتتولى مايكروسوفت حالياً تنفيذ مشاريع ابتكار التطبيقات الطبية الإلكترونية التي تستخدم تكنولوجيا برمجيات (ويندوز) بالإضافة لتكنولوجيا الإنترنت لتحقيق هذه الغايات. ولاشك أن خزن وتبادل المعلومات في المنظمات الطبية سوف يصبح ضرورة ماسّة في المستقبل. وانطوت المطالب التي تقدمت بها بعض المنظمات الصحّية على دعوة الحكومة إلى التعجيل في اتخاذ مثل هذه الإجراءات نظراً لأن حاجات المرضى الذين سيستفيدون منها لايمكن تأجيلها. ويمكن التعبير عن أهمية التكنولوجيا الرقمية في التطبيقات الطبية من خلال الإشارة إلى أن التطوّر الكبير الذي سجّلته 80 من مصالح الإسعاف والإطفاء في ست دول نموذجية, والذي أدى إلى إنقاذ الكثير من الأرواح, يعزى في الواقع إلى تطور الأنظمة المبنية على الحواسيب. فهذه الأنظمة المدعّمة بالأقمار الاصطناعية لـ(نظام تحديد الموضع) , أصبحت قادرة على تحديد مواقع سيارات الإسعاف أو الإطفاء في كل لحظة وأينما كانت حتى يمكن توجيه الأمر لأقرب هذه السيارات إلى بيت المريض بالتوجه إليه, كما تحدد لها أسهل الطرق التي يمكنها اتباعها للوصول إلى المكان بواسطة خريطة مستظهرة على شاشة الحاسوب الموجود في السيارة. ويضاف إلى ذلك كله أن الأتمتة الإلكترونية لقطاع الرعاية الصحية من شأنها أن تخفض تكاليف العلاج والاستشفاء وتزيد من إقبال الناس على متابعة أحوالهم الصحية بشكل منتظم مما من شأنه أن يؤدي إلى الكثير من النتائج الاجتماعية الإيجابية.