لست ادري ما اذا كنا في حاجة لتفسير شخصياتنا (الإنسانية أو الفنية) والبحث عن الدوافع والرغبات والحاجات التي تفعل فعلها في تكوينها وتحديد اتجاهاتها. مثلاً, فنان موسيقار امضى عمره يلاطم بحر الموسيقى الزاخر, سئل مرة: (ماهو تعريف الموسيقى يا استاذ؟) . فدهش وقال: آ؟ الموسيقى؟ صدقني ياصاحبي هذه أول مرة اتعرض فيها لمثل هذا السؤال الكبير. (وفكر لحظة وقال) والله لا اعرف بالضبط, ولكنني استطيع ان اتحدث عنها الى مالا نهاية, قل عنها مثلاً انها لغة المشاعر والاحاسيس, قل هي تكثيف عبقري لمئات الانفعالات في جملة تقولها اوتار معلقة في فراغ.. قل.. وقل.. واقول: ان تفسير المرء لشخصيته, ناهيك عن انه صعب, مربك ينطوي على شيء من التعالي, والتعالم على الاخرين, لاسمح الله.. فمثلاً, لقد سألني احد الأصدقاء المحبين سؤالاً بصيغة تقريرية قاطعة, فقال: ـ بوصفك اديباً ساخراً, حدثنا عن الدوافع والحاجات التي ادت بك إلى احتراف السخرية. فقلت له: ان هذا هو الالتباس الذي اخاف منه, فهل انت متأكد من انني (اديب) اولاً, و(ساخر) ثانياً؟ ارأف بأولئك الطيبين الذين سيقرأون حوارنا هذا, فلقد ضللناهم بما فيه الكفاية. قلنا لهم ان محمد هنيدي هو أهم فنان كوميدي معاصر اليوم, فذهبوا ليشاهدوا افلامه ويبلوا قلوبهم بضحكة أو ابتسامة, ولكن بماذا عادوا؟ قلنا لهم ان حكم البابا كاتب كوميدي, بدليل انه كتب مسلسلاً من ثلاثين حلقة لدريد لحام, فتسمروا امام شاشات التلافيز ينتظرون بيضة الديك هذه, فهل تعرف بماذا خرجوا؟ خرجوا بأن النجم الكبير دريد لحام نفسه لم يكن مضحكاً.. لقد شككوا بمصداقية ما نقوله لهم يا رجل. قال: اسمح لي اذن ان نعيد صياغة السؤال: بما انك صاحب محاولات في الأدب الضاحك والكوميديا التلفزيونية, حدثنا عن تصوراتك عن هذه المسألة. قلت: انت عيني انت. انا يا صاحبي متفق مع الصديق الشاعر بفهمه للضحك على انه (مقلوب البكاء) .. وهو (من متطلبات الواقع اليومي الاعوج) . عندما كنا صغاراً كنا نرى (الحردون) واقفاً على السور الحجري الصغير, فننظر اليه ونمد له ألسنتنا, وهو ينظر الينا لحظة ثم يمد لنا لسانه. ان السخرية هي سجال مد الالسنة ما بين الكاتب الساخر والواقع الاعوج. ولعلها لباقة في غير مكانها ان تبتسم وترفع قبعتك على الطريقة الأوروبية لرجل يمعن في مد لسانه لك. ذات مرة علقت المطربة الكبيرة صباح (انظر كيف تصنع الكوميديا نفسها بنفسها) مع مذيع تلفزيوني متحذلق في حوار عجيب. الرجل يمتلك فكرة مفادها ان معظم الفنانين والفنانات اناس جاهلون مسطحون تبهرهم الاضواء ويحفظون جملاً فارغة يردون بها على اسئلة الصحافيين في كل زمان ومكان, ولم يكن يراوده ادنى شك بأن السيدة صباح مثقفة من الطراز الرفيع وتقرأ يومياً في امهات الكتب عدا مطالعاتها الصحفية اليومية. فكان ان سألها: ـ لماذا لاتقرئين؟ ام انك لاتمتلكين الوقت اللازم؟ أنا اقدر ظروفك فالاضواء تأخذك.. فلما بدأت بالاجابة عن سؤاله, ومنذ الجملة الأولى ادرك انها سوف تربكه بما قرأت وتقرأ, فتمطى شابكاً اصابع يديه الاثنتين ببعضهما وابتسم على نحو مدرب وقال: ـ اسمحي لي ان انتقل إلى سؤال آخر لابد انه يراود الكثير من الاخوة المشاهدين. حضرتك تزوجت أكثر من مرة, لماذا؟ قالت بجدية تامة: ـ أأنت لاتحب المرأة يا استاذ؟ فارتبك مرة اخرى وانتقل إلى ثالث الأسئلة, أو ثالثة الاثافي, لافرق, فقال: ـ معظم المطربين الكبار الذين نعرفهم, من أم كلثوم إلى فيروز إلى محمد عبدالوهاب غنوا للوطن, بمعنى آخر قدموا لنا اغاني قومية تلزم لنا في معركتنا... الا انت, فلماذا لم... قاطعته المطربة المحترمة, بلطف ظاهر, مع ان داخلها كان يشتعل بالغيظ وقالت: ـ ارجو ان تراجع معلوماتك يا استاذ, فأنا قدمت أكثر من أغنية قومية وطنية. حك المذيع المتحذلق رأسه وضرب بوزاً تمثيلياً تأملياً وقال: ـ لا اذكر. ذكريني لو سمحت, ما أسماء هذه الأغاني؟ قالت: ـ هي كثيرة جداً, ولكن اشهرها وأهمها أغنية (أكلك منين يابطة) . وانتهت المقابلة! خطيب بدلة حاضر عن (اشكاليات الإعلام العربي) في جامعة البحرين د. خالد الكركي: المعضلة تتمثل في الموقف من أنسنة الإعلام وحريته البحرين ـ سميحة خريس: الدكتور خالد الكركي حالة اشكالية في الساحة الثقافية الأردنية اذ انه مثل المعارضة المثقفة في الأردن لزمن ثم شغل مناصب رفيعة في الحكومة الأردنية فمن رابطة الكتاب إلى وزارة الإعلام والثقافة ثم رئيساً للديوان الملكي فأستاذا جامعياً واخيراً رئيساً لمجلس إدارة جريدة الرأي. الدكتور الكركي استضافته جامعة البحرين مؤخراً في محاضرة حول اشكاليات الإعلام العربي: حيث أشاد بما قدمته الصحافة العربية كوليد طبيعي للبرجوازية حملت زمن النهضة بانكساراته وانتصاراته بينما تواصلت رحلة الاذاعة وتدرجت في دورها التاريخي الذي اخرج الجماهير إلى الشوارع ومرحلة الهدوء والاتزان بينما فشل التلفزيون بأن يقوم على قاعدة الحرية والوعي والتنوير والمصداقية. فبدأ بالترفيه والدعاية للسلطة السياسية على حساب حرية الحوار والتعددية مع استثناءات قليلة. وقال ان اعادة اطلاق النهضة خارج شروط امريكا واسرائيل والعولمة هو الغاية من أي كلام في هذا الزمان العربي الذي نحتاج فيه إلى اعادة بناء كل روح تشظت. معايير لفهم المعضلة حدد د. خالد الكركي في محاضرته خمسة معايير اساسية لاي متحدث يحاول فهم معضلة الاعلام العربي فأعطى الاولوية للموقف من الحرية والحياة ومدى التزام الانسان بكرامته وحقوقه في الخبر والكلام والكتابة وقال: لا اظن ان اثنين يختلفان ان العلم والديمقراطية يشكلان الشعار الأفضل للمرحلة المقبلة. لذا فان السياسيين من ذوي المعرفة المتوسطة والذكاء الضعيف سوف يهدمون ما بيننا على رؤوسنا في وقت قريب. والمعيار الثاني هو الرؤية التي تلتمس للأصم آذانا وللأعمى عيوناً وللكسيح اقداماً. وحتى لايظل هذا المعيار شكلياً لابد من قراءة العلاقة بين الثقافة والإعلام والاعلاميون وسائط حوار واتصال وليسوا جميعاً من الادباء والمبدعين ولو ان أهل الثقافة الملتزمين بالامة والحرية هم الذين تحكموا في وسائل الإعلام الجديدة كما وقع لصحف كثيرة فان الأمر سيتغير نحو الأفضل. ثالثاً: فهم الواقع بالتحليل العلمي المنهجي لتحولاته وتطلعاته من هنا تأتي صلة أهل الإعلام بأهل علوم الاجتماع والسكان والاقتصاد وخبراء استطلاع الرأي. رابعاً ـ فهم العالم و ذلك لايكون برفضه ولا بالادعاء الخطابي بأنه في سبيله إلى الانهيار. خامساً ـ الحوار. وهو جوهر الموقف العربي الإعلامي والثقافي. ان كنا سنغذ الخطى على طريق المستقبل. والحوار اعتراف بالتعددية وحق التعبير وادراك العلاقات الجدلية بين القوى والافكار والتطلعات. واختتم د. الكركي محاضرته بالتأكيد على: ان الأمة لا تزال في مرحلة الملفات التي لم تكتمل كالحرية وازالة الأمية ودفاتر الديمقراطية وعدالة التنمية وقبل هذا كله الخروج بها من دوائر اليأس والاحباط والاستبداد والقلق. ان الإعلام رسالة والإعلام العربي رسالة امة وليس خطباً للتوجهات القطرية او منابر للتعصب والعامية. ان الإعلام العربي المعاصر متخم بالتكنولوجيا الحديثة في الأرض والفضاء وقد وجد بعضه في مناخات الآخر (الغربي) مكاناً للهجرة وادعاء الحرية وانتهى بعضه بالشكوى من غلاء كلفة الاقامة والاسعار وصور بعضه لنفسه دور التنوير والمعارضة وغاب عنه إلى حد بعيد الانفاق على منظومة القيم التي تؤسس لتوجهاته القادرة على الصمود في وجه هيمنة الآخر وقهره واستلابه وتناقضه. نشير إلى ان الدكتور خالد الكركي أصدر العام الماضي خمسة كتب اهمها (سنوات الصبر والرضا) وهو اقرب إلى سيرة ذاتية توضح جوانب من حياته السياسية و(الصائح المحكي) وهي دراسة ادبية في اثر المتنبي عند الشعراء المعاصرين و(حماسة الشهداء) وهو كتاب لمثقف يدرس قيمة الشهادة في حب الوطن وما تركته في الأدب العربي.