كان المطرب المصري القديم سلامة حجازي موهوبا بصوت عريض وثري المقامات رخيم الايقاع, قوي النبرات.. لم يتناه الينا هذا الصوت كاملا في جماله وايقاعاته الأخاذة التي طالما أسعدت السميعة والمتذوقين مع أول عقدين من القرن العشرين.. وما وصل الينا شذرات أو كسرات من صوت سلامة حجازي كانت مسجلة على اسطوانات بدائية لاتفي هذا الصييت الكلاسيكي حقه بحال من الأحوال (وبالمناسبة فالصييت مصطلح كان أبناء الأجيال الماضية يطلقونه على المطرب الموهوب) وقد يرجعون في هذا التعبير إما إلى إتساع الشهرة العريضة والصيت الذائع, وإما إلى موهبة الصوت القوي الجميل الذي يأخذ بألباب المستمعين وبجماع قلوبهم, وقد سبق الى حكاية تكريس الصوت صاحبنا أبوالفرج الأصبهاني صاحب (الأغاني) الذي استخدم (الصوت) للتعبير عن قوالب الغناء في عصره.. ومازال أهلنا في أقطار الخليج يستعذبون (الصوت) عندما يؤديه الفنانون الكبار العارفون بالأصول, ومازال غلاة السميعة من أمثالنا يبتهجون كثيرا عندما تسعدهم الصدف في اذاعتنا ـ وهي صدف لعمري قليلة بل ضنينة ـ حين يسمعون هذا الصوت أو ذاك وخاصة من الراحل عوض الدوخي حيث تمتزج به ايقاعات البحر بأنغام البادية وحيث يختتم الصوت حسب أصول الصنعة بأدبيات من الشعر الكلاسيكي الرصين, ناهيك عن نوستالجيا الصورة التي يستدعيها التلفاز منذ أيام الأبيض والأسود سقى الله زمانها. نعود الى مطربنا سلامة حجازي الذي كان قد تقدم به العمر وأصابه في جانب من جسده محنة الشلل ولكنه ظل يسعد جمهوره بأحلى الأغاني من حنجرة ذهبية لم تنل منها دورة الأيام. ثم تراءى له يوما أن يمثل على المسرح دور روميو في مسرحية شكسبير الشهيرة التي وجد قوما أرزقية ترجموها له على طريقة مشيّ حالك بل وزادوها حبتين حين اختاروا للمسرحية اسما لم يخطر يوما على بال أحد من عائلة شكسبير وهو (عواطف البنين) .. ولما كان سلامة حجازي, كما أسلفنا, مطربا كبيرا فقد طلب من معاونيه أن يحشروا له في سياق الأحداث عددا من الأغنيات لزوم إسعاد رواد المسرح أو التياترو الخديوي كما كانوا يسمونه في تلك الأيام. ومن أشهر الأغنيات التي حشروها وقتئذ قصيدة يقول البطل في مطلعها: إن كنت في الجيش أدعي صاحب القلم فإنني في الغرام أدعي صاحب الألم على أن أشهرها على الإطلاق القصيدة التي تسوق فيها السيدة أو الآنسة جولييت الدلال على عاشقها الشغوف, فاذا به, السيد روميو (أو هو العم سلامة حجازي الذي كان يمثل روميو وفوق شفتيه شارب مهيب يقف عليه سرب كامل من الصقور) اذا به يناجيها بقصيدة يقول مطلعها: أجولييت.. ماهذا السكوت؟ ورغم أن سلامة حجازي راح وراحت أيامه وأطفئت أنوار مسرحه بعد رحيله عن الدنيا عام 1917 إلا أن مطلع جولييت وسكوتها ظل أثيرا بين صفوف السياسيين في مصر وخاصة بين قوى المعارضة التي كانت صحفها تسكب أنهارا من المداد وتكتب أميالا من السطور والمقالات في الهجوم على الحكومة وفي التنديد بتصرفاتها وفي نقد ادارتها للمفاوضات مع الانجليز المحتلين, وفي.. وفي.. ومع ذلك كانت الحكومة تتحصن خلف متاريس وجودها في مقاعد السلطة.. لا تلقي بالا الى المعارضة وقد بح صوتها واحتار دليلها.. ويومها كان اليأس يبلغ بالمعارضة مبلغه فاذا بها تلجأ الى منطق اليأس الممرور فتعمد الى استخدام مطلع أغنية سلامة حجازي تخاطب به الحكومة التي أولت المعارضين كما يقولون أذنا من طين وأخرى من عجين وهكذا كان المعارضون يخاطبون الحكومة على أنها جولييت اللاهية قائلين: أجولييت.. ما هذا السكوت. وبعد رحيل سلامة حجازي بنحو عشرين عاما طلع على الأفق الفني في مصر فتى سوري من طائفة الدروز اسمه فريد الأطرش وكان يتمتع بصوت جميل شديد الخصوصية اضافة الى موهبة في التلحين ترفدها أذن مدربة وأنامل مرهفة تتعامل باتقان فني بالغ مع الألحان الشرقية الأصيلة وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي أصبح فريد الأطرش مطربا كبيرا يشار له بكل بنان في مشرق الوطن العربي ومغربه ويومها طلع على مستمعيه بأغنية خفيفة يقول مطلعها بالعامية المصرية: ما قال لي وقلت له وجاني, ورحت له ياعوازل.. فلفلوا وتلقفتها الشوارع والحواري في حواضر مصر وأريافها بوصفها أغنية شعبية الى أن جاءت مناسبة تحدد فيها لرئيس الحكومة وقتها مقابلة هامة مع الملك فاروق. وظلت صحف الحكومة تمهد لهذه المقابلة الملكية وتشحن أنصارها بالوعود والأمنيات والمكتسبات التي سوف تثبت أقدام الحكومة في مقاعد السلطة.. كيف لا.. وثمة مقابلة مرتقبة بين المليك الشاب وبين حضرة صاحب المقام الرفيع دولة رئيس الوزراء. وحين خرج الرئيس من قصر عابدين وجد بانتظاره كالعادة جموع الصحفيين وهم مدججون بالأقلام والنوتات الصغيرة (لم يكن الميكرو ـ مسجل قد اخترع في تلك الأيام) ويومها انفرجت أسارير رفعة الرئيس وجهد في تلخيص وقائع الحوار الذي دار في المقابلة الملكية في نقاط تدور حول: قال لي جلالته وقلت لجلالته.. قال لي.. وقلت له.. وفي اليوم التالي ظهرت صحف المعارضة تحت عنوان (ما قال لي و قلت له) في نبرة أقرب الى التهكم من تصريحات رئيس الحكومة الذي زاد من غضبته أن الاذاعة كانت تردد أغنية فريد الأطرش بحكم رواجها وطرافتها بالليل وبالنهار. قال الرواة ـ والعهدة على ما يقول الرواة ـ ان دولة رئيس الحكومة بلغ من الضيق مبلغه فكان أن أصدر تعليماته بعدم اذاعة الأغنية أو بفرض نوع من الحجر أو التضييق غير الرسمي أو غير المعلن على اذاعتها. وكان الهدف بطبيعة الحال هو الرد على سخرية المعارضة وإبعاد خاطر رفعة الرئيس عن دوشة الدماغ ولكنه كان في التحليل الأخير على حساب مطرب موهوب كان اسمه فريد الأطرش.