الأديب الكبير خيري شلبي هو شاعر الرواية العربية.. هذا الوصف للقطب الكبير الراحل فؤاد حداد, فهو أي خيري - يكتب بلغة شفافة راقية, ورواياته تقرأ وتسمع في ذات الوقت. تفتحت عينا خيري شلبي على السير الشعبية واغتراف لغته من أفواه عمال البناء وبائعي السمك ورواد المقاهي, وهدوء المقابر الذي اختارها مكانا للابداع لفترة 18 عاما من حياته, واستقى شخصياته من الواقع المضطرب باستمرار لذا نراه يؤكد دائما : أنا من يكتوي بنار الغلاء والحرمان من نسيم الدنيا, أنا من يقف في الطابور لشراء فرخة مجمدة, أنا الشعب. والاقتراب من عوالم الأديب خيري شلبي يعني اتصالا بكاتب متمكن من أغزر كتاب جيله انتاجا (71) رواية وكتاب, تنفذ بصيرته الابداعية الى أعماق الحالة الانسانية وأغوار النفس العادية وتفاصيل الحياة الشعبية ولتأتي ابداعاته في مواجهة كل ما هو متداع وقابل للسقوط والانهيار. بيان الثقافة يتحدث عن مشواره الثري وانتاجه الابداعي الغزير والمراحل التي مر بها وفترة كتابته في المقابر وعزلته عن تجمع المثقفين والاشكاليات التي تطرحها رواياته وترأسه لمجلة الشعر وكيفية تقويمه لرحلة الرواية والشعر معا. * هل لنا أن نتعرف على بداية انعطافك على دنيا الأدب والثقافة؟ ـ بداية ولوجي الى الحياة الادبية كانت من بوابة الشعر فقد جئت للقاهرة كي أكون شاعرا وكتبت قصائد كثيرة بشعر العامية متأثرا بالشاعر الراحل فؤاد حداد في ديوانه الأول احزان وراء القضبان, وكنت ومازلت من عشاق بيرم التونسي فقلدته في الكتابة, ومازلت أحتفظ بقصائد كثيرة كتبتها على نسق أزجال بيرم التونسي, ولذلك فالشعر بالنسبة لي ليس مجرد هواية وإنما جزء من تكويني الأدبي, وحتى الآن كثيرا ما انفعل أثناء الكتابة فأكتب شعرا داخل القصة مثلما حدث في رواية (السنيورة) التي بها أربع قصص جاءت كلها موزونة, وكذلك رواية (الأوباش) التي اكتشفت بعد كتابتها ان بها جزءا كبيرا موزونا فاضطررت لاعادة كتابتها وقللت فيها من الشاعرية, وكما نجد في بعض قصصي القصيرة وكأنها شعرا خالصا وللعلم توهجي الروائي يقاس بمدى امساكي باللحظة الشعرية, فأنا شاعر الرواية وهذا الوصف ليس من عندي ولكن صدر هذا التوصيف عن القطب الكبير الراحل فؤاد حداد. الحياة مراحل * وماذا عن المراحل التي مررت بها بعد بدايتك الشعرية هذه؟ ـ مررت في حياتي الأدبية في مجال الرواية والقصة بعدة مراحل الأولى كانت مرحلة التأثر بتيارات العبث والعدمية, وتميزت هذه المرحلة بأنها كانت بمثابة الصرخة ضد القهر السياسي والاجتماعي, وضد عوامل الهزيمة والاحباط, وقدمت خلالها تجربة فريدة وغير مسبوقة من خلال رواية (اللعب خارج الحلبة) . التي عارضت فيها رواية (ميرامار) لنجيب محفوظ والتي انتهت بأن سرحان البحيري بطل قصة محفوظ وعضو الاتحاد الاشتراكي الذي أفسد زهرة رمز مصر المعاصر انتحر, وزعم المذيع منصور باهي أنه قتل, وحين كتبت روايتي قدمت رؤية جديدة لنفس الأبطال مؤداها أن سرحان البحيري لم يمت بل ظل جاثما على صدورنا, وأن منصور باهي تحول الى مسخ انساني وبعد خروجه من السجن تزوج زهرة التي أصيبت بالاحباط! وكانت المرحلة الثانية في رحلتي الأدبية هي الواقعية التعبيرية وفيها اكتشفت نفسي وكتبت إحدى أهم رواياتي وهي (السنيورة) أما المرحلة الثالثة فكانت مرحلة النضج الحقيقي والتفوق على الذات والتي بدأت برواية (الشطار) وتضم روايات (فرعان من الصبار) و(الفراز) , و(أولنا ولد) , ثانينا الكومي, ثالثنا الورق, الوتد, ثم المرحلة الأخيرة وأجرب فيها طرقا جديدة للكتابة ومنها طريقة ضد التعامل مع الزمن سواء الزمن الفني أو التاريخي, وتعود جذور هذه المرحلة الى رواية (رحلات الطرشجي والحلوجي وموال البيات والنوم ووكالة عطية) . الكتابة في المقابر * في سياق هذه المراحل التي مررت بها أين تضع فترة اختيارك للمقابر للكتابة فيها؟ ـ في فترة اكتشاف نفسي, فقد أدركت منذ وقت مبكر أنه لابد من العزلة لو أردت انجاز شيء ما, وفي وقت من الزمن كرهت المناخ الثقافي كرها لا حد له لأنه أجرم في حقي وفي حق الكثير من المبدعين حيث كانت جماعات اليسار حينذاك لاتلتفت إلا لمن ينضم اليهم أو لمن يستجيب لهم أو يتخذ معهم بعض المواقف التظاهرية, ولذلك أهملت اهمالا شديدا من جانب النقاد, في حين اهتموا بمن هم أقل مني موهبة لأنهم ببساطة انضموا الى التقسيمات السياسية التي كانت سائدة حينذاك إما يسارا وإما يمينا, وظللت لفترة طويلة لا أطيق المرور أمام تجمعات المثقفين سواء في مقهى ريش أو الاتيليه, وكان يصيبني الانهيار التام اذا مررت أمام تجمع ثقافي لذا قررت العزلة وقد عثرت بالصدفة على طلبي عندما تعطلت سيارتي ذات يوم في طريق صلاح سالم, ودلني أحد الأشخاص على ورشة لتصليح السيارات داخل منطقة المقابر, ووجدت صاحبها يعرف أسماء الكتاب ويقرأ لهم أحيانا, وحينما عرفني رحب بي ودعاني للجلوس داخل المدفن فجلست أقرأ حتى الصباح وتكررت زيارتي له وجلوسي في المدفن ثم تطور الأمر الى استئجار حوش مدفن خصصته لأوقات القراءة والكتابة, وهكذا عشت بين المقابر لمدة تزيد على 15 عاما وأستطيع الجزم الآن بأنني لم أكن أستطيع اتمام معظم أعمالى الأدبية إلا في مكان منعزل كهذا. * ولكن أعمالك لم تجد طريقها للنشر في هذه الفترة؟ ـ لم أكن أشغل نفسي بهذا السؤال في هذه الفترة, ولكن كان يشغلني ومايزال أن الابداع مبرر الوجود ولست مثل الذين يفكرون في الحصول على الجوائز أو السعي ورائها لأن هذا يجعل الكاتب يتحول الى طاحونة من الحقد ويظل يأكل نفسه حتى يموت دون أن ينتج ابداعا حقيقيا وعلى ذلك فاختيار المقابر كان محاولة لأنجو بنفسي من التلوث الذي أصاب صدور الكثيرين خاصة في فترة انتشار التنظيمات اليسارية والماركسية فقد كانت المقابر أرحم من الاختلاط بتلك النفوس المريض؟ * وهل تأخرت شهرتك لهذا السبب؟ ـ بكل تأكيد لقد تأخرت شهرتي بسبب ما ذكرته, ولكنها عندما جاءت كنت جديرا بها, وأفخر أنني كاتب لم تقدمه السلطة أو أية تنظيمات سياسية, وأعمالي فقط هي التي فرضت وجودي على الساحة العربية. نكهة فنية خاصة * المتأمل لأعمالك يجد نكهة فنية خاصة ومميزة مأخوذة من شعبية التفاصيل الانسانية كما يغلب عليها الجنس, الموت, هل لديك تفسير؟ ـ الانكسارات النفسية في أعمالي تقدم تفسيرا واضحا وعلاقة الجنس بشهوة الموت أو كل ما هو إلى فناء تيمة عولجت عالميا ويحضرني هنا جان جينيه, توماس مان وأيونسكو فالقهر السياسي والقهر الجنسي رفيقان, ودعني أسرد لك شيئا من حياتي عله يفسر لك أكثر عمق العلاقات الانسانية في أعمالي.. فقد نشأت في أسرة بها عدد هائل من الفتيات الجميلات فنضج إحساسي بالجمال مبكرا فكنت أرى السيدات أمام الفرن أو هن يتهامسن بأحاديث الأفراح التي لاتنقطع في الريف وأنصت, وعندما كبرت فهمت سر الاحساس بالكبرياء الذي يتملكني كلما رأيت امرأة بالغة الجمال وفهمت أن التواصل هو الذي يوصلني الى الأعماق الانسانية البعيدة.. هذه اضاءات اجتماعية لمكوناتي علها تفسر لك شيئا. * نجد في معظم رواياتك وخاصة وكالة عطية وموال البيات والنوم صراحة وجرأة في تصوير حياة المشردين وطغيان إحساسهم بالتفاصيل والمشاعر الدقيقة هل يعود ذلك لأنك عايشتهم عن قرب؟ ـ أولا سوف تظل التفاصيل والمشاعر الدقيقة هي احساس بالحياة أساسا, فأنا أعيش الحياة بانتباه شديد جدا وتكون مشاعري مع كل الناس وماذا يحدث لهم والهموم التي يعيشونها وأمنياتهم التي يتطلعون الى تحقيقها فأنا قريب جدا من الناس ومن جموع الشعب المطحونة وهذه هي قضيتي وهذا هو واجب الكاتب, وحين يتخلى الكاتب عن هذه الدائرة يصبح ما يكتبه سطحيا, وأتذكر أنني عندما انتهيت من كتابة موال البيات والنوم اعتقدت حينها أنني قلت كل ما عندي, ثم اكتشفت أن هذا مجرد عناوين للمعاناة الحقيقية التي لم تكتب بعد؟ * تعكس أعمالك أيضا الكثير من تجاربك الحياتية ألم يحن الوقت لكتابتها! ـ أنا لم أكتب حتى الآن سوى قطرة من بحر تجاربي وأرى أنني صاحب تجربة إستثنائية, ولذا ستكون سيرتي بمثابة سيرة الشعب المصري كما هو الحال في ألف ليلة وليلة لأنني سأكتب تجاربي ومشاهداتي وعلاقاتي, ولكن لا أفكر في كتابتها الآن, وإن كنت أسجل بعض الأحداث المرتبطة بحركتي في العمل والعلاقات, والحقيقة أن تركيبة المجتمع العربي تحرمني كثيرا من التوسع في كتابة فن السيرة وهذه قضية ينبغي أن نناقشها طويلا وتكرارا فالكاتب عندما لايستطيع أن يمارس حريته الكاملة في الكتابة فتحفظ المجتمع يصادر على الكتاب ابداعات عظيمة, وفن السيرة الذاتية الرائع يحتاج الى جرأة نادرة, واذا نظرنا في المحاولات القليلة التي كتبت السيرة الذاتية نجد معظمها هي ألوان من الزيف لايجب احترامها, وعلى سبيل المثال كتاب "لطائف المنن" لعبدالوهاب الشعراني فهو كتاب ضخم يصل الى 2000 صفحة تتحدث جميعها عن الفضائل والصفات التي من الله عليه بها والتي لو توفر جزء منها في شخص لأصبح في عداد الأنبياء, فأين هي السيرة الذاتية في هذا العمل الضخم, أما توفيق الحكيم في أعماله الثلاثة (زهرة العمر) , (سجن العمر) , (عصفور من الشرق) فلم يكن صادقا تماما, وأنا أعرف والدته جيدا, ولو كتب عنها لقدم سيرة ذاتية من أعظم السير وكذلك شخصية والده وزوجته وعلاقته بابنه التي مرت بعواصف كثيرة كل هذا لم نراه فيما أطلق عليه سيرة ذاتية, ولكن بالمقارنة مع طبيعة المجتمع نعتبر هذه الأعمال الثلاثة انجازا في كتابة السيرة العقلية الذكية, أما نجيب محفوظ فقد كتب أصداء سيرة ذاتية وما كتب عنه لا أعتبره سيرة ذاتية كاملة. * وماذا عن الخبز الحافي.. السيرة الذاتية لمحمد شكري؟ ـ هذه ليست سيرة ذاتية ولكنها نوع من التلفيق وقد تعلم شكري الكتابة وهو في سن العشرين واحتكاكه بالأدب الفرنسي جعله يتأثر بالأعمال الاباحية التي انتشرت في القرن التاسع عشر فكتب الخبز الحافي معتمدا على معرفته بالمجتمع العربي المحافظ حيث تثير الكتابة الاباحية الدهشة وتجد أصداء واسعة, والحقيقة أنه لم يدع أنها سيرة ذاتية وقدمها على أنها رواية, ونحن خلعنا عليها هذا الوصف وأعطيناها أكثر مما تستحق, وفي رأيي أن أصدق ما كتب في هذا الاتجاه هو طه حسين وكتابه (الأيام) لأنه كتب من منطلق الثقة بالنفس. الانتاج واللغة * دائما ما يتهم الادباء بندرة الانتاج, ولكن أنت متهم بغزارته, ويقولون أنك تكتب بأقصى سرعة ممكنة فهل تعتبر ذلك اتهاما؟ ـ لا أعتبر ذلك اتهاما فأنا كاتب غزير الانتاج بالفعل لأنني أكتب بانفتاح شديد كما أن حياتي مفتوحة وزاخرة بالتجارب, والذين يقولون بأن غزارة الانتاج تهمة عاجزين ولايتصورون أن هذا ممكن وأقدر عليه فالموهبة قرينة الخصوبة وليست قرينة الندرة, وأنا أؤكد على هذا دوما ونحن عندما نرى انتاج ديستوفسكي تصيبنا الدهشة من غزارته فمتى كتب كل هذا فأي أديب موهوب لابد أن يكون غزير الانتاج.. هذا ما أعرفه وفي اعتقادي أن الفن الحقيقي هو ما يخرج تلقائيا في لحظة التدفق التي لارقيب عليها مع الفارق بين أديب وآخر في كيفية سيطرته على هذا التدفق, فهناك المقدرة على قول أشياء كثيرة ولكن في النهاية لايستطيع كل فنان أن يفصل منها شيئا مفيدا وأزعم أنني لا أستطيع فعل هذا. * في رأيك متى يصبح للكاتب أسلوبه المتفرد؟ ـ عندما يعبر بدقة عما يجيش بصدره ووجدانه, وعندما تصبح لغته أشبه بشحنات روحية وامضة تقتحم قلب وشعور المتلقي دفعة واحدة, فاللغة ليست مجانية تهب نفسها لمن يطلبها بل لها ضرورات في الاختيار وفي كيفية وضع الحروف بجوار بعضها ليست فقط لتخليق كلمة بل لانتاج دلالة فللحرف قيمة في خلق المعنى, وعندما أكتب أحاول الكتابة بلغة شفافة وعلى درجة كبيرة من النقاء. * هل تعتقد أن الكاتب العربي مازال على يقينه القديم باللغة؟ ـ المشكلة التي تواجه الكاتب والقارئ معا أن الخطاب السائد على مدار ربع القرن الأخير قد أدى الى انتهاك اللغة وتفريغها من مضمونها حيث أصبحت الكلمة تعني الشئ وتعني نقيضه في نفس الوقت الأمر الذي أدى لتفريغ الكلمة من مصداقيتها في الواقع وبالتالي فقد القارئ يقينه بها لأن مردودها غير حقيقي ومن هنا يتم ضرب تراثنا وموروثاتنا وهيمنة الثقافات الأخرى وسيطرة الأنماط الغريبة على حياتنا, فلابد من تطهير الذات وتطهير المتلقي من مثل هذه الانتهاكات والعودة باللغة الى بكارتها ومصداقيتها الأولى. * تقول عن أعمالك أنها في مستوى الحرب والسلام لتولستوي كيف ترى ذلك؟ ـ توجد مجموعة قليلة من المبدعين يكتبون بشكل حقيقي دون انتظار لعائد مادي أو معنوي وأنا بكل تواضع أسجل إسمي في مقدمة هؤلاء الكتاب فعلى مدى أكثر من أربعين عاما أكتب دون انتظار لكلمة تقدير أو نقد فالكتابة عندي مبرر للوجود والعلام الوحيد للعلاقة المتوترة مع الواقع. * وكيف ترى واقع الرواية العربية حاليا؟ ـ الروايات المتميزة لاتزيد عن 5% والباقي ضعيف, وهذا الضعف يعود لأن بعض الكتاب يعتقدون أن كتابة الرواية هي حكي للأحداث ولكن في اعتقادي أن الرواية المتميزة هي الجديرة بأن تضيف للثقافة رؤية مستقبلية, وهي ليست أداة للتعبير عن المتناقضات فقط فهي المشروع الكبير للكاتب وهذا المشروع لابد أن يتم تنفيذه بشكل متقد, ويتسم كاتبها بمنهج فلسفي للوجود. أعشق الشعر * وماذا عن الشعر وخاصة أنك تتولى رئاسة تحرير مجلة متخصصة بالشعر؟ ـ رغم أنني قدمت حتى الآن أكثر من 70 كتابا إلا أنني أؤكد لك أن الشعر هو الفن الحقيقي الذي أعشقه, وقرائتي في الشعر ربما تكون أكثر من الرواية وأعتبر نفسي ذواقة للشعر, وأفخر أنني كنت من أوائل المتابعين لحركة مجلة "شعر" التي أسسها أدونيس في أواخر الخمسينيات مع أنسي الحاج وخليل حاوي, وتابعت حركة الشعر الحديث فشهدت مولد السياب ونازك الملائكة والبياتي وصلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي من خلال هذه المتابعات منذ الخمسينيات حتى الآن لحركة الشعر الحديث حملت هموم وقضايا هذه الحركة التي تصورت في البداية أنها حركة عابرة لن تستمر سوى سنوات قليلة ورغم نجاحها في الاستمرار إلا أنني مازلت أقول أنها لم تثمر قصائد يمكن اعتبارها من عيون الشعر العربي باستثناءات قليلة ويرجع ذلك الى قصر عمر الحركة الشعرية الحديثة فسرعان ما طغت الحداثة وما بعد الحداثة. - يرى البعض أن دور الشعر يتراجع في مواجهة الرواية لدرجة أننا نعيش عصر الرواية فما رأيك؟ - هذه مقولات غير دقيقة وتثار باستمرار فالشعر فن لكل العصور, وكذلك الرواية, وكل ما في الأمر أنه قد يبرز فن عن الآخر ولكن لايلغي هذا الآخر ولايتراجع دوره, وهذا مرتبط بالظروف والقضايا المحيطة ففي فترة الستينيات كنا في حاجة لتعبئة الشعور العام من أجل القضايا العامة الكبيرة مثل قضية الصراع العربي الاسرائيلي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لذلك ارتفع صوت الشعر, الآن انحصرت القضايا العامة وأصبح العالم العربي في حالة بحث عن دور ورؤية للمستقبل في ظل العالم الجديد والتكتلات الكبيرة وهنا يبرز دور الرواية التي تحاول استكشاف الواقع والمستقبل وأعتقد أن هذا هو سبب انتعاش الرواية العربية. * ولماذا اختفى الهم العام من شعر الأجيال الجديدة؟ ـ لم يأت هذا من فراغ فبعد انهيار معظم الفلسفات الكبرى واهتزاز الثوابت وتراجع الأحلام الكبيرة التي كان ينطلق منها وحولها المبدع أصبح الثابت الوحيد لدى المبدعين هو الذات ولم يعد الشاعر مهموما بالقضايا العامة وكل ذلك وضع حواجز بينه وبين الجمهور وأصبح الشاعر أكثر تواضعا . الأدب والسينما * لك العديد من الأعمال تم تقديمها على الشاشتين السينمائية والتليفزيونية مثل (الوتد) و(سارق الفرح) , و(الشطار) وأخيرا (الكومي) لم يصور بعد هل أنت راض عن مستوى تقديم هذه الأعمال على الشاشة. ـ من الصعب أن أعطيك حكما واحدا يندرج تحته كل أعمالي التي قدمت للشاشة فهناك تفاوت في مستوى تقديم هذه الأعمال وعلى سبيل المثال أنا راض تماما عن سارق الفرح وغير راض عن الشطار. والوتد كان مسلسلا جميلا أما أسباب ذلك فإن سارق الفرح التزم مخرجه بالخطوط العامة للعمل بل بالتفاصيل وأظهرها كثيرا أما (الشطار) فالفيلم بعيد كل البعد عن الرواية والحكاية تعود الى ظروف تقديم هذا العمل حيث كان الاتفاق مع وصفي فايز الذي اشترى الرواية على أن تقدمها سعاد حسني ويكتب لها السيناريو وحيد حامد وظلت الرواية مركونة لمدة 4 سنوات, وعندما شعر المنتج محمد مختار أن وصفي فايز لن ينتج الرواية قام بشرائها وكلف بشير الديك بكتابة السيناريو الذي قام باجراء تغييرات كبيرة لتفصيل الدور لنادية الجندي فظهرت الرواية مختلفة تماما على الشاشة. * تتشابه هذه الظروف مع (الكومي) حيث يثار حولها ضجة حاليا؟ ـ لست طرفا في هذه الضجة فقد قامت المنتجة ناهد فريد شوقي بشرائها منذ سنوات ولم تنتجها والقانون يعطيني الحق في التصرف في روايتي في غضون فترة معينة مالم يقوم المنتج بتقديمها على الشاشة فأخذها مني قطاع الانتاج بالتليفزيون, والضجة الحالية بين المنتجة وقطاع الانتاج, وكل ما يعنيني في هذا الأمر هو سرعة إنتاج الرواية وتقديمها على الشاشة حتى يستمتع بها الجمهور. * وماذا تكتب حاليا؟ ـ انتهيت مؤخرا من كتابة رواية بعنوان (صالح هيصة) وستصور ضمن روايات الهلال بعد شهرين, بالاضافة لروايتي (صهاريج اللؤلؤ) التي تنشر حاليا مسلسلة في صحيفة الجمهورية وقد كتبتها منذ 7 سنوات. حوار: محمد الصادق
