جميل أن ينعقد بين حين وآخر موسم أو ملتقى للشعر. ولعل أجمل ما في هذه اللقاءات الموسمية أن يتعارف الشعراء بعضهم ببعض من مختلف الأجيال والمنابع والتيارات, فضلاً عن الفائدة الكبرى والإثارة العميقة الكامنة في لقاء جمهور الشعر وعشاقه وناقديه. وإذا كان اجتياز عقبة النشر مسألة هامة في مسيرة الشاعر الشاب, اذ يتخطى مرحلة التردد والخجل ويواجه القارئ (الأنا الآخر) فان مواجهة الجمهور في الأمسيات الشعرية لا تقل أهمية وغنى وبهجة. هنا تقف المرآة الكبرى التي يواجه بها الشاعر نفسه وتجربته الابداعية, وبخاصة ان كان يجيد إلقاء الشعر أو إنشاده, كما ورد في تراثنا الذهبي الجميل. ومهما كان الحوار مع النفس غنيا وعميقا وفعالا, فان الحوار مع الآخر سواء كان قارئا او مستمعا, عاديا او دارسا مختصا, يظل أغنى وأعمق وأجدى. لا أحد يكتب الشعر ليرضي غروره الذاتي وينطوي على نفسه داخل شرنقة من حرير او في قاعة من المرايا. ان متعة الفن الحقيقية تكمن في مواجهة عاشقيه وأنصاره.. وحتى في مجابهة خصومه ومنتقديه. بعيدا عن الكيمياء حين تحضر أمسية شعرية فأنت تلغي مواعيدك كلها وتكرس وقتك ـ رغم ضيقه الخانق ـ لسماع شيء جديد ومؤثر وجميل, أو هكذا تحلم. لولا المتعة والفائدة لما غامرت بالتخلي عن كل شواغلك الأخرى, اكراما للشعر وإعجابا بفرسانه. لكنك تفاجأ في كثير من الأحيان أنك وقعت في مصيدة: ان ما تسمعه ليس شعرا ولا نثرا, مجرد كلمات مرصوفة خاوية من اي نسيج فني, جمالي, وليس وراءها أية تجربة او معاناة او هاجس ابداعي. تتذكر مواضيع (الإنشاء) في الأيام الغابرة: (اكتب موضوعا في وصف الربيع..) او (صف رحلة قمت بها..) وتقلب دواوين البحتري وأبي تمام وشوقي والأخطل الصغير وإيليا أبوماضي.. وحتى المتنبي وتغنيه بشعب بدّان. لكن الإنشاء المدرسي لا يصنع ادبا. ولا أتصور ان النقاد والباحثين ولا حتى المحللين النفسانيين بقادرين على إيجاد ـ أو حتى تخيل ـ صيغة شبه كيميائية للقصيدة الجيدة الجديرة بوقت سماعها وقراءتها. ان الشعر, هذا الكائن الجميل الذي رفعه اجدادنا الى سماء الإلهام القدسي حينا ونسبوه الى الجن والشياطين في أحيان أخرى, ينبثق كالينابيع العذبة من صخور الجبال بعد تراكم الثلوج وذوبانها في نسيج الأرض. هذا يعني ان ولادة القصيدة تستعصي على التصميمات الهندسية المسبقة, كما تستعصي على المنطق الرياضي لأنها تتشكل خارج كل منطق دراسي معروف لتولد مأخوذة بمنطقها الفني, الجمالي ورؤاها المتخيلة الطليقة. الصنعة وإذا كنا نجد في التراث اشارات كثيرة الى ان الشعر صنعة, فإن ذلك تعبير مجازي اكثر مما هو حقيقة واضحة او وصفة واقعية مؤكدة. ان الصنعة, عملية التدخل الارادي الواعي, تأتي في خطوة لاحقة بعد كتابة القصيدة. وظيفة الصنعة تقتصر على الزخرفة الفنية والتحسين الجمالي بإضافة عبارة او صورة هنا وحذف عبارة او صورة مهلهلة هناك. وهذه اللمسات الاخيرة, وهي بالتأكيد ليست أكثر من لمسات, يقوم بها القارئ او الناقد الكامن في أعماق الشاعر, وليس الشاعر ذاته. الشاعر يبدأ كتابة القصيدة وينتهي منها وهو في حالة انخطاف, فهو موجود داخل الحالة مسكون بهواجسها. رأسه مشحون بالغيوم المثقلة ولابد من شرارة البرق حتى ينهمر المطر. الشرارة الاولى في ولادة القصيدة, المفتاح السحري, شهقة الطفل الاولى في الحياة, لا أحد يعرف كيف تحدث. وذلك هو سر الشعر العظيم. التجربة ستظل هذه الكلمة مغلفة بالغموض والالتباس حين تدخل في حديثنا عن الشعر, ذلك ان التجربة المخبرية العلمية معروفة, اما أن نقول: ان شعر المتنبي ينبثق من تجربة انسانية غنية عميقة, مشحونة بالقهر والمرارة, بينما يعاين ويعاني ذلك الشاعر المرهف حضارة امته وهي تنهار ويتناثر جسد الأمة الى شظايا من دويلات الانحطاط... هنا تبدو (التجربة) مكتنفة بالضباب, ولو للوهلة الأولى. التجربة تعني المعايشة والدراسة والتأمل والمعاناة, وهي مجموع الهواجس والأحلام والمشاهدات والأماني والخيبات التي يعيشها الشاعر. وفيها يختلط الخاص بالعام, والذكريات بالأحلام, والواقع بالتاريخ, والفرد بالمجتمع والأساطير بالوقائع.. من خلال المكابدة اليومية التي يعيشها الشاعر. فالتجربة الشعرية معاناة اولا, ثم تتجسد تلك المعاناة في رؤى وصور شعرية يتجلى فيها موقف الشاعر من الحياة وصراعاتها جليا واضحا او جماليا غامضا. المعاناة والرؤى والموقف هي العناصر الثلاثة المتمازجة في تشكيلة القصيدة الحديثة. ولابد ان تكون بنت زمانها الراهن, لا غريبة عنه. القصيدة في رأيي, ان الصراع خلال نصف القرن الأخير لم يكن بين الشعر العمودي والشعر الحر, إذ كان في ساحة الابداع اسماء متألقة في التيارين كليهما. لكن الصراع الحقيقي كان ولايزال بين الشعر واللاشعر, بين الابداع والانشاء, بين التجربة المثقلة بهموم العصر وبين الخواء الطافح بالغبار والعبث. بين قصيدة تأسرك, تلاحق صورها الندية المبتكرة بأنفاسك ويتردد ايقاعها مع نبض القلب, وبين ركام من الحصى والقش والرمال يتوهم صاحبها انها قصيدة وهي لا شعر ولا نثر ولا تدخل في باب الادب... أقول: بين هذه وتلك تمتد مسافات فلكية. نتأمل ليل امرئ القيس وجواده ومغامراته وملكه الضائع, ونتابع فتوة طرفة وعبثيته, فروسية عنترة وحبه الكريم, مخاوف الخطيئة من شبح الجوع وهوان الفقر, اعتذاريات النابغة وبكائيات الخنساء, وهج الحضارة العباسية في قصائد ابي تمام وأبي نواس, حمى المتنبي وملاحم سيف الدولة مع الروم.. حتى نصل الى الجواهري وبدوي الجبل وعلي محمود طه والسياب وخليل حاوي. القصائد عند هؤلاء كائنات حية جميلة كالأزهار والأشجار والعصافير والأطفال. ولنا أن نتساءل: كيف تولد هذه اللوحة السحرية التي نسميها (قصيدة)؟ يقول ارنست فيشر: الفن ضرورة لفهم الواقع وتغييره. وهناك ضغوط خارجية.. وضغوط نابعة من أعماق النفس, والقصيدة او اللوحة او القطعة الموسيقية تتشكل لتحقق التوازن بين الهموم الداهمة من الخارج والهموم المتصاعدة من الداخل. ولعل البعد الجمالي اهم من البعد الوظيفي في العمل الفني وأجدى. ان الحياة تغدو صحراء قاحلة, صحراء من الجليد القاتل حين تخلو من الفنون, شعرا ونغما وتشكيلا. والقصيدة, كاللوحة والأغنية والمعزوفة الموسيقية, تجعل الحياة أجمل وأبهى وأسعد. انها صرخة مدوية ضد المظالم والظلمات, ضد البشاعة والبؤس والهوان. ان آنة الموجع (آه) وضراعة المأسور (يا إلهي) ولهفة العاشق المحروم (يا حبيبي) هي الشهقة الاولى في القصيدة.. وفيها يكمن العزاء. القصيدة, كأي اثر فني, هي الدليل الابداعي الجميل على أننا مازلنا احياء. اللغة في حياتنا العملية, نطالب الطبيب والمهندس وحتى النجار ان يتقن عمله وان يكون متمكنا من ادواته, بعيدا عن التجريب العشوائي. التجريب في مثل هذه الحالة عبث وتخريب. فكيف يغامر بعضهم بكتابة الشعر او النثر, وهو لا يعرف ان يصوغ جملة مفيدة؟ كيف يسمي عمله ابداعا وهو يجهل ابجدية ذلك العمل وقواعده الاولية ولا يملك الا الحد الادنى من أدواته؟ اللغة هي اداة الشاعر. ومن لا يتقن اسرار لغته الأم, ولا يميز بين الفاعل والمفعول والمضاف اليه, كيف يجيز لنفسه ان يقتحم عالم الكتابة ويسمي (خربشاته) ابداعا؟ وهل تستطيع الموهبة وحدها ان تنتج شعرا مقبولا اذا كان صاحبها لم يطلع على شيء من روائع التراث؟! والتراث ليس كل ما ورثناه عن الأقدمين, انه التيار الحي الباقي والمتجدد, التيار الممتد من الماضي الى المستقبل, في موروثاتنا ركام من الأشياء الميتة, اما التراث فهو النسغ المتدفق في شجرة الحياة. وحين يرفض الشاعر ان يقرأ هذا التراث ويتمثله فانه يحكم على ذاكرته بالعقم والجفاف. والذاكرة هي التي تحتضن اللغة وتجلياتها الابداعية, وهي التي تدفعنا الى اضافة شيء مبتكر ومعبر عن همومنا ذاتها وأحلامنا ذاتها, لا هموم الراحلين ولا هموم القادمين. في الختام, اصل الى الواقع لأتناول امثلة وشواهد. ولابد ان اتوقف, ولو قليلا, مع الملتقى الشعري الاخير الذي جرى في أبوظبي بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر ابريل المنصرم, لقد استمعنا في الأمسيات الثلاث الى احد عشر شاعرا, معظمهم من الشباب الواقفين في بداية الطريق, وان كان بعضهم قد شق طريقه في عالم الابداع بكل ثقة وجهد وإصرار. شاعران لا أكثر, من أحد عشر شاعرا كانا جديرين بحمل راية الملتقى, وهما حسين السماهيجي من البحرين وابراهيم محمد ابراهيم من الامارات. اما ما تبقى من قصائد الأمسيات فكان بعضها يذكرنا بالمحاولات الأولى في الخمسينيات من القرن الماضي. ان الشاعر الذي لا يحس بتطور القصيدة وشجونها بين جيل واخر هو إنسان يقف خارج الزمن. ومن لا يحب لغته ولا يحترم اصولها وقواعدها ولا يدرك اسرارها, ليس من حقه ان يسمي نفسه شاعرا عربيا. حسين السماهيجي, الشاعر الشاب, في قصيدته العميقة المؤثرة (مواجد الحسين بن منصور) لم يكن يتحدث عن الحلاج في محنته وإنما كان يعبر عن نفسه, عني وعنك. لم يكن خارج التجربة والمعاناة, وانما يتفجر ويتفجع من داخلها, من الاعماق. وقد اختار لحظة صلب الحلاج, معلقا على الخشبة, بداية جارحة: مرتعش الاطراف, تلملم اوجاع الناس, في جعبتك الكونية. ليدخلنا معه في اتون التجربة الانسانية الفاجعة, مأساة الانسان المرهف ومحنة الحرية والالتزام في هذا العصر. وبين البكاء والحلم في مستهل القصيدة وبين البكاء والفرح في نهايتها يتناول الشاعر بلمسات رسام مبدع لقطات من حياة ذلك الشهيد وأفكاره وأحلامه, لا يقولها مباشرة وإنما يكتفي بلمحات منها تجعل الشعر مفعما بالعذوبة والشفافية, رغم فجائعية الموضوع. وأخيرا غادر الشباب المنصة, وقد أثاروا في نفسي بعض العتاب وبخاصة اولئك الذين انشدونا قصائد عمودية, اذ كانت تفتقر الى أبسط الاصول المتوارثة وأعني سلامة اللغة ومتانة سبكها والاحتفاء بالصور البلاغية والمحسنات الفنية, الجمالية التي لابد من توافرها في مثل هذه القصائد. ولعل عذرهم انهم لايزالون في بداية الطريق. التعويض الجميل ومسك الختام كان لقاء الشاعر الكبير حمد خليفة أبوشهاب, اذ جاء تكريمه تتويجا لذلك الملتقى وكانت قصائده واحة حافلة بالأنداء والأطياب والاشراقات الملونة البهيجة. بعد ان دخل شعر التفعيلة في رتابة تقليدية باردة, مع استثناءات قليلة, وبعد ان اشرفت قصيدة النثر على شيخوخة مبكرة.., يطيب الاستماع الى شعر وجداني طافح بالعذوبة والجزالة الأصيلة وروعة النسج وتوهج اللغة في أبهى صورها البلاغية والجمالية. بعد رحيل الجواهري والبردوني وعمر ابوريشة, صرنا نتلهف لسماع الشاعر الملهم الذي يعيد للأصالة العربية مجدها ونضارتها وإيقاعها السحري العزيز. فتحية لهذا الشاعر الكبير, راجيا من الله تعالى أن يمده بالشباب الدائم والعطاء الابداعي الذي لا يشيخ. بقلم: علي كنعان
شواهد من الملتقى الشعري الخليجي السادس ، الشعراء كثر وأقلهم مبدعون ، صراع نهاية القرن كان بين الشعر واللاشعر
